بائعة الملابس 

08 أغسطس 2016 - 22:00

ليلى مغربية فرنسية تبيع ملابس «ماركة» أمريكية في متجر بلندن؟ ولدت في ليون قبل 29 سنة من أب ينحدر من تيفلت وأم من قلعة مكونة. من الكتاب الفرنسي الذي أحمله في يدي خمنت أني مغربي أو تونسي أو جزائري، فبادرتني بالسؤال: «هل أنت من المغرب»؟ قلت: «نعم. كيف عرفت؟»، فأجابت: «من كتاب Luc ferry الذي تحمل بين يديك. من يكون هذا الكاتب؟»، قلت: «هو فيلسوف فرنسي يخفق قلبه إلى اليمين، لكن ماري لوبان لا تعجبه، واليسار يوقظ فيه السخرية أكثر من أي شيء آخر»، فسألت: «هل مازال على قيد الحياة؟»، قلتُ: «نعم للأسف، أو لحسن الحظ حسب زاوية النظر».

سألتها: «كيف جئت للاستقرار هنا؟»، قالت: «أنا مغربية فرنسية ولدت في بلاد هولاند، وجئت للعمل في لندن. كانت في البداية مجرد مغامرة، لكنها الآن أصبحت اختيارا. أعجبتني لندن رغم أسعارها التي تحرق الجيوب، لكن جودة العيش والانفتاح والتعددية الموجودة هنا تغري فتاة مثلي بالابتعاد عن فرنسا التي أصبحت تتنفس الشكوى من المهاجرين وتتأفف من كل شيء».

سألتني عن عملي، فأخبرتها بأني صحافي، فبادرتني بالسؤال: «وهل هناك صحافة في المغرب؟ أقصد هل يمكن ممارسة هذه المهنة في بلاد غير ديمقراطية؟»، تعجبت من دقة وعمق سؤالها رغم أنه لا يظهر عليها اهتمام كبير بالسياسة. قلت: «نعم، ممارسة الصحافة، كما في باريس أو لندن أو واشنطن، مستحيلة في المغرب، لكننا نحاول أن نقترف مهنة شبيهة بالصحافة في بلاد محاطة بالأسلاك الشائكة. نحن نتعلم ممارسة هذه المهنة، ونقبل بهامش مخاطرة كبير، والسلطة تتعلم أن تتعايش معنا، وإذا غضبت تضرب بقوة، فمنا من ينحني للعاصفة إلى أن تمر، ومنا من يدخل تحت جناح السلطة خوفا وطمعا، ومنا من يكفر بالحرفة فيتحول إلى معارض في الخارج لا يرى أي تقدم في البلاد، وتبقى أفضل جريدة في المغرب هي التي لا تصدر، وأفضل إذاعة هي التي لم تولد بعد، وأفضل تلفزة هي التي يصنعها المواطن في اليوتيوب، وعلى العموم، بارك الله في مارك زوكلبيرغ مؤسس الفايسبوك، فقد أعطى جريدة لمن لا جريدة له، ومكبر صوت للذي لا صوت له، ومنبرا للتعبير لمن لا منبر له».

أخبرتني ليلى بأنها مخطوبة وستتزوج قريبا، لكنها لا تستطيع العودة إلى المغرب، فالبلاد، في نظرها، لا تتقدم، والإصلاحات فيها مثل الشمس في شتاء لندن، تظهر يوما وتغيب شهرا، حتى إنها أحيانا تتحرج في الإفصاح عن جنسيتها. «أحيانا لا أقول أنا مغربية، أختبئ وراء جنسيتي الفرنسية رغم أني لا أشعر بأنني فرنسية تماما»، تقول ليلى بأسف ظاهر.. تعجبت من كلامها، لكني في هذا الصباح الجميل وأنا ذاهب إلى حديقة ‘‘هايد بارك’’ لأتمشى وأستمتع بالخضرة، لا أريد أن أتحول إلى واعظ في الوطنية، وأن أعطي هذه الفتاة دروسا في حب الوطن والدولة المغربية. تركت هذه المهمة لخدام الدولة الذين ابتلعوا آلاف الهكتارات من أرض الوطن، ثم نصبوا أنفسهم رهبانا يبشرون بالمغرب الجديد والمفهوم الجديد للسلطة، وأزعم، والله أعلم، أن خجل هذه المواطنة المغربية من الانتماء إلى وطنها إحدى نتائج السياسة العقارية والريعية لخدام الدولة… هذا مجرد زعم.

سألتني ليلى: «ألا يعطي المغرب صورة دعائية جميلة عن نفسه للخارج لا تطابق الواقع الحقيقي؟ أنا أزور المغرب كل سنة، وأرى أن الناس تشتكي الإدارة والقضاء والفقر وقلة الصحة، وعدم الشعور بالحرية الكاملة في التعبير، ثم أرجع إلى أوروبا فأرى أن جل من يعرف المغرب متفائل بمستقبله، ويقارنه بسوريا وتونس واليمن والعراق، ويقول لي: ‘‘احمدوا الله أن الدم لا يجري وديانا في المغرب، وأنا لا أعرف هل الحرية خطر على المغاربة أم إن الاستبداد هو الخطر، لا أعرف صراحة».

أحسست بأنني في ورطة، ولا بد أن أجيب هذه المواطنة المفتوحة شهيتها للحديث في السياسة، فيما أنا هنا لنسيان هموم السياسة والصحافة، وحضور دورة تدريبية بعيدا عن «خزعبلات السياسة المغربية»، لكني مع ذلك أجبتها: «المغرب يتغير نعم، لكنه لا يتقدم إلى الأمام بسرعة معقولة، وكل شيء فيه بين قوسين، وإذا كانت الأرقام لا تكذب، فهي تخبرنا بأن معدل البطالة فوق العشرة في المائة، وهذا الرقم يقفز إلى 20٪‏ عند الشباب المتعلم، وأن معدل الفقر مرتفع، وأن في البلاد 8 ملايين لا يعرفون للقراءة والكتابة طريقا، وأن في البلاد أحزابا حقيقية وأخرى كارتونية، وأن النخب جلها مهلهل و… مؤشرات كثيرة تقول إن المغرب بلاد من العالم الثالث، وإن الجهود الإصلاحية التي يقوم بها الملك والحكومة، من جهة، هي محدودة أمام هول الخصاص المتراكم بفعل عقود من الإهمال، ومن جهة أخرى هذه الإصلاحات تتم خارج مؤسسات قوية، وسياسات عمومية دائمة، واختيارات ديمقراطية لا رجعة فيها. إن الأمر يشبه شخصا يقوم بإصلاحات يومية في بيته، لكن، بدون خطة من وضع مهندس معماري، ودون مخطط تهيئة عمراني، والأكثر أهمية، دون إيقاف أشخاص يخربون البيت من الداخل كل يوم أيضا… الحرية نعمة لا يجب التشكيك فيها، والاستبداد نقمة لا يجب التساهل معها، والدليل هو البلاد التي اخترت أن تعيشي فيها».

سألتني: «هل رأيت ما وقع في تركيا؟ وهل رأيت الشعب التركي ينزل إلى الشارع لحماية النظام الديمقراطي في بلاده مِن مخاطر الانقلاب العسكري؟ هل تعتقد -تسأل مرة أخرى- أن المغاربة يستطيعون النزول إلى الشارع بهذه الصورة إذا تعرض نظامهم للخطر؟».

يا الهي، ما هذا الامتحان «على الصباح»؟ قلت لبائعة الملابس: «أنا لم أفكر في هذا السؤال من قبل»، فردت متهكمة: «لكني فكرت، فهل أجيبك؟»، قلت: «نعم، لكن بعد أن تحضري لي قميصا لهذا الصيف على مقاسي».

شارك المقال

شارك برأيك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

tarik منذ 4 سنوات

لا يحتاج الأمر إلى كثير تفلسف وفدلكات سياسية ،المغرب يتجه إلى مرحلة السيسوية بانقلابية ظاهرها ديموقراطي وباطنها مخزني .لكن لا بأس على بعض المغاربة أن يتعلموا ‘وأتمنى أن ينطبق عليهم المثل المغربي " ارخيصة بتعليمة " ولا نريدها غالية وبانتكاسة لا قدر الله والله يحفظ .

احن الى بلادي منذ 4 سنوات

انا أحب بلادي المغرب لكن اخاف مثل ليلى ان اعود للعيش فيها خصوصا وأني تعودت على العيش بكرامة احيانا يسألني أولادي أمي هل المغرب مثل بلادنا السويد لكن بيني وبينك سيدي اخاف ان اجيب او لا اجد جوابا يرضيني ويرضي أطفالي شكرًا لك سيدي مقالك في غاية الروعة

ابو آية منذ 4 سنوات

الكلمة الفصل للاغلبية الصامتة ان هي قامت بدورها وعبرت عن انبعاث الروح في هذا الشعب...لان هذه الفئة هي من سيقصي النخب المهلهلة وتقطع الطريق على الاحزاب الكرتونية , , , بالعكس انا متفائل واترقب مفاجأة ( لم لا اغلبية بين اليسار الموحد + تحالف الرافضون )

خزاز محمد منذ 4 سنوات

الجواب هو القميص على المقاس

Moha منذ 4 سنوات

عندي جواب ليلى.....نعم الشعب المغربي، سينتفض لحمابةصناديقه....لكن، بما انه ليس شعبا متحضرا كالاتراك. ستعم الفوضى. و سيستغلها سراق الدولة، لاشعالها و الزج بالعسكر....و سيدخل الخارج على الخط من اعداء البلاد....الإسبان و الجزائريون و الفرنسيون.....و لا قدر الله الحرب الاهلية.....لهذا و لتفويت "الهكزة" على الاعداء، يجب على القصر، عدم النكوص على الصناجيق،و ردع مافيا البام....انتهى الكلام. ص

Mohamed moha منذ 4 سنوات

أكلنا يوم اكل الثور الابيض

A.story منذ 4 سنوات

قصة خبرية تجمع بين التسخيص و التحليل للواقع المغربي .و لا يغيب عنها التشويق

التطواني منذ 4 سنوات

بسؤالها الأخير تكون قد أعطتك عُصارة عن الوضع السياسي في الغرب، وللإشارة فهذا السؤال طرحته وأنا جالس مع أسرتي في ليلة محاولة الإنقلاب على اردوغان .سؤال طرحته لمقارنة النظامين السياسيين لا لمعرفة الجواب

Simo C منذ 4 سنوات

قصة جميلة غاية في الجمال والدقة٠ اما عن "خدام الدولة" فالسيدة ترى انهم "هدام الدولة"٠٠ فمارئينا خداما يكافؤون بهدا المستوى٠٠٠فأين استنزفت "ثروة المغاربة" ؟ معذرة فانا لااتهكم

Ham منذ 4 سنوات

أسلوب كليلة ودمنة

amine el youssefi منذ 4 سنوات

يعني صراحة و بكل تجرد . نحن الطبقة الوسطى في المغرب اذا كانت اصلا موجودة نشعر بالمرارة و نفس احساس الاخت و لدينا نفس التساؤلات . نعم هناك حب للملك من الشعب هذا صحيح و ليست مزايدة و هناك شبه اصلاحات لا ننكر و لكن هل ينعكس علينا كشعب نسافر لاوروبا و نرى الديموقراطية الحقيقية و ظروف العيش صراحة نحس بغبن كبير و احساس بالمرارة و نفس احساس الاخت ينتابنا . و لا اعتقد بهده السرعة في الاصلاحات و مع الفساد الموجود سنصل للمغرب اللذي نحلم به على الاقل في جيلنا هذا ربما الاجيال القادمة ...............

Charki منذ 4 سنوات

C'est trop fort, ce Monsieur m'étonne ennormement avec son style de soulever les enjeux de notre Pays de façon intelligente. Bravo encore une fois et God bless you

مر الكلام منذ 4 سنوات

احسنت صنعاً بحوارك هذا.... فعلا النخبة مهلهلة ... لكن النخب لا تصنع التغيير بل "تتمنى " الا صلاح ( الذي يأتيها هدية من السماء) ... لكن هيهات .. فالسماء لا تمطر اصلاحا و قانون الكون الذي خلق الله وجعلنا نكتشفه عبر مصير الأقوام البائدة يكاد ينطق قائلا ان "الساعة قائمة لا ريب فيها وأنها لا تأتي الا بغتة ... وانه حينها لا فرصة تانية لطوفان الشعوب أقوي من بطش التسلط" .. فالعبرة لمن يعتبر

Chab mo منذ 4 سنوات

سر ليلي بالغ. ماذا قالت ليلي ردا علي سوءلها. ليلي تعرف سرا.

M.KACEMI منذ 4 سنوات

كل ما يؤمل هو ألا يفصح 7 أكتوبر، مع توابعه، عن إرادة للرجوع إلى ما قبل 2011

alhaaiche منذ 4 سنوات

D'après cette conversation, je découvre que le simple citoyen marocain est beaucoup plus intelligent, que le responsable marocain, le citoyen pose des questions tout en sachant les réponses, Par contre le responsable marocain, pose des questions sans avoir la moindre idée sur les réponses, l'incompétence de nos responsable est une vérité que nul ne peut ignorer. J'ai honte de poser quelques exemples de questions de nos responsables Al Hor Bel Ghemza.

Ali lilo منذ 4 سنوات

نريد إجابة ليلى لسؤالها اﻷخير

Hassan منذ 4 سنوات

وماذا يا استاذ كان ردك هلي سوءالها بعض ان احضرت القميس؟ كل حزب يري الديمقراطي ويفسرها حسب هواه، وكذا النظام. لنفترض ان حزب العدالة خسر الا نتخابات، وكانت مزورة هل سيخرخ البدجيون والذين شعروا بالعبة الي الشارع للمطالبة بارجاع حقهم اليمقراطي.ام سيفسر كل ذلك بكلا م سياسي. لست ادري ماذا قصدت تلك البنت بسوءالها، انه سوءال عميق، سيما اذا فهمنا و عرفنا ماذا تعني الديمقراطية في المغرب، ومتي سيخرج المغاربة للدفا ع عنها. جون واتبري في السبعينات قال لا يخرج المغا ربة للشارع سوي مقابلة كرة. هل تغير الو ضع اليوم؟

hassanX منذ 4 سنوات

لا تأخذ القميص على مقاسك في لندن بل خذ مقاساً أصغر ان كنت تريد ان تلبسه في المغرب. فهنا ستُحِس بنقيض ما تحس به في حديقة 'هايد بارڭ' وبالتالي سوف تخِسُّ و ينقص وزنك.

المخلص لوطنه منذ 4 سنوات

لاول مرة صراحة اخاف على المغرب لان هناك شبه ن احساس عام بوجود احتقان داخل البلد وخصوصا بعد الخطاب الملكي الذي جاء مخيبا للامال.المغرب بلد التناقضات بامتياز ملك يدعي الحياد وحاشيته وخدام الدولة غارقون في اعداد البام من اجل اغلبية مريحة لقيادة الحكومة وهذا لايحتاج لخبرة سياسية بقدر ماهو ملاحظ من توجيهوالاعيان والتابعين للبام الله يحفظ وصافي من شي ردة ديمقراطية م

التالي