قال الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، حاتم البطيوي، إن العالم العربي يقف اليوم عند منعطف دقيق من تاريخه المعاصر.
مؤكدا أن الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتراكمة تتداخل مع تداعيات الصراعات المسلحة، وتغير موازين القوى، وتصاعد التنافس الدولي على المنطقة ومواردها وممراتها الاستراتيجية.
وأوضح البطيوي خلال افتتاح موسم أصيلة الثقافي ندوته الثانية حول «العالم العربي في أفق 2030: التحديات، التحولات والآفاق» مساء اليوم السبت، أيضا، أن التحولات التكنولوجية والرقمية، تتسارع وتتفاقم التحديات المناخية والمائية، وتتزايد الضغوط المرتبطة بالأمن الغذائي والطاقة والتنمية.
بالنسبة للأمين العام لمنتدى أصيلة، أمام هذه التحولات تبرز الحاجة إلى تفكير عربي يتجاوز ردود الفعل الآنية، ويستند إلى قراءة موضوعية للتحولات الدولية، وإلى تصور واضح لمصالح المنطقة وأولوياتها، مع إدراك أن قوة الدول العربية لا تقاس بمواردها المنفردة فحسب، بل أيضاً بقدرتها على التنسيق والتعاون وبناء المصالح المشتركة.
وفي خضم هذه المتغيرات، يضيف البطيوي، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن للعالم العربي أن ينتقل من موقع التأثر بالتحولات الدولية إلى موقع المشاركة في صنعها؟ وكيف يمكن لدوله أن تحول ما تتوفر عليه من إمكانات بشرية واقتصادية وثقافية وجيوسياسية إلى عناصر قوة وتأثير، بدل أن تظل رهينة اختلالات داخلية وتوازنات إقليمية ودولية لا تتحكم فيها؟.
الإجابة عن هذه الأسئلة تقتضي في تقدير الأمين العام لمنتدى أصيلة، النظر إلى أربعة رهانات مترابطة. يتعلق الرهان الأول بمستقبل النظام الدولي وانعكاساته على العالم العربي. لأن العالم العربي، وفق البطيوي، إزاء مرحلة تتسم بتراجع اليقين، وتزايد التنافس بين القوى الكبرى، وصعود قوى دولية جديدة، وتعدد بؤر الصراع. كما أن الحروب والأزمات، بما فيها الحرب الأخيرة على إيران وتداعياتها الإقليمية، تعيد طرح أسئلة الأمن والتحالفات وموازين النفوذ، وتضع الدول العربية أمام ضرورة مراجعة خياراتها الاستراتيجية، وتعزيز قدرتها على حماية مصالحها والتأثير في محيطها.
أما الرهان الثاني، يضيف البطيوي، فيتصل بأزمة النظام الإقليمي العربي ومستقبل الدولة الوطنية. فلا تزال المنطقة بحسب تحليله تواجه نزاعات مسلحة وأزمات داخلية، إلى جانب خلافات سياسية وتحديات أمنية وتنموية. وقد كشفت هذه الأوضاع عن كلفة غياب التنسيق الإقليمي، وعن الحاجة إلى إحياء العمل العربي المشترك على أسس واقعية، قوامها احترام سيادة الدول، وتسوية النزاعات، وتغليب الحوار، وبناء فضاءات للتكامل الاقتصادي والاستراتيجي.
ولا يقل أهمية، يضيف المتحدث ذاته، عن ذلك سؤال الدولة الوطنية نفسها: كيف يمكن بناء مؤسسات قوية وفعالة، تستجيب لتطلعات المواطنين، وتحافظ على وحدة المجتمع وتماسكه، وتوفر شروط الاستقرار، من دون أن تغفل متطلبات الإصلاح والتحديث وتوسيع المشاركة؟
وفي هذا الإطار، يؤكد الأمين العام لمنتدى أصيلة، تبرز التجربة المغربية بما راكمته من مسارات إصلاحية ومؤسساتية، وبما تطرحه من أسئلة حول إمكان التوفيق بين الاستقرار والتطور السياسي، وبين استمرارية المؤسسات والاستجابة للتحولات الاجتماعية.
والرهان الثالث، بحسب المتحدث، يتعلق بالعلاقة بين الدولة والمجتمع، وبمسارات الإصلاح والحركات الاجتماعية. فقد أظهرت تجارب عربية متعددة أن الاستقرار المستدام لا يتحقق بمجرد احتواء الأزمات، بل يتطلب معالجة أسبابها، والاستماع إلى تطلعات المواطنين، وتوسيع فرص المشاركة، وتعزيز الثقة في المؤسسات.
وتكتسب هذه المسألة، يشدد البطيوي، أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بالشباب والنساء، وبالأجيال التي تتطلع إلى فرص أوسع في التعليم والعمل والمبادرة والمشاركة في صنع القرار.
أما الرهان الرابع والأخير، وفق البطيوي، فيتعلق بالتنمية الاقتصادية والإنسانية، وبمستقبل الثقافة العربية في عصر التحولات الرقمية.
ومن هنا يخلص الأمين العام لمنتدى أصيلة، للقول بأنه لا يمكن الحديث عن مستقبل عربي واعد في ظل استمرار البطالة والفقر والهشاشة الاجتماعية، واتساع الفوارق المجالية، وضعف تنويع عدد من الاقتصادات العربية. مشددا أن التنمية التي يطمح إليها العالم العربي جميعا ليست مجرد أرقام ومؤشرات للنمو، بل هي قدرة على تحسين حياة المواطنين، وتوفير فرص العمل، وتطوير التعليم والبحث العلمي، وتعزيز العدالة الاجتماعية، والاستثمار في الإنسان باعتباره الثروة الحقيقية لأي مجتمع.
وفي الوقت الذي قال فيه البطيوي، إن الطاقات المتجددة والاقتصادات الخضراء والتحولات الرقمية تتيح فرصاً مهمة، لكنها في المقابل تطرح بحسبه أسئلة تتعلق بالجاهزية التكنولوجية، والعدالة في توزيع ثمار التحول، وحماية الخصوصيات الثقافية، ومكانة اللغة العربية في إنتاج المعرفة وتداولها. مشيرا إلى أن الثقافة ليست عنصراً ثانوياً في معادلة التنمية، بل هي جزء من تكوين الوعي الجماعي، وصيانة الذاكرة المشتركة، وتجديد قيم الانفتاح والتسامح والحوار. ومن ثم، فإن مستقبل العالم العربي يرتبط أيضاً بقدرته على التفاعل الخلاق مع العصر الرقمي، من دون التفريط في تعدده الثقافي وعمقه الحضاري.
قبل أن يؤكد، مرة أخرى، أن أفق سنة 2030 ليس مجرد موعد زمني نقترب منه، بل هو مناسبة لمساءلة اختياراتنا الراهنة، وقياس قدرتنا على تحويل التحديات إلى فرص، والانتقال من تدبير الأزمات إلى بناء المستقبل.