أيها الصحافيون.. هيّا نصعد فوق الطاولة

09 فبراير 2017 - 13:05

عندما أتأمل حجم الجرائد و”الجرائم” الورقية والإلكترونية التي تناسلت في السنوات الأخيرة ببلادنا وتخصصت في جلد وتسفيه كل صاحب موقف مستقل عن المتحكمين في الدولة أو مزعج لهم، وكل ذي عقل نقدي، أتذكر ما قاله الصحافي خالد الجامعي يوما للوزير الأول الراحل عبداللطيف الفيلالي، عندما توجه إليه متسائلا عن سبب انحدار مستوى الصحافة والصحافيين في المغرب، فأجابه الجامعي قائلا: “إن مستوى صحافيينا من مستوى وزرائك”.

في المغرب، كما نجد سياسيا يحتج بالحمير، وأجهزة أمنية تُسخر إمكانياتها البشرية والتكنولوجية لتتربص بهواتف ومواعيد هذا المؤرخ أو ذاك العضو في العدل والإحسان، أو ذينك القيادييَن في التوحيد والإصلاح، ونجد رئيس مجلس النواب يستدعي برلمانيا وبرلمانية متزوجين لمساءلتهما عن سبب وجودهما منفردين في مكتب، بدل أن يُسائل نفسه كيف انفرد هو بالمال العام وتملص من أداء الملايير من الضرائب للدولة، ونجد رجال سلطة ومناضلي نقابات وأحزاب يموِّلون ويحشدون البؤساء والأرامل والمشردين في مسيرة سريالية لـ”طرد بنكيران من الصحراء”، ونجد سياسيا يهدم كعبة حزبه ويدوس فوق تاريخه وجثث شهدائه للوصول إلى الوزارة أو رئاسة مجلس النواب… في بلد كهذا يمكن أن نتفهم كيف تنامت وأورقت صحافة المراحيض، وأن نلتمس الأعذار لنباح كلاب الحراسة على القطيع بدل الذئاب.

ازدهار صحافة التشهير بالمعارضين والتطبيل للحاكمين، ارتبط دائما بتراجع الديمقراطية وصعود أسهم السلطوية التي نظرت- منذ عهد الحسن الأول- إلى الصحافة التي صدرت في طنجة نهاية القرن 19، وتوجهت بالنقد لمظاهر التخلف والاستبداد التي كانت تسود المغرب وقتئذ، بأنها شرّ وبدعة: “إن الجوازيط (les gazettes) من باب حاطب ليل، ومن محدثات الأمور التي لم يُعهد مثلها. وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة”. هكذا وصف السلطان الصحافة النقدية. وفي المرحلة التي بدأ فيها الفرز السياسي في المغرب بين الأحزاب الديمقراطية وأحزاب الإدارة (الفديك) اضطلع المستشار القوي في نظام الحسن الثاني أحمد رضا اكديرة، بالتشهير بالمعارضين، فكانت جرائده تلفق أحداثا ووقائع لا أخلاقية لقياديي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وحزب الاستقلال، مثل تركيب صورة لعلال الفاسي يعانق فتاة شبه عارية تجلس على فخذيه في جلسة خمرية صاخبة. وصولا إلى مرحلة التناوب حيث تطوع جزء من إعلاميي الاتحاد الاشتراكي لمساعدة التحكم في تسويد تاريخ وحاضر قائد التجربة الديمقراطية الجنينية والمتعثرة، عبدالرحمان اليوسفي، والموالين له، حيث وصل التشهير أوجَ قبحه وبذاءته بنشر جريدة مشبوهة خبرا عن “ضبط” قيادي اتحادي متلبسا في علاقة جنسية مثلية.

أما في مرحلتنا الراهنة، فأكاد أجزم أن ما وصلته صحافة القبح والتشهير، من تألق وتحرر من كل الحدود والقيود المهنية والأخلاقية، لم يعرفه المغرب منذ 1956. وكما كانت العائلات النافذة، في عهد الاستعمار، تحصل على حماية أمريكية أو بريطانية أو فرنسية.. أصبح لكل واحدة من جرائد ومواقع التشهير حماية من هذا الجهاز أو ذاك السياسي أو رجل الأعمال. صحافيون “يُميخلون” في عورات الصحافيين والحقوقيين والسياسيين. وآخرون لا يقومون سوى بتفريغ ونسخ المكالمات الهاتفية والتقارير التي يتوصلون بها، مع إضافة بهارات البلاغة والمبالغة. ناهيك عن جيش من الكتبة والخبراء ورؤساء مراكز الأبحاث والتفكير، المتخصصين في شؤون الإرهاب والأدب المقارن والصيد البحري والهجرة… والمتأهبين لإطلاق الزغاريد على كل مبادرة رسمية ونقيضها إذا ما تم التراجع عنها، وتقديم الدلائل على نجاعتها وحصافة رأي متخذيها، ومقارعة وإفحام كل من يقول بعكس ذلك.

يُحكى عن الصحافي سعيد الصديقي (عزيزي) أنه عندما كان رئيسا لتحرير جريدة “الطليعة”، لسان حال الاتحاد المغربي للشغل، اجتمع بالمحجوب بن الصديق وقيادة النقابة لمناقشة أمور تهم الجريدة. وعندما طال الاجتماع وأمعن النقابيون في الخوض في أمور تافهة، قام الصديقي وصعد فوق طاولة الاجتماع، فخاطبه بن الصديق: “آش كدّير أ سعيد”، فأجابه عزيزي: “طلعت فوق الطابلة باش نهز النيفو د النقاش أ السي المحجوب”. نحن، كذلك، في حاجة إلى أن يصعد صحفيونا فوق الطاولة.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي