أثار تداول منشور يفيد بأن المحكمة التجارية أصبحت تقضي بعدم قبول الطلبات التي لا تتضمن البريد الإلكتروني للشخص الاعتباري المدعى عليه، نقاشا واسعا بين المهنيين والمهتمين بالشأن القضائي. وإذا كانت المعلومة المتداولة تحتاج إلى التثبت من الحكم أو القرار القضائي الذي يقف وراءها، فإن أصل الإشكال قد يكون موجودا في قانون المسطرة المدنية الجديد رقم 58.25، الذي دخل حيز التنفيذ في غشت الماضي.
القضية تبدو، للوهلة الأولى، بسيطة: المشرع أدخل البريد الإلكتروني ضمن البيانات التي ينبغي أن يتضمنها مقال الدعوى عندما يتعلق الأمر بشخص اعتباري. لكن خلف هذا المقتضى التقني سؤال أكبر بكثير: هل يمكن أن يصبح عدم معرفة المدعي بالبريد الإلكتروني لخصمه سببا يحول دون وصوله إلى القضاء؟

وبالتالي، فالمادة 77 من قانون المسطرة المدنية الجديد (الصورة المرفقة أعلاه) تفرض أن يتضمن مقال الدعوى مجموعة من البيانات المتعلقة بالأطراف، وتحدد بالنسبة إلى الشخص الاعتباري، من بين أمور أخرى، اسمه وممثله القانوني ونوعه ومقره وعنوانه المضمن في السجل التجاري، إضافة إلى عنوان بريده الإلكتروني.
المشرع وضع هذه البيانات تحت طائلة عدم القبول، مع التنصيص على إمكانية إنذار المعني بالأمر لتدارك البيانات الناقصة داخل أجل تحدده المحكمة.
ومن هنا بدأ النقاش.
فإذا كانت الشركة هي التي ترفع الدعوى، لا يبدو الإشكال كبيرا، لأنها تعرف بياناتها وبريدها الإلكتروني.
لكن ماذا يحدث عندما تكون الشركة هي المدعى عليها؟
هل يفترض في شخص يريد مقاضاة شركة أن يكون قادرا، قبل رفع الدعوى، على معرفة بريد إلكتروني قد لا يكون منشورا أو متاحا له؟
هنا تحديدا تظهر الصعوبة: معلومة لدى الخصم، ومسؤولية تقع على المدعي
قد يكون من السهل العثور على اسم الشركة ومقرها ورقم تسجيلها التجاري، لكن الأمر مختلف بالنسبة إلى بريدها الإلكتروني.
فعدد من الشركات لا ينشر بريده الإلكتروني المخصص للمراسلات القانونية، كما أن وجود بريد على موقع إلكتروني تجاري لا يعني بالضرورة أنه البريد المعتمد للتبليغات القضائية.
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل من المنطقي تحميل المدعي مسؤولية الإدلاء بمعلومة توجد في الأصل لدى خصمه؟
المسألة ليست شكلية فقط. فإذا اعتبر البريد الإلكتروني شرطا لا غنى عنه، فقد يجد شخص نفسه أمام مفارقة غير مألوفة: لديه حق أو نزاع يريد عرضه على القضاء، ويعرف هوية الشركة التي يريد مقاضاتها ومقرها القانوني، لكنه قد يعجز عن إطلاق المسطرة لأنه لا يعرف عنوان بريد إلكتروني لم يكن ملزما أصلا بأن يكون متاحا له.
المفارقة أن قراءة المادة 77 إلى جانب مقتضيات أخرى من القانون الجديد تكشف أن المشرع لم يجعل البريد الإلكتروني الوسيلة الوحيدة للتواصل مع الأشخاص الاعتباريين.
فالمادة 84 تنظم تبليغ الشخص الاعتباري، وتتيح تسليم الاستدعاء إلى ممثله القانوني أو من يقوم مقامه بمقر الشركة، وفقا للشروط التي يحددها القانون.
بمعنى آخر، هناك آلية قانونية قائمة لتبليغ الشركة دون الحاجة بالضرورة إلى المرور عبر البريد الإلكتروني.
وهذا ما يجعل الجدل حول المادة 77 أكثر تعقيدا: إذا كان القانون يضمن إمكانية تبليغ الشركة في مقرها، فلماذا يؤدي غياب بريدها الإلكتروني إلى إشكال في مرحلة تسجيل الدعوى؟
السؤال هنا لا يتعلق برفض الرقمنة، وإنما بكيفية تحقيق التوازن بين الرقمنة وبين واقع التقاضي.
لا شك أن المشرع يتجه بقوة نحو رقمنة العدالة. القانون الجديد خصص مقتضيات مهمة للإجراءات الإلكترونية، بما في ذلك إيداع المقالات والطلبات والطعون عبر المنصة الإلكترونية، وأداء الرسوم والمصاريف، فضلا عن تنظيم التبليغ الإلكتروني.
ومن الطبيعي، في ظل هذا التحول، أن تصبح البيانات الإلكترونية جزءا من الملف القضائي.
لكن نجاح الرقمنة لا يقاس فقط بإدخال التكنولوجيا إلى المحاكم، بل بمدى قدرتها على تسهيل حياة المتقاضي.
فالرقمنة ينبغي أن تختصر الوقت والإجراءات، لا أن تضيف إلى المواطن أو المقاولة شرطا جديدا يستحيل عمليا استيفاؤه.
وهنا يكمن جوهر الإشكال المطروح بشأن البريد الإلكتروني للشخص الاعتباري.
وهنا يصبح السؤال جوهريا: هل يستطيع المدعي، بشكل واقعي وقانوني، الحصول على البريد الإلكتروني لكل شركة يريد مقاضاتها؟
إذا كانت الإجابة بالنفي، فإن الإشكال لم يعد تقنيا، بل يصبح متعلقا بمدى تناسب الشرط الإجرائي مع الحق في الولوج إلى القضاء. عدم القبول ليس رفضا للدعوى.
هناك أيضا نقطة مهمة في المعلومة المتداولة. القول إن المحكمة « ترفض الطلب » قد يكون مضللا من الناحية القانونية.
الأدق هو الحديث عن عدم قبول الدعوى أو المقال إذا لم تستوف البيانات التي يفرضها القانون، وبعد استنفاد المسطرة التي حددها المشرع.
فالمادة 77 لا تقوم، في ظاهرها، على قاعدة تقول إن القاضي بمجرد اكتشاف نقص في البيانات يحسم الأمر فورا. بل تفتح المجال أمام تصحيح النقص وفق الآلية التي حددتها.
وهذا تفصيل مهم، خصوصا بالنسبة إلى المتقاضين والمحامين، لأن الفرق كبير بين رفض موضوع الدعوى وبين عدم قبولها لأسباب إجرائية.
حتى الآن، يجب التعامل بحذر مع الصيغة المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي.
فالمعلومة التي تقول إن « المحكمة التجارية ترفض الطلبات التي لا تحمل البريد الإلكتروني للمدعى عليه » تحتاج إلى حكم قضائي محدد حتى يمكن تقديمها باعتبارها اتجاها قضائيا ثابتا.
والمطلوب، في هذه الحالة، ليس فقط اسم المحكمة، وإنما أيضا رقم الملف، ورقم الحكم، وتاريخه، وحيثياته، ومنطوقه.
أما من دون ذلك، فالأكثر مهنية القول إن تطبيق المادة 77 أثار إشكالا عمليا وقانونيا حول إلزامية إدراج البريد الإلكتروني للشخص الاعتباري، خصوصا عندما يكون هذا الشخص هو المدعى عليه.

وفي انتظار اتضاح الرؤيا، يبقى البريد الإلكتروني للشخص الاعتباري واحدا من أول الاختبارات الحقيقية للتوازن بين طموح رقمنة القضاء وضمان حق التقاضي.