هل يتحول البريد الإلكتروني للمدعى عليه إلى عائق أمام حق التقاضي بالمغرب؟

هل يتحول البريد الإلكتروني للمدعى عليه إلى عائق أمام حق التقاضي بالمغرب؟

أثار تطبيق مقتضيات المادة 77 من قانون المسطرة المدنية الجديد نقاشاً قانونياً بين المحامين والمهتمين بالشأن القضائي، بعد تداول منشورات تتحدث عن عدم قبول دعاوى تجارية بسبب عدم تضمين المقال الافتتاحي عنوان البريد الإلكتروني للشخص الاعتباري المدعى عليه. وبين متطلبات رقمنة العدالة وضمان الحق في الولوج إلى القضاء، تبرز إشكالية قانونية تتعلق بمدى جواز تحميل المتقاضي مسؤولية الإدلاء بمعطيات قد يتعذر عليه الحصول عليها.

هل يمكن أن يصبح عنوان بريد إلكتروني مجهول سببا يحول دون عرض نزاع على القضاء؟ سؤال بات يثير جدلاً في الأوساط القانونية المغربية، على خلفية النقاش الدائر حول تفسير المادة 77 من قانون المسطرة المدنية الجديد، الصادر بموجب القانون رقم 58.25، وما تتضمنه من مقتضيات تتعلق بالبيانات الواجب إدراجها في المقالات الافتتاحية للدعاوى.

وتداول مهنيون في المجال القانوني، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، منشورات تفيد بأن محكمة تجارية قضت بعدم قبول طلبات لعدم تضمينها البريد الإلكتروني للشخص الاعتباري المدعى عليه. غير أن هذه المعطيات، رغم ما أثارته من تفاعل، لم تُرفق بقرار قضائي محدد يمكن التحقق من منطوقه وتعليله، أو معرفة المحكمة التي أصدرته ورقم الملف المعني. لذلك، يظل الحديث عن وجود توجه قضائي مستقر في هذا الشأن سابقاً لأوانه، في انتظار الاطلاع على أحكام موثقة تسمح بتحديد طبيعة الإشكال ومداه.

ومع ذلك، فإن الجدل لا يقتصر على صحة المنشورات المتداولة، بل يمتد إلى مسألة أعمق تتصل بالتوازن بين تحديث الإجراءات القضائية، وضمان ممارسة الحق في التقاضي دون عراقيل شكلية غير مبررة.

المادة 77 بين متطلبات الشكل وحدود الالتزام

تندرج المقتضيات الجديدة ضمن توجه يرمي إلى تطوير منظومة العدالة وتعزيز استعمال الوسائل الإلكترونية في تدبير الإجراءات والتواصل بين مختلف الأطراف. ومن شأن اعتماد المعطيات الرقمية أن يسهم في تسريع التبليغ وتيسير تبادل الوثائق وتحسين تتبع الملفات القضائية، غير أن الإشكال يظهر عندما يُطرح احتمال ترتيب جزاء عدم القبول على غياب معلومة قد لا تكون متاحة أصلاً للطرف الذي رفع الدعوى.

ويتمحور النقاش حول ما إذا كان المشرع قد ألزم المدعي بالإدلاء بالبريد الإلكتروني للمدعى عليه، حتى عندما يتعلق الأمر بشركة أو شخص اعتباري لا يتوفر عنوانه الإلكتروني للعموم، أم أن قراءة المقتضى ينبغي أن تراعي طبيعة البيانات المطلوبة ومدى قدرة كل طرف على تقديمها.

وفي هذا السياق، حذر المحامي إبراهيم الحداد، المنتمي إلى هيئة المحامين بطنجة، في تحليل نُشر يوم 8 أكتوبر، من التداعيات المحتملة لفرض الإدلاء بعنوان إلكتروني دون توفير آلية عمومية تتيح الحصول عليه. ووفق هذا التصور، فإن مطالبة المتقاضي بمعلومة لا يملك وسيلة قانونية أو عملية للوصول إليها قد تجعل من إجراء شكلي عائقاً أمام اللجوء إلى القضاء.

ومن جانبه، تناول المحامي ياسين صبار، من هيئة المحامين بمراكش وورزازات، الإشكالية من زاوية التمييز بين البيانات الشخصية التي يتعين على المدعي تقديمها عن نفسه، وتلك المتعلقة بالطرف الآخر في النزاع. ويقوم هذا التفسير على أن الالتزام الإجرائي لا ينبغي أن يمتد إلى معلومات خاصة أو غير متاحة، استناداً إلى القاعدة القانونية العامة التي مفادها أن التكليف لا يكون بما يستحيل القيام به.

المادة 627 تطرح سؤالاً إضافياً

تزداد أهمية هذا النقاش عند استحضار المادة 627 من قانون المسطرة المدنية الجديد، التي تتناول مسألة التصريح بالعناوين الإلكترونية للأشخاص الاعتباريين الخاضعين للقانون الخاص في إطار المنظومة الرقمية للعدالة.

فإذا كان التصريح بالعنوان الإلكتروني يندرج، وفق المقتضى المذكور، ضمن إجراء اختياري بالنسبة إلى الأشخاص الاعتباريين المعنيين، فإن التساؤل يصبح مشروعاً بشأن إمكانية إلزام المدعي بتقديم عنوان قد لا تكون الشركة المدعى عليها ملزمة أصلاً بالتصريح به.

ويكشف هذا التداخل عن ضرورة التمييز بين وجود خانة مخصصة للبريد الإلكتروني ضمن البيانات الإجرائية، وبين إمكانية الحصول الفعلي على المعلومة المطلوبة. فنجاح الرقمنة القضائية لا يرتبط فقط بتطوير المنصات والوسائل التقنية، بل يتوقف أيضاً على ضمان وضوح الالتزامات القانونية وتوافر المعطيات الضرورية لاستعمال تلك الوسائل.

وفي المنازعات التجارية على وجه الخصوص، قد يتوفر المتقاضي على الاسم القانوني للشركة وعنوان مقرها وبيانات تسجيلها، دون أن يتمكن من معرفة بريدها الإلكتروني المعتمد. ومن شأن تفسير متشدد للمقتضيات الشكلية، إذا ثبت اعتماده قضائياً، أن يثير تساؤلات حول مدى تناسب الجزاء الإجرائي مع طبيعة النقص المسجل في المقال الافتتاحي.

رقمنة العدالة لا ينبغي أن تتحول إلى تعقيد للمساطر

لا يختلف المهتمون بتحديث العدالة حول أهمية إدماج الوسائل الإلكترونية في العمل القضائي، لما توفره من إمكانات لتبسيط الإجراءات وتقليص الآجال وتعزيز الشفافية. غير أن الانتقال الرقمي يطرح، في المقابل، تحديات تتعلق بحماية حقوق المتقاضين وضمان المساواة بينهم في الاستفادة من الخدمات القضائية.

فالمتقاضي الذي يتوفر على مساعدة قانونية متخصصة أو إمكانات تقنية واسعة قد يكون أقدر على جمع المعطيات المطلوبة، مقارنة بشخص يواجه صعوبة في الوصول إلى معلومات الطرف الذي يعتزم مقاضاته. ومن هنا تبرز أهمية أن تكون الالتزامات الإجرائية واضحة وقابلة للتنفيذ، وألا تتحول الشروط التقنية إلى مصدر تفاوت في ممارسة الحقوق.

كما تطرح المسألة سؤالاً بشأن إمكانية استدراك النواقص الشكلية وتصحيح البيانات قبل ترتيب جزاء عدم القبول، وفق ما تسمح به القواعد الإجرائية المنطبقة على كل حالة. فالغرض من المسطرة القضائية هو تنظيم عرض النزاعات والفصل فيها وفق القانون، وليس جعل الشكليات غاية مستقلة عن حماية الحقوق.

الحاجة إلى توضيح قضائي ومؤسساتي

في انتظار ظهور قرارات قضائية موثقة تحسم طبيعة الوقائع المتداولة، يبقى من الضروري الفصل بين النقاش الفقهي والقانوني الذي أثارته المادة 77، وبين الادعاءات المتعلقة بصدور أحكام تجارية محددة بسبب غياب البريد الإلكتروني للمدعى عليه.

ومن شأن نشر قرارات معللة، أو تقديم توضيحات مؤسساتية بشأن نطاق البيانات الإلكترونية المطلوبة وإجراءات استكمالها، أن يساعد على توحيد الفهم القانوني وتفادي اختلاف الممارسات. كما يمكن أن يساهم في طمأنة المتقاضين والمهنيين بشأن الضمانات التي تحكم الانتقال إلى العدالة الرقمية.

وفي جوهره، لا يتعلق هذا الجدل بعنوان إلكتروني فحسب، بل بمبدأ أساسي هو أن القواعد المسطرية ينبغي أن تخدم الحق في التقاضي، لا أن تتحول إلى عائق أمام ممارسته. فالتحدي الحقيقي أمام تحديث العدالة المغربية يتمثل في التوفيق بين فعالية الإجراءات واحترام الضمانات القانونية، حتى تصبح الرقمنة وسيلة لتقريب القضاء من المواطنين، لا سبباً لإضافة صعوبات جديدة إلى طريقهم نحو المحاكم.

كلمات دلالية

بريد إلكتروني
شارك المقال