أربعة عشر كيلومترا فقط تفصل المغرب عن إسبانيا، لكنها لم تكن كافية دائما لكي يعرف أحدنا الآخر. فكلما اندلعت أزمة بين الرباط ومدريد، عادت الصور القديمة إلى الواجهة: «المورو» في المخيال الإسباني، و«بو رقعة» في الذاكرة المغربية. وبين الاستعمار والهجرة وسبتة والريف والحرب الأهلية، راكم البلدان تاريخا طويلا من الجوار وسوء الفهم. ربما حان الوقت لكي ننظر إلى بعضنا خارج الكاريكاتور، من دون أن يعني ذلك نسيان التاريخ أو التغاضي عن مسؤوليات السياسة.
أنا مغربي، وريفي على وجه التحديد، وقد أمضيت نصف حياتي أدرس تاريخ إسبانيا. مدة كافية لكي أتعلم كيف أحب هذا البلد، حتى في تناقضاته، ولكي أتحدث عنه بالمودة التي يستحقها وبالصراحة التي يقتضيها الجوار.
وربما لهذا السبب يدهشني أن أرى، كلما اندلعت أزمة بين بلدينا، أحكاما وصورا نمطية كنت أظن أنها أصبحت جزءا من الماضي تعود فجأة إلى الحياة. لكن سيكون من السهل، والمريح أيضا، أن نقف عند هذه النقطة ونحاضر في الإسبان عن نظرتهم إلينا. فلدينا نحن أيضا إسبانيا متخيلة، صنعتها الذاكرة الاستعمارية والسياسة والخلافات المتراكمة. والمرآة، لكي تكون مفيدة، ينبغي أن تعكس الصورتين.
سبتة: حين تختلط المسؤولية بالصورة النمطية
الدخول الجماعي لأكثر من 72 ألف شخص إلى سبتة يومي 30 و31 يوليوز خلف مأساة إنسانية ثقيلة، أودت، بحسب الحصيلة التي نشرتها المنظمة الدولية للهجرة في شتنبر، بحياة ما لا يقل عن 97 شخصا. كما ترك أزمة ما تزال تداعياتها تمس المدينة المحتلة وآلاف المهاجرين.
حجم ما حدث يفرض البحث عن المسؤوليات بلا مجاملة. فتقرير للمركز الوطني للهجرة والحدود التابع للشرطة الوطنية الإسبانية، أعد بطلب من القاضية ماريا تاردون بالمحكمة الوطنية، وصف الدخول الجماعي بأنه عملية مخطط لها، وأشار إلى مشاركة عناصر مغربية، بعضها بالزي الرسمي وبعضها بلباس مدني. لكنه لم يتمكن من تحديد المسؤوليات الفردية، وما يزال التحقيق القضائي مفتوحا.
وبصفتي مغربيا، يهمني أن نعرف الحقيقة، أيا كانت. وأن تحدد، بالأدلة، مسؤولية أي جهة مغربية إن ثبتت. لكن من المشروع بالقدر نفسه فحص أداء السلطات الإسبانية، ومدى استعدادها، وكيف أدارت الحدود والاستقبال في أزمة انتهت بموت عشرات البشر.
المشكلة تبدأ عندما ننتقل من مساءلة الدولة إلى محاكمة المجتمع. قرار تتخذه مؤسسة مغربية لا يصبح دليلا على «طبيعة المغاربة»، تماما كما لا يجوز لنا أن نختزل ملايين الإسبان في قرار تتخذه لامونكلوا. تبدو الفكرة بديهية، لكنها تفقد بداهتها بسرعة مدهشة عندما تبدأ الأزمات.
«المورو» الذي لا يموت بسهولة
للصورة الإسبانية عن المغربي تاريخ أطول بكثير من آخر أزمة في سبتة. فقد وثق المؤرخ إيلوي مارتين كوراليس، عبر قرون من الرسوم والنصوص والخطابات، تحولات صورة المغاربي في إسبانيا: مرة عدو مخيف، ومرة «موريسكي»، ومرة جندي، ومرة «أهلي» غريب يصلح للفرجة.
ودرست الباحثة دانييلا فليسلر كيف استعادت بعض الخطابات المعاصرة حول الهجرة المغربية لغة «الغزو» الإسلامي القديمة. وكانت أحداث إل إيخيدو سنة 2000 مثالا مأساويا على ما يمكن أن يحدث عندما تتحول جريمة فرد إلى ذريعة لمعاقبة جماعة كاملة.
حتى الحرب الأهلية الإسبانية صنعت «مغربيها» الخاص. الدعاية الفرنكوية تحدثت عن الأخوة الإسبانية المغربية، بينما قدمت بعض الدعاية الجمهورية الجنود المغاربة في جيش فرانكو باعتبارهم امتدادا لغزاة العصور الوسطى. وفي الحالتين كان المغربي الحقيقي، بظروفه وفقره ودوافعه وتناقضاته، أقل حضورا من الصورة التي احتاج إليها كل معسكر.
لكن اختزال إسبانيا الحالية في هذا الإرث سيكون ظلما آخر. هناك إسبانيا أخرى أمضى فيها باحثون وكتاب وصحافيون عقودا في محاولة فهم المغرب بعيدا عن الصور الجاهزة. ويكفي أن نذكر غونثالو فرنانديث باريّا وكتابه Al sur de Tánger، »جنوب طنجة»، الذي يقدم المغرب من خلال السفر والأدب والذاكرة والمعايشة.
المشكلة ليست أن إسبانيا لا تعرف المغرب إطلاقا، بل أن هذه المعرفة كثيرا ما تتراجع، ساعة الأزمة، أمام صورة أقدم وأسهل.
أي مغرب يراه الإسباني؟ المغرب نفسه لا يساعد كثيرا من يبحث عن تعريف بسيط له. فالعدد 148 من مجلة «زمان»، الصادر في فبراير 2026، خصص ملفا كاملا لتشكل «الشخصية المغربية»، بما تحمله من روافد أمازيغية وعربية وإفريقية وأندلسية ويهودية، ومن طبقات تاريخية يصعب جمعها في قالب واحد.
حتى علاقتنا بالسلطة ليست قصة «طاعة» أبدية كما توحي بعض الكتابات الأجنبية. تاريخ المغرب مليء بالبيعة والتفاوض والتمرد والتحالفات والصراعات الجهوية والمقاومة.
والريف يعرف ذلك جيدا. فمن ذاكرة محمد بن عبد الكريم الخطابي ومقاومة الاستعمار الإسباني إلى حراك الحسيمة سنة 2016، يمتد تاريخ طويل من الاحتجاج على السلطة والمركز والتهميش. وقد واجهت الدولة الحراك باعتقالات ومحاكمات أثارت انتقادات حقوقية واسعة.
من الصعب إذن تقديم المغربي باعتباره كائنا مطيعا بالفطرة. لكن سيكون ساذجا بالقدر نفسه أن نستبدل بهذه الصورة مغربا مثاليا لا يعرف التفاوت أو القمع أو التناقضات.
ليس المطلوب أن نستبدل كاريكاتورا بكاريكاتور أجمل.
لكن ماذا عن إسبانينا نحن؟
هنا تصبح الحكاية أكثر متعة، وربما أكثر إحراجا أيضا.
فنحن المغاربة لم ننتظر الإسبان لكي يصنعوا صورة عنا؛ صنعنا نحن بدورنا صورة عنهم.
الأنثروبولوجي جوزيب لويس ماتيو دييستي استعاد في دراسة مهمة عن الإسبان في المخيال الاستعماري المغربي مجموعة من هذه الصور. ومن أطرفها كلمة « بو رقعة »: صاحب الرقع أو الثياب المرقعة.
لم تكن التسمية مجرد شتيمة مجانية. فكثير من الإسبان الذين وصلوا إلى المغرب في مراحل معينة كانوا عمالا وفلاحين وصغار التجار يعيشون ظروفا قاسية. وتحدثت شهادات قديمة عن جنود إسبان امتلأت ملابسهم العسكرية بالرقع من شدة الاستعمال. بل إن عسكريا مغربيا سابقا كان يتذكر بفخر أنه حصل على مكافأة لأنه كان ماهرا في ترقيع سراويل الجنود الإسبان.
وهنا يقدم لنا التاريخ واحدة من مفارقاته اللذيذة: بينما كان المخيال الاستعماري الإسباني يصور المغربي باعتباره متخلفا وفقيرا، كان بعض المغاربة ينظرون إلى المستعمر فلا يرون سوى «بو رقعة» بسروال مرقع. كل طرف كان، بطريقة ما، يحتاج إلى أن يشعر بأنه أفضل من الآخر.
لكن الإسباني في الذاكرة المغربية لم يكن دائما «بو رقعة». كان أيضا المسيحي، والمستعمر، والجار، ورب العمل، والجندي، والصديق والحليف الظرفي. وكان بعض المغاربة يعتبرون الإسبان أقرب إليهم في الحياة اليومية من الفرنسيين، فيما حمل آخرون ذكريات مختلفة تماما عن العنف والإذلال والاستعمار.
حتى التقسيم الاستعماري للمغرب ترك لغته الخاصة. فسكان منطقة الحماية الإسبانية السابقة كانوا يعرفون أحيانا بـ«أولاد سبنيول»، في مقابل »أولاد فرنسيس» في المنطقة الخاضعة للحماية الفرنسية. ولم تختف هذه التصنيفات تماما مع الاستقلال، لأن الاستعمار رحل سياسيا قبل أن ترحل كل آثاره الثقافية واللغوية.
فرانكو في الذاكرة الريفية الحرب الأهلية الإسبانية زادت الصورة تعقيدا. فقد شارك آلاف المغاربة، وبينهم ريفيون كثيرون، في صفوف جيش فرانكو. وتكشف الشهادات التي جمعها ماتيو دييستي عن مشاعر شديدة التناقض تجاه الجنرال الإسباني: إعجاب عسكري لدى البعض، ومرارة لدى آخرين بسبب الوعود التي لم تتحقق.
أما الذاكرة الشعبية الريفية فاحتفظت بحكاية أقل بطولية: الفقر، والجوع، والغياب، والأمهات اللواتي غادر أبناؤهن ليقاتلوا في حرب إسبانية لا يعرفون عنها إلا القليل.
لهذا يصعب الحديث عن «ذاكرة مغربية» واحدة تجاه إسبانيا. توجد ذاكرات متعددة، وأحيانا متعارضة، كما توجد في إسبانيا نفسها صور متعددة للمغرب. وهنا نصل إلى الجزء الذي يخصنا نحن.
فكما ننتقد بعض الإسبان عندما يحولون كل أزمة مع الرباط إلى حديث عن «المورو» والغزو والخطر القادم من الجنوب، ينبغي أن نسأل أنفسنا عما نفعله حين نحول كل خلاف مع مدريد إلى دليل على « عداء إسبانيا للمغرب ».
تصريح أحمق لمسؤول إسباني لا يمثل بالضرورة إسبانيا. مقال صحافي ينتقد مؤسسة مغربية ليس مؤامرة استعمارية. وانتقاد سياسة الرباط لا يصبح تلقائيا عداء للمغرب، مثلما أن انتقاد سياسة مدريد لا يعني كراهية الإسبان.
وبالطبع، لا يعني ذلك أن ننسى الاستعمار أو نتعامل مع التاريخ كما لو أنه لم يحدث. الذاكرة ضرورية لفهم الحاضر. لكن حين نجعل منها مفتاحا يفتح كل الأبواب، تنتهي أحيانا بإغلاق أعيننا عما يحدث أمامنا.
أربعة عشر كيلومترا فقط سيظل المغرب وإسبانيا مختلفين في المصالح، وفي قراءة التاريخ، وفي بعض القضايا السياسية الكبرى. وهذا طبيعي. فالجغرافيا لم تكن يوما ضمانة للحب؛ وبعض الجيران في العمارة نفسها قادرون على إثبات ذلك أفضل من أي مؤرخ.
لكن بيننا أربعة عشر كيلومترا فقط من البحر.
عبرناها على مدى قرون تجارا وجنودا ومهاجرين وطلبة وبحارة وعمالا. عبرناها هربا من الحروب وبحثا عن العمل، وعبرناها أحيانا فقط لأن شخصا أحب شخصا آخر على الضفة المقابلة.
ورغم ذلك، ما زلنا نعرف عن بعضنا أقل مما تسمح به كل هذه القرون من الجوار.
ربما لا تحتاج العلاقة بين المغرب وإسبانيا إلى مزيد من خطابات «الأخوة التاريخية» بقدر ما تحتاج إلى شيء أبسط وأكثر صعوبة: أن نتعلم التمييز بين الدولة والشعب، وبين التاريخ والحاضر، وبين النقد والعداء.
وأن نتوقف، نحن وهم، عن البحث في وجه الجار عن الصورة التي ورثناها عنه.
أربعة عشر كيلومترا ليست مسافة كبيرة. لكن عبورها ذهنيا يبدو، أحيانا، أصعب بكثير من عبورها بحرا.