كشف بنك المغرب عن نتائج دراسات وتجارب تقنية تتعلق بإمكانية إصدار عملة رقمية وطنية، تعرف باسم «الدرهم الرقمي»، مؤكدا الجدوى التقنية لهذا المشروع، لكنه نبه في المقابل إلى تحديات مرتبطة بالاستقرار المالي وحماية المعطيات الشخصية والأمن السيبراني، فضلا عن احتمال انتقال جزء من الودائع البنكية إلى العملة الجديدة.
جاء ذلك في دراسة نشرها البنك المركزي، الجمعة 9 أكتوبر 2026، بعنوان «العملة الرقمية للبنك المركزي: الرهانات والدروس المستفادة بالنسبة للمغرب»، أعدها الباحثون شيماء الشاوي وكمال لحلو ومحمد ميكو، ضمن وثيقتين بحثيتين خصصهما البنك لدراسة مستقبل العملات الرقمية وآثارها الاقتصادية والمالية.
وأفادت الدراسة بأن بنك المغرب أجرى تجارب تقنية، بالتعاون مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، لاختبار نموذج أولي لعملة رقمية موجهة للأفراد والمقاولات، يقوم على إصدار العملة من طرف البنك المركزي، فيما تتولى البنوك ومؤسسات الأداء توزيعها وتدبير العلاقة مع المستخدمين.
وشملت الاختبارات إصدار العملة وتوزيعها، والاحتفاظ بها في محافظ رقمية، وإنجاز عمليات الأداء بين الأفراد، إلى جانب اختبار مدى توافقها مع البنيات التحتية الحالية للأداء، باستخدام حلول تقنية مركزية وأخرى تعتمد على السجلات الموزعة.
وخلصت التجارب إلى إمكانية إصدار الدرهم الرقمي من الناحية التقنية، غير أن الدراسة شددت على أن نجاح المشروع لا يتوقف على التكنولوجيا وحدها، بل يتطلب توفر شروط قانونية ومؤسساتية واقتصادية، فضلا عن ضمان ثقة المواطنين والتجار في وسيلة الأداء الجديدة.
ومن بين الأهداف التي يراهن عليها المشروع تعزيز الشمول المالي، خصوصا لفائدة المواطنين الذين لا يتوفرون على حسابات بنكية، أو المقيمين في المناطق القروية والنائية، إلى جانب خفض تكاليف المعاملات المالية وتسهيل الأداء الإلكتروني.
وفي هذا السياق، تشير الدراسة إلى أن نسبة امتلاك الحسابات البنكية لدى الأفراد المقيمين بالمغرب بلغت 62 في المائة سنة 2025، ما يعني أن شريحة مهمة من السكان لا تزال خارج نطاق الخدمات البنكية.
كما يبرز المشروع إمكانية تحسين التحويلات المالية عبر الحدود، خصوصا تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج، التي تمثل موردا مهما للاقتصاد الوطني، إذ تعادل في المتوسط نحو 8 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي خلال السنوات الأخيرة.
وكشفت الدراسة أن بنك المغرب انخرط أيضا في تجربة تتعلق بالأداء عبر الحدود، بشراكة مع البنك المركزي المصري وبدعم من البنك الدولي، بهدف دراسة إمكانيات تقليص تكلفة التحويلات المالية وتسريع تسويتها.
غير أن الدراسة حذرت من مخاطر محتملة قد ترافق اعتماد العملة الرقمية، وفي مقدمتها انتقال جزء من الودائع الموجودة لدى البنوك التجارية إلى محافظ رقمية مرتبطة بالبنك المركزي، وهو ما قد يؤثر على سيولة المؤسسات البنكية وقدرتها على تمويل الاقتصاد ومنح القروض.
ولهذا السبب، تطرح الدراسة إمكانية تحديد سقف للمبالغ التي يمكن للأفراد الاحتفاظ بها بالدرهم الرقمي، إلى جانب اعتماد نموذج يضمن استمرار دور البنوك ومؤسسات الأداء في النظام المالي.
وتثير العملة الجديدة أيضا إشكالات تتعلق بحماية الحياة الخاصة، إذ سيكون على السلطات إيجاد توازن بين الحفاظ على سرية المعاملات المالية للمستخدمين، وضمان إمكانية مراقبة العمليات المشبوهة المرتبطة بغسل الأموال وتمويل الإرهاب.
كما تناولت الدراسة إمكانية استخدام الدرهم الرقمي دون اتصال بالإنترنت، بهدف ضمان استمرار عمليات الأداء في المناطق ضعيفة التغطية، أو عند وقوع أعطال تقنية وانقطاع خدمات الاتصال.
واستعرض الباحثون تجارب دولية، من بينها الصين والهند وجزر البهاما ونيجيريا وجامايكا، مشيرين إلى أن إطلاق عملة رقمية لا يضمن بالضرورة إقبال المواطنين عليها، وأن نجاحها يرتبط بالفوائد العملية التي تقدمها مقارنة بالنقود ووسائل الأداء الإلكترونية المتوفرة.
وشددت الدراسة على أن الدرهم الرقمي لن يكون بديلا إلزاميا للأوراق النقدية والقطع المعدنية، بل وسيلة أداء مكملة لها، مع التأكيد على أن الانتقال إلى هذه الصيغة النقدية ينبغي أن يتم بصورة تدريجية وبعد تقييم المخاطر والآثار الاقتصادية.
وبالتزامن مع هذه الدراسة، نشر بنك المغرب بحثا ثانيا يستخدم نموذجا للاقتصاد الكلي لتقدير الآثار المحتملة لإدخال العملة الرقمية على الاقتصاد المغربي، وتشير نتائجه إلى إمكانية تحقيق مكاسب محدودة في الإنتاج على المدى الطويل، وتحسين قدرة الاقتصاد على مواجهة بعض الصدمات المالية.
ورغم النتائج التقنية المشجعة، فإن نشر الدراستين لا يعني اتخاذ قرار رسمي بإصدار الدرهم الرقمي أو تحديد موعد لإطلاقه. كما أن الآراء الواردة في البحث الأول، وفق تنبيه مؤلفيه، لا تعبر بالضرورة عن الموقف الرسمي لبنك المغرب.