ربح 41 مقعدا ولم يحتفل.. كواليس ليلة الصدمة في بيت حزب العدالة والتنمية

24/09/2026 - 14:00
ربح 41 مقعدا ولم يحتفل.. كواليس ليلة الصدمة في بيت حزب العدالة والتنمية

حقق حزب العدالة والتنمية واحدة من أبرز « قفزاته » الانتخابية، بعدما انتقل من 13 مقعدا في انتخابات 2021 إلى 54 مقعدا في اقتراع 23 شتنبر 2026، مستعيدا بذلك جزءا كبيرا من حضوره داخل مجلس النواب بعد خمس سنوات من النكسة التي أخرجته من قيادة الحكومة وأرسلته إلى صفوف المعارضة.

قفزة بـ41 مقعدا كان يمكن، في ظروف أخرى، أن تكون كافية لتحويل المقر المركزي للحزب إلى فضاء للاحتفال، لكن الذي حدث في الساعات الأولى من صباح الخميس كان العكس تماما: صمت خيم على المكان بعد إعلان النتائج، وقيادات تغادر تباعا مطأطئة الرأس، وترفض تقديم تصريحات للصحافيين.

المفارقة لم تكن في عدد المقاعد التي حصل عليها العدالة والتنمية، بل في المسافة بين ما حققه فعليا وما كان ينتظره قبل دقائق من إعلان النتائج.

فخلال ساعات الفرز، انتقل سقف التوقعات داخل الحزب من تسجيل عودة قوية إلى الاعتقاد بأنه يتجه نحو تصدر الانتخابات، ثم إلى انتظار المرتبة الثانية على الأقل، قبل أن يعلن وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت نتيجة وضعت « المصباح » رابعا بـ54 مقعدا، خلف الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعدا، والتجمع الوطني للأحرار بـ66، والاستقلال بـ65.

وتحولت ليلة كان العدالة والتنمية يستعد لإنهائها بإعلان عودة انتخابية مدوية إلى ليلة صدمة، رغم أن الأرقام نفسها تؤكد أن الحزب كان أحد أبرز المستفيدين من اقتراع 2026.

شريط البداية

بدأت الليلة بالنسبة إلى قيادة العدالة والتنمية بشيء من القلق، حتى قبل أن تتضح ملامح النتائج.

فبعد إغلاق مكاتب التصويت، خرج الأمين العام للحزب عبد الإله ابن كيران للحديث عن إفادات قال إنه تلقاها من ممثلي الحزب في عدد من مكاتب الاقتراع، تفيد بأن رؤساء مكاتب رفضوا تسليمهم نسخا من محاضر النتائج.

وقال ابن كيران إنه « انزعج كثيرا » من الأمر، معتبرا أنه غير معقول ومخالف للقانون وللتوجيهات التي قال إن وزير الداخلية سبق أن أكدها له.

وكشف أنه أعاد الاتصال بوزير الداخلية، وأن الأخير أكد له، بحسب روايته، أنه أعطى توجيهات صارمة إلى الولاة والعمال لضمان تسليم المحاضر، مشيرا إلى أن الحزب سيحتفظ بحقه القانوني في كل مكتب لم يحصل فيه ممثلوه على المحضر.

كان ابن كيران في هذه الخرجة مستاء من مشكلة المحاضر، لكن حديثه لم يصل إلى التشكيك في النتيجة العامة للانتخابات. وفي الوقت الذي كان يطالب فيه بتسليم المحاضر، كانت النتائج الأولى التي تصل إلى المقر ستدفع المزاج في اتجاه آخر تماما.

سقف التفاؤل!

مع تقدم عمليات الفرز ووصول المعطيات من مكاتب التصويت، أخذت الأجواء داخل المقر المركزي تتغير.

النتائج التي كانت تصل إلى الإدارة المركزية للحملة أعطت قيادات الحزب انطباعا بأن العدالة والتنمية لا يحقق مجرد عودة انتخابية، وإنما ينافس على المرتبة الأولى.

وقبل منتصف الليل، بلغ التفاؤل ذروته مع خروج ابن كيران مجددا للحديث عن النتائج.

قال الأمين العام إن عددا كبيرا من الدوائر الانتخابية حسم لصالح حزبه، وإن العدالة والتنمية يتقدم بفارق كبير عن الحزب الذي يليه.

وبناء على المعطيات الأولية التي كانت بحوزة قيادة الحزب، قال ابن كيران إن العدالة والتنمية يبدو متجها إلى تصدر الانتخابات ونيل المرتبة الأولى.

وأضاف: « ما أقوله عن قناعة ولا أزايد على أحد »، معتبرا أن قيادة الحزب أوفت بعهدها ووعدها بإعادة العدالة والتنمية إلى « مرتبته الأصلية ».

كانت تلك أعلى نقطة بلغتها توقعات الحزب خلال الليلة.

ألقى ابن كيران كلمته وغادر المقر، بينما بقيت القيادة وأعضاء الإدارة المركزية للحملة ينتظرون اكتمال الصورة.

رسائل في « بريد » المقرات

لم يكن التفاؤل داخل مقر العدالة والتنمية مصدره النتائج التي يجمعها الحزب فقط من مسؤوليه بمختلف أنحاء الوطن.

فالأخبار الواردة من مقرات منافسيه كانت، بدورها، تزيد الاعتقاد بأن « المصباح » في طريقه إلى احتلال موقع متقدم جدا في الترتيب.

وبحسب معطيات « اليوم 24″، كان قياديون في حزب الاستقلال يعتقدون، حتى قبل إعلان النتائج الرسمية، أن حزبهم حل ثالثا، وهو ما تأكد لاحقا. لكن المعطيات التي كانت متوفرة لديهم، وفق المصادر نفسها، كانت تشير إلى أن العدالة والتنمية يحتل المرتبة الثانية، فيما يأتي التجمع الوطني للأحرار رابعا.

ومن مقر الأحرار جاءت إشارة أخرى أثارت الانتباه، وقال صحافيون إن مسؤولي حزب التجمع الوطني للأحرار طلبوا من الصحافيين مغادرة مقره المركزي، وردد بعض القياديين: « ما عندنا ما نقولو… ما بقى ما يتقال.. ».

أما في مقر الأصالة والمعاصرة، فكان الحزب يستعد لعقد ندوة صحافية عقب إعلان النتائج، وهيأ مكانها وترتيباتها، قبل أن يعلن بعد منتصف الليل إلغاءها وتأجيلها إلى الثانية من بعد ظهر الخميس.

بالنسبة إلى من كانوا يتابعون هذه المؤشرات من داخل مقر العدالة والتنمية، بدت المرتبة الثانية، في تلك اللحظات، أقرب إلى الحد الأدنى للتوقعات بعدما كان الحديث قبل ذلك عن إمكانية تصدر الانتخابات.

قلق « المحاضر »!

لكن مع تقدم الليل، عاد ملف المحاضر بقوة. في الساعات الأولى من صباح الخميس، وقبل ظهور وزير الداخلية لإعلان النتائج، بث الحزب شريط فيديو لاتصال عبر تقنية التناظر المرئي، بين الأمين العام للحزب عبد الإله بن كيران، ونائبه إدريس الأزمي الإدريسي، تحدث فيه هذا الأخير عن أربع شكايات قال إن الحزب توصل بها بشأن « الامتناع عن تسليم المحاضر ».

وحدد الأزمي الحالات في الفحص أنجرة وقلعة السراغنة وسيدي قاسم وتازة، قائلا إن مراقبي الحزب ظلوا أمام مقرات الاجتماعات في انتظار الحصول على المحاضر.

هنا ظهر ابن كيران مرة أخرى بنبرة أكثر قلقا، في التسجيل الذي ظهر فيه بالصوت فقط، بينما ظهر الأزمي بالصوت والصورة.

قال بنكيران، إن وزير الداخلية ظل خلال اليوم يتجاوب معه بشأن الإشكالات التي يطرحها، لكنه كشف أن لفتيت لم يعد يجيب عن اتصاله الأخير المرتبط بهذه الحالات.

وخاطب ابن كيران الوزير قائلا: « أرجو السيد الوزير أن تتخذ الإجراءات اللازمة حتى يصل هذا العمل إلى نهايته بهذه الطريقة المشرفة نسبيا ».

كما اعتبر أن استمرار مثل هذه الحالات يمكن أن يثير، من وجهة نظره، تساؤلات بشأن نزاهة العملية الانتخابية، مؤكدا أن الحزب سيلجأ إلى الاحتجاج والمساطر القانونية إذا استمرت المشكلة.

وهكذا عاد القلق إلى المقر المركزي للحزب، في الساعات التي سبقت الإعلان الرسمي، لكن حتى تلك اللحظة ظل الاعتقاد السائد داخل الحزب، وفق المعطيات المتوفرة، أنه يوجد في أحد المراكز الأولى.

إعلان لفتيت وصمت « الليمون »

ثم ظهر وزير الداخلية، ليعلن أن الأصالة والمعاصرة أولا بـ97 مقعدا، ثم التجمع الوطني للأحرار ثانيا بـ66 مقعدا، يليه حزب الاستقلال بـ65 مقعدا، ورابعا العدالة والتنمية بـ54 مقعدا.

هنا تغيرت أجواء المقر. وخيم الصمت بعد إعلان النتائج، وبدأت قيادات الحزب تغادر الواحدة تلو الأخرى، مطأطئة الرأس، فيما رفض عدد منها الإدلاء بأي تصريح للصحافيين.

لم يكن الرقم، في حد ذاته، سيئا بالنسبة إلى حزب كان يتوفر على 13 مقعدا فقط. فالعدالة والتنمية ربح 41 مقعدا في ولاية واحدة، وانتقل من موقع انتخابي متراجع كثيرا إلى كتلة برلمانية من 54 نائبا.

لكن الرقم الذي كان يعني « انتصارا » عند مقارنته بانتخابات 2021، أصبح مصدر صدمة عند مقارنته بما عاشه الحزب خلال الساعات السابقة. كان ينتظر الأولى، ثم أصبح يأمل في الثانية، فإذا به رابعا.

« التزوير » بين الظهور والحذف

ولم يحتج أثر المفاجأة إلى وقت طويل حتى يظهر على حسابات بعض قيادات الحزب. فبعد إعلان النتائج مباشرة، كتب عضو في الأمانة العامة للعدالة والتنمية على صفحته تدوينة من كلمة واحدة: « التزوير ». وبعد وقت قصير، اختفت التدوينة.

أما عادل الصغير، عضو الأمانة العامة للحزب والكاتب الوطني لشبيبة الحزب، فكتب بعد ظهور النتائج الرسمية ساخرا: « التجمع الوطني للأحرار الذين أغلقوا مقرهم المركزي مبكرا وأخرجوا الصحافة منه، وناموا باكرا، سيستيقظون على المرتبة الثانية في الانتخابات… يا لها من هدية ».

استيقظ الأحرار بالفعل على المرتبة الثانية، لكن المفاجأة بالنسبة إلى العدالة والتنمية كانت أن الحزب الذي كان ينتظر أن يكون أمامهم وجد نفسه خلفهم بمركزين.

قيادي لـ »اليوم 24″: النتائج مفهومة

داخل الحزب بدأت، بعد الصدمة، محاولات تفسير ما وقع. وقال قيادي في العدالة والتنمية وعضو أمانته العامة لـ »اليوم 24″ إن النتائج بالنسبة إليه « مفهومة »، قبل أن يقدم قراءة سياسية لترتيب الحزب.

وقال القيادي: « نحن وضعنا خطا أحمر أمام أي تحالف مع الأصالة والمعاصرة »، مضيفا أنه، من وجهة نظره، لم يكن من الممكن أن يحتل العدالة والتنمية المرتبة الثانية بعدما اختار مسبقا معارضة حكومة يقودها الأصالة والمعاصرة أو التجمع الوطني للأحرار.

وأضاف: « لذلك وضعونا في المرتبة الرابعة، وليس الثانية التي نستحق »، مؤكدا أنه « حكومة الأصالة والمعاصرة لن تصمد كثيرا ».

شارك المقال