افتتحت، مساء الجمعة، بمركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية بأصيلة، فعاليات الدورة السابعة والأربعين لموسم أصيلة الثقافي الدولي، بندوة خصصت لموضوع «الرهانات الطاقية والمائية في إفريقيا والمشاريع الاستراتيجية: نحو جغرافيا سياسية جديدة»، بمشاركة شخصيات سياسية وفكرية وخبراء وباحثين من المغرب وخارجه.
وشكل افتتاح الموسم مناسبة لاستحضار مؤسسه الراحل محمد بن عيسى، والتأكيد على مواصلة المشروع الثقافي الذي أطلقه قبل عقود، بالتوازي مع فتح النقاش حول التحولات الاستراتيجية التي تعرفها القارة الإفريقية، خصوصا في مجالات الأمن المائي والطاقي والربط اللوجستي والتكامل الاقتصادي.
وقال حاتم البطيوي، رئيس مؤسسة منتدى أصيلة، إن انعقاد الدورة الـ47 يأتي في ظل استمرار الرعاية الملكية للموسم، معتبرا أن الدعم الذي حظيت به التظاهرة على امتداد مسارها شكل إحدى ركائز استمراريتها وتحول أصيلة إلى فضاء للحوار وتبادل التجارب بين ثقافات وحضارات مختلفة.
وأوضح البطيوي أن دورة هذه السنة تتضمن سبع فعاليات سياسية وأدبية وفكرية، بمشاركة باحثين ومفكرين وأدباء وعلماء وقيادات سياسية وإعلامية من عدد من دول العالم.
وفي تقديمه للندوة الافتتاحية، توقف البطيوي عند ما وصفه بالتحولات العميقة التي تشهدها إفريقيا، في وقت ما تزال فيه عدة دول بالقارة تواجه تحديات مرتبطة بالفقر والهشاشة المؤسساتية وضعف البنيات التحتية وصعوبات الحكامة، بالتزامن مع إعادة تشكيل موازين القوى الدولية واشتداد المنافسة حول الموارد الطبيعية وطرق التجارة ومجالات النفوذ.
وأشار إلى أن هذه التحولات تتقاطع مع آثار التغير المناخي وتزايد الضغط على الموارد المائية والطاقية واضطراب سلاسل الإمداد، ما يجعل الدول الإفريقية، بحسبه، مطالبة بتطوير رؤى مندمجة تقوم على تنويع الشراكات وتعزيز الاستقلال الاستراتيجي وتبني نماذج تنموية مستدامة.
وفي هذا السياق، أبرز البطيوي موقع المغرب ضمن دينامية التعاون جنوب-جنوب، مشيرا إلى المبادرة الأطلسية التي أطلقها الملك محمد السادس في نونبر 2023 لتمكين بلدان الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، إلى جانب مشاريع التكامل القاري وأنبوب الغاز نيجيريا-المغرب.
واعتبر رئيس مؤسسة منتدى أصيلة أن قضية الماء باتت بدورها «رهانا استراتيجيا أساسيا»، بالنظر إلى تأثير التغير المناخي والنمو الديمغرافي والتوسع الحضري، مشددا على ارتباط الأمن المائي بالأمن الغذائي وإنتاج الطاقة والفلاحة والتنمية الصناعية.
وخلص إلى أن التقاء الرهانات المائية والطاقية والتجارية واللوجستية يسهم في بروز جغرافيا سياسية إفريقية جديدة، تصبح فيها الموارد الطبيعية والبنيات التحتية الاستراتيجية وممرات الربط عناصر مؤثرة في إعادة تشكيل الشراكات وموازين النفوذ.
من جانبه، أكد طارق غيلان، رئيس مجلس جماعة أصيلة، أن موسم أصيلة لم يعد مجرد تظاهرة مدرجة ضمن أجندة المدينة، بل تحول إلى جزء من ذاكرتها وهويتها وحضورها الثقافي داخل المغرب وخارجه.
واستحضر غيلان مؤسس الموسم الراحل محمد بن عيسى، قائلا إنه حمل «حلما كبيرا لمدينة صغيرة»، وآمن بأن المدن لا تقاس بمساحتها، وإنما بما تنتجه من معنى وما تصنعه من أثر.
وأكد أن مسؤولية المدينة اليوم لا ينبغي أن تقتصر على الحفاظ على هذا الإرث، بل يجب أن تتجه إلى توظيفه في بناء المستقبل، منوها بالجهود التي تبذلها مؤسسة منتدى أصيلة، برئاسة حاتم البطيوي، لضمان استمرارية المشروع الثقافي.
وسلط رئيس الجماعة الضوء، بشكل خاص، على أثر الموسم في أجيال من أطفال وشباب أصيلة، من خلال ورشات الإبداع والكتابة والفنون التشكيلية والاحتكاك بالفنانين والمبدعين والثقافات المختلفة.
وقال غيلان إن هذا الاستثمار الثقافي ساهم في ظهور جيل جديد من شباب المدينة لم يعد يكتفي بالحضور في التظاهرات، بل أصبح مبادرا ومنتجا للفعل الثقافي والمدني.
ودعا إلى الانتقال من مجرد الإشعاع الثقافي الذي حققته أصيلة على مدى عقود إلى بناء «اقتصاد للثقافة والمعرفة والإبداع»، يقوم على الاستثمار في الإنسان والشباب والتراث والصناعات الثقافية والإبداعية والسياحة الثقافية والاستفادة من الفرص التي يوفرها التحول الرقمي.
وشدد غيلان على ضرورة أن ينعكس الحضور الدولي الذي راكمته أصيلة على حياة سكانها وفرص شبابها وجاذبيتها الاقتصادية، مع الحفاظ على هوية المدينة باعتبارها قطبا سياحيا وثقافيا وفنيا.
كما توقف عند وظيفة «الدبلوماسية الثقافية» التي اضطلعت بها أصيلة، معتبرا أن الحاجة إلى فضاءات للحوار تتزايد في عالم يشهد تصاعد الأزمات والاستقطابات وسوء الفهم بين الشعوب والثقافات.
سبع فعاليات ومعارض وفنون وشعر
وتتضمن الدورة الـ47، إلى جانب ندوة الماء والطاقة في إفريقيا، ندوة تكريمية بعنوان «طوني مارايني والمشهد التشكيلي العربي»، وندوة «العالم العربي في أفق 2030: التحديات والتحولات والآفاق»، إضافة إلى ندوة «حسونة المصباحي: سفر في التعابير والأمكنة».
كما يحتضن الموسم اللقاء الشعري الرابع، الذي يتضمن ندوة حول «الشعراء الجدد في العالم العربي والشعريات المتحولة: من تعدد الأشكال إلى تداخل الوسائط»، فضلا عن تنظيم الدورة الثامنة لجائزة بلند الحيدري للشعراء العرب الشباب.
وتشمل البرمجة أيضا عروضا موسيقية وفعاليات في الفنون التشكيلية والحفر والصباغة والليتوغرافيا، فضلا عن «مشغل مواهب الطفل» و«مشغل التعبير الأدبي وكتابة الطفل».
ويحتضن رواق محمد بن عيسى للفنون الجميلة بمركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية معرضا لأعمال الفنانين المغربيين محمد المرابطي ويونس الخراز، فيما يستضيف قصر الثقافة معرضا للصور الفوتوغرافية للراحل محمد بن عيسى، إلى جانب معرض جماعي لإبداعات «مواهب الموسم».
ويعرف افتتاح الدورة حضور شخصيات دولية، من بينها رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق رومانو برودي، والرئيس السابق لمفوضية الاتحاد الإفريقي موسى فقيه محمد، وميغيل أنخل موراتينوس، الممثل السامي للأمم المتحدة لتحالف الحضارات.