قراءة أولية لنتائج انتخابات 23 شتنبر 2026

في رأيي يمكن استنتاج خمس خلاصات من التحليل السريع لنتائج اقتراع البارحة.

1. ما أكدته نتائج اقتراع الأمس أن التحاق لقجع بالبام مثل ورقة سياسية أساسية في استراتيجية الحزب خلال استحقاقات 23 شتنبر المقبل. ويبدو من الطريقة التي تم بها تبريزه في مختلف اللقاءات الميدانية أنه كانت الغاية هي الاستفادة من الانطباع العام الذي تولد حول شخصيته خلال الخمس سنوات الأخيرة، سواء فيما يخص تأهيل الفرق الوطنية لكرة القدم واستضافة المغرب لمونديال 2030، أم فيما يتعلق بما يملكه من قدرات خطابية « حماسية » وموقعه الحكومي في قطاع الميزانية العامة.

كلها عوامل جعلت من وجوده دعامة انتخابية أقل انشغال بالسياسة بمعناه الحزبي الإيديولوجي، وأكثر اهتمام بجاذبية شخصية « صاحب الإنجازات المستلهمة لمشاعر الفخر الوطني » باعتبارها مسوغا عقلانيا يدفع بسلالة وبلين (Nudge) للقبول اجتماعياً بسردية الحاجة إلى تغيير بروفيل القائد لحزب يعاني منذ 2009 من غياب شخصية الزعيم « المقبول » لدى الرأي العام. وهو الأمر الذي يبدو أن الاستراتيجية التواصلية للحزب قد نجحت في استثماره انطلاقا من ثلاثة محددات كافية لإحداث تأثير سلوكي لدى الناخب الأكثر قابلية للاستمالة:

• التبريز التواصلي الإعلامي للشخصية العمومية الأجدر بالثقة لقيادة المرحلة المقبلة، خصوصا وأن الانزعاج الذي أبدته بعض قيادات حزب الأحرار من وجوده خلال اجتماع المكتب السياسي الأخير (25 غشت 2026) كان له عائد إيجابي على أهمية حضوره في المنافسة الانتخابية؛

• التمكن بشكل كبير في التحكم في الكلفة السياسية للمعلومات الرائجة على شبكات التواصل الاجتماعي حول تلك الشخصية، وما قد يحدث وجودها من حساسيات داخلية، خاصة مع أعضاء القيادة الجماعية للحزب؛

• نجاح خطة الدعاية الانتخابية للحزب في تجنب كل ما من شأنه أن يحدث خلطا ذهنيا (confusion cognitive) بين شخصية القائد السياسي المثير لحفيظة الشارع وشخصية القائد السياسي الجديد الملهم للحماسة الشعبية (وهو ما حاول لقجع إبرازه من خلال إفصاحه عن عدم رضاه عن القواعد التي اعتمدتها الحكومة في تدبيرها للدعم في قطاع الفلاحة).

بهذه الاستراتيجية المعقلنة أعتقد أن البام استطاع معاودة حلم تصدر الاستحقاقات التشريعية لـ 2016 والذي اكتفى حينها باحتلال المرتبة الثانية بـ105 مقاعد.

الفارق بين سياق 2016 و2026، أن تعويل البام على الصدارة هذه المرة كان على حساب حزب التجمع الوطني للأحرار، وليس على حساب العدالة والتنمية (أي بدون كلفة إيديولوجية قد تعرض الحزب إلى مخاطر عدم المقبولية الاجتماعية لاستراتيجية التقاطبية السياسية القائمة على الحداثين والإسلاميين)، خصوصا بعدما تأكد استقطاب مرشحين كان يعول عليهم حزب الأحرار في 23 شتنبر 2026؛ علما بأن خلال تشريعيات 2021، اعتمد الأحرار على 39 مرشحا التحق به من أحزاب أخرى، وقد فاز منهم 36 نائبا من ضمنهم 17 عضوا سبق له أن انتخب باسم البام في 2011 أو في 2016.

2. نسجل عودة الطبقة المتوسطة في المدن الكبرى والمتوسطة إلى صناديق الاقتراع عبر إعمال التصويت المفيد والعقابي لفائدة حزب العدالة والتنمية. وفي اعتقادي، التسييس من جديد للأوساط المدينية ذات الكثافة السكانية العالية والمتوسطة في الدوائر ذات المقاعد 3 و4 و5 و6 ساعد حزب العدالة والتنمية إلى استرجاع جزء من قوته الانتخابية، علما بأن هذه الدوائر تمثل 86% من مجموع المقاعد المحلية (305). ولعل في تركيز بنكيران خلال الأسابيع الأربع السابقة على يوم للقاءات الجماهيرية في الدوائر ذات ثلاثة مقاعد أو أربعة ما يفسر ارتفاع حصيلة مقاعده بنسبة تتجاوز 4 المرات حصيلة 2021، وهو ما مكنه بالتالي من تجاوز الاتحاد الاشتراكي والحركة الشعبية ومنافستهما على أصوات الناخبين الأكثر ميولا لإعمال التصويت العقابي في تلك الدوائر؛ علما بأن قرار حركة التوحيد والإصلاح خلال اجتماع مكتبها التنفيذي الأخير (5 شتنبر 2026) كان، لا محالة، داعما لطموح تصحيح الحزب لكبوته الانتخابية في 2021، بالرغم أن مراجعة القاسم الانتخابي على أساس عدد المسجلين لم يسعفه لتحقيق حصيلته الانتخابية خلال استحقاقات 2011 و2016.

3. أظن أن الخاسر الأكبر من اقتراع 23 شتنبر كان هو حزب الأحرار الذي لحقه ضرر بليغ، إذ فقد 35./. (36 مقعدا) من حصيلته في انتخابات 2021؛ بالرغم من أنه كان، بالمقارنة مع أحزاب الأغلبية، الأكثر تهيؤا والأكثر حضورا على مستوى الأنشطة الحزبية -ترابيا- خلال الولاية الانتدابية الأخيرة. ومرد ذلك، في اعتقادي، هو اعتماده المفرط على بروفيلات غير مسيسة تم استقطاب جلها لغاية انتخابية محضة (ما يناهز 56% من منتخبي الحزب، بما فيهم المستشارين الجماعيين، لا تتعدى مدة التحاقهم بالحزب أكثر من سنتين قبل انتخابات 2021، كما أن غالبيتهم قدموا من أحزاب أخرى، بما فيها البام، وقد عاد جزء كبير منها إلى أحزابهم الأصلية في 2026، بالرغم من بعض منهم ممن يتقلد مسؤولية انتخابية جماعية فضل عدم الإفصاح على ذلك صراحة، وقد اشتغل أثناء الحملة الانتخابية ضد الحزب، خاصة لفائدة البام).

4. إذا ما أخذنا بعين الاعتبار بروفيلات المرشحين الذين تم استقطابهم من طرف البام خلال ستة أسابيع التي سبقت يوم الاقتراع، سنلاحظ أن غالبيتهم تتقاسم ملمح الأعيان « الجدد » (أو ما يسمي بالمقاولين السياسيين) من ذوي النفوذ المحلي الأكثر حضورا على مستوى جغرافية القرب الاجتماعي ومن دون أي توجه إيديولوجي يمكن أن يحسب على تأطير سياسي حزبي خاص، والأكثر قدرة على استمالة فئات الناخبين التي عادة ما يتأثر سلوكها الانتخابي بعوامل القرب العائلي والقبلي أو الثقة ويسر التواصل واستمراره (ما يشكل عادة نسبة 74% من مبررات التصويت لدى الناخبين في أحواز المدن المتوسطة والكبرى). ولعل وجود بعضهم في رأس اللوائح المحلية ما أفضى إلى رفع عدد مقاعد الحزب بعشرة مقاعد.

هذا المنحى في اختيار المرشحين أهل حزب الأصالة والمعاصرة إلى معاودة رهان 2016 بحصوله على مجموع 97 مقعد، ويتبوأ المرتبة الأولى من دون أن يصل إلى سقف المائة المقعد، كما جرت العادة في الاستحقاقات التشريعية التي جرت بعد اعتماد الوثيقة الدستورية لـ2011.

5. لقد أفرزت انتخابات 2026 ثاني أضعف نسبة مشاركة (38,08%) مسجلة في تاريخ المسار الانتخابي بالمغرب بعد نسبة انتخابات 2007 (37%) باعتماد مرجعا قاعدة لوائح المسجلين. أما إذا اعتمدنا مرجع عدد السكان ممن هو في سن التصويت، فستكون نسبة المشاركة الأضعف على الإطلاق بمعدل 22,88% أي أقل من الربع بالمقارنة مع النسبة المسجلة في استحقاقات 2007 (27,83%). هذه الحصيلة ضعيفة على مستوى المردودية المجتمعية للتأطير السياسي للأحزاب قد تساعد على التدبير المرحلي المؤقت المشروط بالحفاظ على مكسب انتظام الأجندة الانتخابية؛ لكنها تبقى محدودة الأفق السياسي، وذات مخاطر عالية على المدى المتوسط والبعيد فيما يخص الحاجة المستعجلة لتأهيل المشهد الحزبي وإرجاع الثقة في جدوى أدواره على مستوى الوساطة السياسية، كما أثبت ذلك مختلف الأبحاث الميدانية المنجزة حول منظومة القيم والتحولات المجتمعية خلال العشرين سنة الأخيرة.

 

شارك المقال