أثار حذف التنافي بين عضوية مجلس النواب ورئاسة جماعة يفوق عدد سكانها 300 ألف نسمة إشكالا دستوريا، وفق الباحثة في القانون الدستوري والعلوم السياسية مريم أبليل التي تساءلت عن المبررات الموضوعية التي دفعت المشرع خلال خمس سنوات فقط، إلى الانتقال من اعتبار حجم الجماعة ومسؤوليات تدبيرها أساسا للتنافي، إلى السماح بالجمع بين الوظيفتين.
ويأتي هذا النقاش في أعقاب الانتخابات التشريعية لسنة 2026، التي أفرزت فوز عدد من رؤساء مجالس الجماعات الكبرى بمقاعد في مجلس النواب، في حالة نبيلة الرميلي، التي انتزعت باسم التجمع الوطني للأحرار مقعدا برلمانيا وأيضا العباس الومغاري، رئيس مجلس جماعة مكناس عن حزب الاتحاد الدستوري واعتماد الزاهيدي، رئيسة مجلس عمالة الصخيرات- تمارة عن التجمع الوطني للأحرار، تمكنت من الجمع بين المقعد الذي فازت به خلال الانتخابات الأخيرة عن الدائرة الجهوية لجهة الرباط-سلا-القنيطرة باسم الحزب نفسه وبين مسؤوليتها الانتدابية على رأس العمالة، إضافة إلى عثمان بادل رئيس المجلس الإقليمي لبرشيد الذي فاز بمقعد عن دائرة سطات باسم حزب الأصالة والمعاصرة.
وأوضحت أبليل في تصريح خصت به « موقع اليوم 24″، أن الأساس الدستوري لتنظيم حالات التنافي يوجد في الفصل 62 من الدستور، الذي أحال صراحة إلى القانون التنظيمي لمجلس النواب تحديد هذه الحالات، مشيرة إلى أن المشرع يتوفر على سلطة تقديرية في توسيعها أو تضييقها، غير أن هذه السلطة ليست مطلقة، وإنما ينبغي ممارستها في ضوء مبادئ دستورية أخرى من بينها الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
واستحضرت الباحثة موقف المحكمة الدستورية سنة 2021، حين اعتبرت أن إدراج التنافي بين عضوية مجلس النواب ورئاسة جماعة يفوق عدد سكانها 300 ألف نسمة ينسجم مع الفصل 62 من الدستور، ويرتبط بعقلنة الجمع بين الانتدابات وحسن سير المؤسسات المنتخبة والتفرغ للمهام التمثيلية.
غير أن القانون التنظيمي رقم 53.25 تراجع عن هذا الاختيار وأصبح يسمح بالجمع بين العضوية النيابية ورئاسة جماعة كبرى. وترى أبليل أن اللافت في هذا التحول هو عدم حدوث أي تغيير دستوري في المبادئ التي استندت إليها المحكمة الدستورية سنة 2021، وإنما الذي تغير هو الاختيار التشريعي للمشرع في حدود سلطته التقديرية.
وتطرح هذه الوضعية، بحسب الباحثة، سؤالا حول المبررات التي تقف وراء الانتقال من اعتبار مسؤوليات تدبير جماعة كبرى وحجمها مبررا للتنافي إلى السماح بالجمع بين المسؤوليتين، خصوصا في سياق أفرزت فيه الانتخابات التشريعية الأخيرة وصول عدد من رؤساء الجماعات إلى مجلس النواب.
ولا يتوقف الإشكال عند حدود التنافي القانوني، إذ ترى أبليل أن مسألة تنازع المصالح تظل مطروحة من الناحية الموضوعية، على اعتبار أن رئيس جماعة كبرى يشغل في الوقت نفسه عضوية مجلس النواب يمكن أن يشارك، بصفته نائبا برلمانيا في التشريع والرقابة والتصويت على نصوص أو سياسات واعتمادات وطنية قد يكون لها أثر مباشر على الجماعة التي يتولى تدبيرها.
وأكدت الباحثة أن الجمع بين المسؤوليتين لا يعني تلقائيا وجود تنازع في المصالح، لكنه قد يرفع احتمال نشوء وضعيات تتقاطع فيها المصلحة المرتبطة بالمسؤولية الترابية مع ممارسة الوظيفة البرلمانية، وهو ما يعيد إلى الواجهة الاعتبارات التي ارتبطت بها قواعد التنافي سابقا، وفي مقدمتها حسن سير المؤسسات وربط المسؤولية بالمحاسبة.