حمزة بن عبد المطلب.. أسد الله

23/06/2016 - 17:00
حمزة بن عبد المطلب.. أسد الله

حلقة اليوم من برنامج « حكايات من زمن فات » الذي يقدمه « اليوم24″ خلال شهر رمضان المُبارك، عن أحد الصحابة العظماء، عم رسول الله ﷺ وأخيه في الرضاعة وسيد الشهداء، وأسد الله وأسد رسوله.

تربى رضي الله عنه في كنف والده عبد المطلب بن هاشم وكان سيد قريش وسيد بني هاشم، وتربى مع الرسول ﷺ ابن أخيه الذي توفى صغيراً، فكان عمه وأخيه من الرضاعة وكان بينهما صداقة متينة ووثيقة، حتى أنه هو من خطب له ﷺ السيدة خديجة رضي الله عنها.

وعُرف عنه رضي الله عنه بشدته ومهارته في الحرب وقوته الشديدة، ووهبه الله بنيانا ضخم وقوة جسمانية كانت تهابها رجال القبائل، ورجاحة عقل وقوة إرادة.

وذات يوم، خرج حمزة ليُمارس هوايته المُحببة ورياضته الأثيرة، وهي الصيد، وعندما رجع بعد عدة أيام حاملاً قوسه وسيفه وما غنمه في الرحلة، ذهب كعادته إلى الكعبة ليطوف بها قبل أن يدخل داره، وقبل أن يصل إلى الكعبة، قابلته خادمة لعبد الله بن جدعان، وما ان ابصرته حتى قالت له: يا أبا عمارة، لو رأيت ما لاقي ابن أخيك محمد آنفا من أبي الحكم بن هشام، وجده جالسا هناك، فآذاه وسبّه وبلغ منه ما يكره ».

ومضت تشرح له ما صنع أبو جهل برسول الله ﷺ، وما ان استمع حمزة لقولها حتى مد يمينه إلى قوسه فثبتها فوق كتفه، ثم انطلق في خطى سريعة صوب الكعبة راجيا أن يلتقي عندها بأبي جهل، وقبيل أن يصل إلى هناك رأى أبا جهل في فنائها يتوسط نفرا من سادة قريش.

وفي هدوء رهيب، تقدّم حمزة من أبي جهل، ثم حمل قوسه وهوى به على رأس أبي جهل فشجّه وأدماه، وقبل أن يفيق الجالسون من الدهشة، صاح حمزة في أبي جهل: « أتشتم محمدا، وأنا على دينه، أقول ما يقول؟! ألا فردّ ذلك عليّ إن استطعت »، وفي لحظة نسي الجالسون جميعا الإهانة التي نزلت بزعيمهم أبي جهل والدم الذي ينزف من رأسه، وشغلتهم تلك الكلمة التي حاقت بهم كالصاعقة، الكلمة التي أعلن بها حمزة أنه على دين محمد، وقبل أن يفيقوا من صدمته مدّ حمزة يمينه مرّة أخرى إلى قوسه فثبتها فوق كتفه، وعاد إلى داره.

وبعد أن رجع إلى بيته، أتاه شيطانه يوسوس إليه ويقول: أنت سيد قريش، اتبعت هذا الصبي، وتركت دين آبائك، لَلموتُ كان خيراً لك مما صنعت، فدعا ربه قائلاً: « اللهم إن كان رشداً ما صنعت فاجعل تصديقه في قلبي، وإلا فاجعل لي مما وقعتُ فيه مخرجاً، فبات ليلته يُفكر، وفي الصباح ذهب إلى الرسولِ ﷺ « ،وقال له: « يا ابن أخي، إني قد وقعت في أمر لا أعرف المخرج منه، فحدثني حديثاً فقد اشتهيت يا ابن أخي أن تحدثني، فكلمه الرسولُ ﷺ وذكّره ووعّظه وخوّفه وبشّره، فألقى الله تعالى في نفسه الإيمان، فقال: أشهد أنك الصادقُ، شهادة الصدق، فأظهر يا ابن أخي دينَك، فوالله ما أُحبُّ أنَّ لي ما أظلته السماءُ وأني على ديني الأول »

وأعز الله الإسلام بحمزة، وأصبح سدا منيعا يذود عن رسول الله، وعن المستضعفين من أصحابه، وإن لم يستطع أن يمنع كل الأذى عنهم، إلا أنه كان وقاية ودرعا، كما كان إغراء ناجحا لكثير من القبائل للدخول في الإسلام، حتى جاء عمر بن الخطاب ذات يوم وكانت تخافه الرجال، فطرق الباب على الرسول ﷺ بينما كان يُحدث الصحابة ومعهم حمزة، فخافوا جميعا أن يفتحوا الباب، إلا حمزة فتح له الباب وحدثه في غلظة ظناً منه أنه كان يُريد شرا، إلا أنه فوجئ بإعلان إسلامه، فخرج المسلمون في مظاهرة أمام الناس لأول مرة في صفين أحدهم يتقدمه حمزة والأخر عمر بن الخطاب، فسماه النبي ﷺ « أسد الله، وأسد رسوله ».

وفي أول قتال يشهده المسلمون، يعقد الرسول ﷺ أول راية في الإسلام لحمزة، ويكون هو أول أمير لأول سرية يخرج فيها المسلمون للقاء العدو، ويلتقي الجمعان ويصنع أسد الله الأعاجيب في اللقاء، حتى عادت فلول قريش من بدر إلى مكة تتعثر في هزيمتها وخيبتها، ورجع أبو سفيان مخلوع القلب، مطأطئ الرأس، وقد خلّف في أرض المعركة جثث سادة قريش، من أمثال أبي جهل، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأميّة بن خلف، وغيرهم من سادة قريش وصناديدها.

وتأتي غزوة أُحد حيث خرجت قريش على بكرة أبيها، ومعها حلفاؤها من قبائل العرب، بقيادة أبي سفيان، وكان زعماء قريش يستهدفون بشكل أساسي الرسول ﷺ وعمه حمزة رضي الله عنه، واختاروا عبد حبشي كان ذا مهارة خارقة في قذف الحربة، ليكون دوره الوحيد في المعركة أن يتصيّد حمزة ويصوّب إليه ضربة قاتلة من رمحه، وكان اسمه وحشي وكان عبدا لجبير بن مطعم، وكان عم جبير قد لقي مصرعه يوم بدر فقال له جبير: « اخرج مع الناس وإن أنت قتلت حمزة فأنت عتيق »، وجاءته هند بنت عتبة والتي فقدت في معركة بدر أباها، وعمها، وأخاها، وابنها، وقيل لها إن حمزة هو الذي قتل بعض هؤلاء، وأجهز على البعض الآخر، ووعدته إن هو نجح في قتال حمزة أن تُعطيه قرطها اللؤلؤي الثمين وقلائدها الذهبية.

وعندما التقى الجيشان، وأخذ حمزة يصول ويجول، ويقطع الرؤوس ويضرب بسيفه في سبيل الله، حتى قارب المسلمون النصر الحاسم، وحتى أخذت فلول قريش تنسحب مذعورة هاربة، فيترك الرماة مكانهم فوق الجبل، وينزلوا إلى أرض المعركة ليجمعوا غنائم العدو المهزوم، مخالفين أمر رسول الله ﷺ، فتفتح ثغرة واسعة لفرسان قريش، ويهجموا على جيش المسلمين وينسحب عدد كبير منهم، فيثبت حمزة رضي الله عنه بجوار الرسول ﷺ، وضاعف قوته ونشاطه وبلاءه، وأخذ يضرب عن يمينه وشماله، وبين يديه ومن خلفه، ووحشيّ هناك يراقبه، ويتحيّن الفرصة الغادرة ليوجه نحوه ضربته، حتى رآه وهو يقتل أحد المشركين فوجه إليه الحربة في ثنّته -ما بين أسفل البطن والعانة -حتى خرجت من بين رجليه، ونهض نحوه إلا أن الموت غلبه، واستُشهد رضي الله عنه، ويشق وحشيّ بطنه رضي الله عنه ويُخرج كبده ويذهب به إلى هند ليأخذ منها قرطها وقلائدها، لتمضغ هند كبد حمزة، لتشفي حقدها وغلها.

وبعد المعركة، أخذ الرسول ﷺ يُصلي على الشهداء فحمل جثمان حمزة إلى مكان الصلاة على أرض المعركة، فصلى عليه ﷺ وتركه مكانه، ثم جيء بشهيد آخر، فصلى عليه الرسول ﷺ، ثم رفع وترك حمزة مكانه، وجيء بشهيد ثالث فوضع إلى جوار حمزة وصلى عليهما الرسول ﷺ، وهكذا جيء بالشهداء، شهيد بعد شهيد، والرسول ﷺ يصلي على كل واحد منهم وعلى حمزة معه، حتى صلى عليه ﷺ يومها سبعين صلاة، وينعيه ﷺ قائلاً: رَحْمَةُ اللَّه عليك، فَقَدْ كُنْتَ وَصُولًا لِلرَّحِمِ، فَعُولًا لِلْخَيْرَاتِ، وقال عنه ﷺ: سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَرَجُلٌ قَامَ إِلَى إِمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ، فَقَتَلَهُ..

شارك المقال