كيبل: هكذا نشأت التيارات الجهادية بفرنسا

10 يناير 2016 - 06:03

 

جيل كيبل، الباحث الفرنسي المتخصص في الإسلام والعالم العربي المعاصر ومؤلف كتاب «إرهاب و رعب في فرنسا»، يتحدث هنا من جديد عن الأسباب التي جعلت من فرنسا أول «منتج» للجهاديين في القارة العجوز

من «ضواحي الإسلام» الصادر في سنة 1987، إلى كتاب «إرهاب ودعر في فرنسا»، الصادر بمنشورات غاليمارد، تكون قد مرت تقريبا 30 سنة لم يتوقف خلالها الإرهاب الإسلامي العالمي عن تطوير نفسه. وإلى يومنا هذا، يكون آلاف الفرنسيين قد انضموا إلى «خلافة المشرق»، وأكثر من 1800 منهم يوجدون على أهبة الالتحاق أو العودة. فلماذا أصبحت فرنسا أول بلد أوربي «منتج» للجهاديين لفائدة تنظيم داعش؟ وما هي هذه التربة الخصبة للجهاد الفرنسي؟
من أجل فهم ذلك، سأقوم بإعطاء وصف للظواهر المشتركة، والتي ليست متوازية تماما، ولكنها مترابطة نوعا ما: هناك تطابق بين أجيال الجهاد العالمي الثلاثة، وأجيال الإسلام الثلاثة بفرنسا. الحقبة الأولى من الجهاد الدولي تنطلق من أفغانستان سنة 1979 ضد الجيش الأحمر وتمتد إلى الجزائر، حيث سيؤدي العنف المفرط لسنة 1997 بالسكان الجزائريين إلى مواجهة مقاتلي الجماعة الإسلامية المسلحة. وكذلك الأمر في فرنسا، حيث قام الجيل الأول من المسلمين- هؤلاء الآباء الذين كانوا مازالوا يراقبون الجالية الجزائرية المهاجرة- على «خنق» الشبكات الإرهابية التابعة لخالد قلقال، من خلال رفض حمايتها، ومن خلال التعاون مع الشرطة. توقف هذا الجيل عن العمل في 1989 عندما قرر بيير جوكس، وزير الداخلية في حكومة فرنسوا ميتران، وضع حد للسياسة الجاري بها العمل سابقا، والتي كانت تفوض تدبير إسلام فرنسا إلى الجزائر. وهكذا عمل جوكس على إحداث «مجلس التفكير حول إسلام فرنسا»، الذي سبق ظهور «المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية»، الذي كان ساركوزي وراء إحداثه. وقد سلم بهذا التصرف، وبدون قصد، تمثيلية الإسلام للإخوان المسلمين التابعين لـ «اتحاد المنظمات الإسلامية لفرنسا»، الذين كانوا آنذاك أكثر تنظيما. في صيف سنة 1989، تم تغيير اسم «اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا»، إلى «اتحاد المنظمات الإسلامية لفرنسا»، مؤكدين بهذه الطريقة وبشكل رمزي أهيمته. لم يكن الإخوان المسلمون أبناء هؤلاء الآباء الجزائريين الذين كانوا يراقبون المهاجرين الجزائريين بفرنسا، لكن كانوا من أبناء البلد (من الجزائر). ومن خلال قضية الحجاب في مدرسة «كري» (بشمال فرنسا)، تمكن هؤلاء من صنع «مصدر للإزعاج» قائم على قاعدة الضحية، وساعدهم على بناء أول قوة مجتمعية.
المرحلة الثانية من الحركة الجهادية معروفة أكثر، فهي حقبة تنظيم القاعدة وهجمات 11 شتنبر 2001. لماذا تجاوزها جيل جديد؟
كان جهاد بن لادن ومنظره الظواهري ضد الغرب يشتغل وفق طريقة هرمية وتقريبا بطريقة لينينية.على طريقة جهاز أو مصلحة سرية. كانت هذه المنظمة التي حظيت بتغطية إعلامية مفرطة، تستخدم أقمارا اصطناعية ليست تابعة لتنظيم القاعدة، ولكن لقناة الجزيرة. غير أنها لا تسيطر على أراض، وهذا الأمر كان يعتبر في الوقت ذاته، مصدر قوته – يساعده ذلك على عدم التعرض لقصف جيوش الحلف الأطلسي الكلاسيكية- ومصدر ضعفه، لأن ذلك يحول دون الرفع من وتيرة التعبئة.
لماذا تجعل من 2005 «السنة المفصلية»؟
لأنها السنة التي ستحدث فيها عملية التعبئة الواسعة، والتي ستخرج منها، عشر سنوات من بعد، جحافل وجماعات الجهاديين الفرنسيين.
في شهر يناير 2005، نشر أبو مصعب السوري على الإنترنت «نداء المقاومة الإسلامية العالمية»، والذي تشكل صفحاته الـ1600، الأرضية المؤسسة للموجة الثالثة من الجهاديين. وقد عوض هذا المهندس، الذي تلقى تكوينه بفرنسا وتزوج بإسبانية، التنظيم الهرمي لـ«القاعدة» بنظام الجهاد عبر الشبكات التي تخترق قاعدة المجتمعات العدوة الواجب إسقاطها. ويلخص ذلك بصيغة «نظام، لا تنظيم». وندد بهجمات المركز التجاري العالمي التي اعتبرها مظهرا للتباهي المفرط الذي عجل بانهيار تنظيم القاعدة. وقام بالتنظير للعمليات الإرهابية على تراب القارة الأوروبية التي اعتبرها نقطة ضعف الغرب. واعتبر أن الشباب المنحدر من الهجرة الذي أدمج بشكل سيء، وسيلته المفضلة للعمل هي تخريب أوربا من خلال إثارة حرب أهلية داخلها (…)
كيف تمكنت الحركة السلفية من إقامة جيوب تابعة لها داخل»ضواحينا»؟
وصل الدعاة السعوديون الأوائل إلى فرنسا في بداية التسعينيات. وكانت السعودية تشعر بالقلق من الحماس الذي كان يثيره صدام حسين داخل العالم السني، لحظة الغزو العراقي للكويت في غشت 1990. وكانت في حاجة إلى غزو قلوب السكان المسلمين، وبخاصة المهاجرين داخل أوروبا. وهكذا قدمت المملكة السعودية منحا دراسية لشباب الأحياء الهامشية. وعملت على إرسالهم للتكوين في منتديات السلفية في كل من مصر واليمن، وفي حالات نادرة بالسعودية لأنها كانت ترتاب من هؤلاء المشاغبين على أراضيها. وكانت تسلم، أيضا، تأشيرات للحج الذي تم تحويله لتمرين على الفضيلة ولمكان للقاء بين هذه الأوساط السلفية. وعلى عكس حركة التبليغ، اهتمت السلفية بشكل سريع بعالم الكومبيوتر. وهكذا أصبحت فتاوى علماء السعودية على الأنترنت تقدم الحقيقة.. تقدم «الوحي» ( …)
قمت بالتمييز بين السلفية الورعة والسلفية العنيفة. لكن هل تعتبر هذين الحركتين منغلقتين عن بعضهما بعض، على غرار (الباحث) رفائيل لونجير، الذي يعتقد أن السلفية الورعة جدار واق من السلفية العنيفة؟.
انطلاقا من اللحظة التي يكون فيها الناس معبئين على أن يعتبروا الآخرين ملحدين وغير ورعين أو مسلمين مرتدين، ويصبح دمهم حسب نصوصهم الدينية «حلالا»، فإن منطق القطيعة بالنسبة إلي هو نفسه. إن دعاية تنظيم داعش من خلال مجلته الأسبوعية على الأنترنت «دار الإسلام» موجهة إلى «السلف» الفرنسيين وبلغة يفهمونها. والمعجم المستخدم ضد»الفساد»ن الذي كان في قلب مطالب 13 نونبر، هو أحد جزء من لغتهم.

 

ما هو الوزن الحقيقي للخطاب السلفي اليوم في أوساط المسلمين.؟
من الواضح أنه ليست لهذا التيار السيطرة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار عدد الاتباع، غير أنه أصبح له، إلى حدود 13 نونبر، خطابا مهيمنا بالنظر لأن لا أحد كان يجرؤ على معارضته خشية أن يتهم بخدمة الإسلاموفوبيا. كما أن الذين يعارضونه- وهذا هو الحال بالنسبة للمفكر الراحل عبد الوهاب مهدب- فكان لديهم خطاب لا يكاد يسمع خارج أوساط المثقفين. من وجهة النظر هذه، يمكن أن تشكل هجمات 13 نونبر علامة على نوع من القطيعة (…)

مقاطع من حوار مطول في مجلة «نوفل أوبس»

 

 

 

 

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.