حمودي: لا يمكن للعثماني لعب دور بنكيران حتى لو استلهم شعبويته

12 أبريل 2017 - 16:09

صاحب “الشيخ والمريد”، الأنتربولوجي والأستاذ الجامعي بجامعة برنستون الأمريكية، عبدالله حمودي، يكشف في هذا الحوار مع “أخبار اليوم”، أن الراهن السياسي ما بعد 20 فبراير، الذي خرجت من أجله شرائح واسعة، خلل خطاطة الشيخ والمريد، أي خلل طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم التي سادت من قبل، كما يكشف أن بنكيران حاول تقاسم سلطة الخطاب مع أمير المؤمنين، فداسته السلطة، فضلا عن تحليله الأسباب الكامنة وراء “طرد بنكيران”، وعن الخطوط الحمراء التي اقترب منها الرجل، وعن خطة “البلوكاج” والولادة العسيرة لحكومة العثماني.

كيف تصف حكومة العثماني، وهل تمثل بالنسبة إليك بداية تدجين هذا الحزب، الذي قلت أنه قوي؟

أظن أن كل المؤشرات تدل على محاولة التدجين، وعلى تسجيل أهداف من طرف الملياردير أخنوش في مرمى البيجيدي، وهذه الممارسات “عرات كلشي” أمام الناس. هناك محاولة لاستغلال التناقضات الداخلية بين مكونات الحزب، وهناك تناقضات أخرى  ستفرض أيضا من لدن أناس لا برنامج لهم مثل أخنوش.

لكن إذا كانت الأحزاب الإدارية القديمة كحزب أخنوش وحزب ساجد يظنون بأنهم سيعرقلون المسار وسنعود إلى نقطة الصفر، فأنا أظن أنهم مصابون بغرور كبير وخطير، لأنه إذا تكسر هذا المسار هم أنفسهم سيكونون أمام وضع خطير، لا أقول إن النار ستشتعل،  لكن سيظهر أنهم هم من أفشلوا العثماني والبيجيدي. عليهم أن يعلموا أن الطريق ليس معبدا أمامهم، فحزب العدالة والتنمية له إمكانيات وسعد الدين العثماني له إمكانيات أن يقول “الله غالب”، وإذا قال الله غالب وأرجع المفاتيح، فالأمر سيخلق هزة ولن تكون في صالح من يسعون إلى تطويقه.

هل فعلا بدأ العد العكسي وشرعت السلطة في إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل 20 فبراير؟

هذا انطباع منتشر بشكل واسع، ربما يتخيل البعض أن بإمكانهم إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل عشرين فبراير، لكن هذا الأمر مستحيل، أظن أن السلطة تحاول أن تعيد تلك العقارب إلى نقطة معينة، لكن هذه الرؤية مستحيلة.

  ما الذي يجعل الرجوع إلى لحظة ما قبل 20 فبراير أمرا مستحيلا؟

أولا، بعد 20 فبراير صعد للمشهد السياسي حزب قوي. وسواء اتفقنا مع هذا الحزب أو لم نتفق، فهذا أمر واقع لا يمكن إنكاره. كما لا يمكن إنكار أنه تنظيم محكم وله ديمقراطية داخلية. هذا الحزب الذي هو العدالة والتنمية، أتى بعد تآكل الأحزاب القديمة، باستثناء الاستقلال لأنه حزب عتيد. لا يمكن أن تعود العقارب إلى لحظة ما قبل 20 فبراير، لأن البيجيدي هو الوحيد الذي كان مؤهلا في الدخول في عملية احتواء الدينامية التي كانت وراء ذلك الحراك الشبابي، وذلك بالتوافق مع القصر فيما يخص طبيعة الإصلاح وحدوده. إذن، فحَراك 20 فبراير أولا، ووجود هذا الحزب ثانيا، ثم وجود منظمة أخرى في الأفق وهي العدل والإحسان، كلها عوامل تجعل عملية إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل مرحلة اليوسفي وحَراك عشرين فبراير أمرا مستحيلا. ولا بد كذلك من الأخذ بعين الاعتبار التراكم السيكولوجي والنفسي والسياسي الموجود الآن، في وجدان الناس وخاصة الشباب. إن جدلية اليوم هي جدلية بين من يريد التقدم إلى الأمام، ومن يحاول إيقاف الحركة أو إبطاءها، نحن اليوم في بنية متحركة بوتيرة سريعة نسبيا، وواقع الحال هو أن هناك مكتسبات جديدة، وهناك في النظام من يخاف تلك الدينامية ويسعى إلى التقليل من ضغطها على النظام القائم.

هل كان حزب العدالة والتنمية في مستوى الأمانة التي حملها عن حراك 20 فبراير؟

حزب العدالة والتنمية كان موجودا بقوة قبل حراك 20 فبراير، لكن الذي حدث هو أن الحراك أتاح له فرصة احتلال المقدمة، لكن السؤال الذي ينبغي طرحه في هذا الصدد هو هل كان في مستوى هذه الشعارات؟ الجواب هو لا.

في الحراك كانت هناك شرائح سياسية تنادي بإسقاط الاستبداد وبالعدالة وبالكرامة وبتشغيل الشباب وبالحرية، بما فيها الحرية الفردية، وكذلك بالملكية البرلمانية. هذه ليست كلها شعارات البيجيدي. طبعا، حينما يتحدث هذا الحزب عن العدل أو عن التصدي للفساد المالي أو عن التكافل الاجتماعي، فهو كان يتقاطع جزئيا مع تطلعات الشباب. وحتى في هذه المجالات لم يحقق الحزب الإسلامي شيئا مهما.

صحيح أن العدالة والتنمية تحرك ضد شبكات مسؤولة عن الفساد واختلاس المال العام، وأعطى المثال عن نظافة اليد، بالرغم من تجاوزات بعض أفراده هنا وهناك. فضلا عن منجزات أخرى كالاعتناء بالطبقات الفقيرة والأرامل وإدخال نظام المباراة قبل التوظيف ومكتسبات أخرى، لكن كل هذه الإنجازات كانت متواضعة مقارنة بالشعارات التي رفعها.

أما فيما يتعلق بالديمقراطية، فأظن أن الاهتمام بها كان ضعيفا أو غائبا على العموم لدى قيادة البيجيدي، إضافة إلى أن تيار بنكيران داخل الحزب وبعض المقربين منه لم يولوا اهتماما كبيرا لمجال الديمقراطية، ولكنهم بالأساس أعطوا الانطباع أن الحزب أتى لفرض الرقابة على السينما والتلفزيون والفن باسم الفن النقي.

على العموم لا أظن أن تعميم الديمقراطية كان من أولويات البيجيدي وكذا الدستور والإصلاح الدستوري، ذلك لأن تنزيل الدستور وبنوده لم يحظ بالأهمية التي كان من المفروض أن يحظى بها. لكن ما هو ملحوظ هو أن الحزب بقيادة بنكيران كانت له رغبة أكيدة في تقاسم الحكم مع القصر. وطبعا هذا التقاسم يمكن أن نفضله على استفراد القصر بالحكم. لكني شخصيا أفضل الأولويات الأخرى وهي تعميق الديمقراطية.

هل شكلت في نظرك هذه الإرادة في تقاسم السلطة، سبب إعفاء بنكيران؟

هذا ما يبدو، فأولا سلطة الخطاب التي مارسها بنكيران هي نوع من تقاسم السلطة، وهذا أمر جديد، فالوزير الأول من قبل كان لا يتجرأ على الكلام، وحتى إن تحدث فهو لا يتعدى لغة الخشب. عبدالرحمان اليوسفي نفسه لم يكن يتكلم، حيث كان كتوما. أضف إلى ذلك أن خطاب بنكيران كان يشوبه الالتباس، فمرة يقول: “نحن نريد أن نتعاون مع أمير المؤمين”، ومرة يقول “إذا رأيت الفاحشة فلن أسكت عنها”. وفي هذه الجملة الأخيرة ليس هناك تعاون مع أمير المؤمنين فقط، بل هناك نوع من تقاسم صلاحية “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”. وهذه مهمة من اختصاص أمير المؤمنين، فلا يعقل أن يقول بنكيران إنه أراد أن يتعاون مع أمير المؤمنين فقط، وفي الآن نفسه يهب للدفاع عن الدين والنهي عن المنكر. لا يعقل لأن هناك من هو قيّم على الدين وهو أمير المؤمنين، “حامي حمى الملة و الدين”. أنا لا أدافع عن هذه البنية، بل أفسر منطقها فقط (منطق مؤسسة إمارة المؤمنين). هذه هي في تقديري أسباب إعفاء بنكيران، بل لنقل طرد بنكيران.

 هل كان المشكل شخصيا مع شخص بنكيران؟

عندنا في المغرب الشخص مهم، حيث لازال عندنا تأثير للأشخاص كأشخاص، سواء في الحكومة أو داخل الأحزاب، بغض النظر عن الإيديولوجيات. فكيفما كان توجه الحزب،  فـ”نغمة” هذا الشخص ليست هي نغمة شخص آخر وإن كانا داخل التنظيم نفسه ويعتنقان الإيديولوجيا نفسها. مع بنكيران كان هناك حضور للكاريزما و”حس الزعامة” أي يسمى بـ”سلطة الخطاب”، فلا يمكن لسعد الدين العثماني، حتى وإن أراد أن يستلهم “شعبوية” بنكيران، وأن يلعب الدور ذاته الذي أداه هذا الأخير. والحال أن الشعبوية خطيرة على السلطة المركزية، ولا بد أن أقول إن الشعبوية خطيرة على الديمقراطية، وعلى الديمقراطيين أيضا. فحين يقول بنكيران إن: “الله هو من جاء بنا” و”الشعب هو اللي جابنا”، فهو يمنح لنفسه صفات كانت تمتاز بها المؤسسة الملكية وحدها حسب الأعراف المغربية. فرغم أن بنكيران يكرر دائما “نحن نريد أن نتعاون مع الملك”، فهو في الحقيقة كان يتعاون مع الملك، وفي الآن نفسه “كيطيب خبيزتو”، هذه هي السياسة.

وإجمالا أرى أن المجال السياسي توسع، والبيجيدي من العوامل التي وسعت هذا المجال، حيث أصبح هناك خطاب فيه أخذ ورد مع مركز السلطة.

سبق أن أشدت بدستور 2011، ألم تكشف فترة ما سمي بـ”البلوكاج” أنه أصغر من متطلبات الديمقراطية؟

لا، لم أشد بدستور 2011، ولكن قلت إنه متقدم في بعض الاتجاهات مقارنة مع السابق، ولكن أتفق معك، حين تقولين إن الدستور الحالي هو أصغر من متطلبات الديمقراطية، ولكن بفارق وهو أنه حتى تلك المكتسبات الصغيرة لم تطبق، وأن نسبة تنزيلها كانت ضعيفة.

هل يدل هذا على أن الأزمة هي أكبر من كونها دستورية؟

في المغرب لا تشكو الأحزاب من كون الدستور لم يتم تنزيله أو أنه غير كاف لإحقاق الديمقراطية، أغلب الأحزاب تقحم الحديث عن الدستور فيما يعتبرونه “إنجازات” في نظرهم، باستثناء الأحزاب المكونة لفيدرالية اليسار الديمقراطي.

فإذن، إذا كانت هناك أزمة فهي بالأساس سياسية واقتصادية واجتماعية، أي إن الأزمة الحادة التي يعيشها التعليم هي فعلا أزمة، وهناك أزمة فيما يخص توفير مناصب الشغل للشباب وهناك أزمات أخرى.

النتائج التي حصلت عليها فيدرالية اليسار في الانتخابات التشريعية الأخيرة، ألم تبرز في نظرك أنها لازالت بعيدة عن أن تكون قوة انتخابية؟ ثم ألا يعود الأمر إلى التموقع الاجتماعي لليسار أم إن الأزمة هي أزمة خطاب بعيد عن هوية المغاربة؟

طبعا لازال الطريق أمام اليسار طويلا، لكن هذه بداية وبداية واعدة، ربما آن الأوان أن يناقش “اليسار” إعادة تصور موقعه، وعلى العموم، فالمنضوون تحت “اليسار” لهم مواقف جيدة ويتكلمون على مشاكل حقيقية، لكن عليهم أن يبحثوا كيف يمكن أن ينفتحوا على شرائح كثيرة ويتركوا الجيل الجديد يكون زعامات جديدة بمنظوره وأن يهتموا بالعلاقات بين الأجيال.

 الشباب لم يعد يطيق قاعدة “الشيخ والمريد”

  • سبق أن قلت إن العقود الأخيرة شهدت بروز عقلية جديدة مخالفة لما كان عليه الأمر في الستينيات والسبعينيات، وبأن المعطيات الثقافية بالمغرب اليوم، قد تغيرت، هل تغير تبعا لذلك شيء في علاقة الحاكم بالمحكوم؟

أظن أن المعطيات الثقافية تغيرت، ويمكن أن نلحظ ذلك التغير في أساليب الاحتجاج والخطاب خلال حراك 20 فبراير، فلم تعد شرائح واسعة، خاصة شرائح الشباب، تقبل بنوعية العلاقة بين الحاكمين والمحكومين التي كانت سائدة من قبل، وخرجت من خطاطة الشيخ والمريد. وأنا كتبت كتابا في هذا الشأن وهو: “الشيخ والمريد”.

وفي خلاصته كنت قد نبهت إلى أن الشباب لم يعد يطيق تلك العلاقة، وما عرفته الساحة المغربية بعد ذلك، يثبت ما قلته. لقد حاولت أن أقوم بحفريات في أصل تلك القواعد التي كانت تحكم العلاقة بين الحاكم والمحكوم. واليوم، أقول إن تلك القواعد التي حاولت التنقيب عنها وتحليلها لازالت سارية عند النخب الحاكمة، إما عن وعي أو عن غير وعي، وإما عبر تقمصها انتهازيا، أي إنه “كاين شي وحدين فاهمينها وماباغينهاش، ولكن لابسينها باش يوصلو”.

هناك من يقول إن المجتمع المغربي والحقل السياسي غير مؤهل للديمقراطية، هل يوجد في هذا الأمر جانب من الصواب؟

هذا خطاب مردود عليه، والذين يقولون إن الشعب والبلاد غير مؤهلة إنما يتخذون ذلك ذريعة للاستبداد بالرأي والامتيازات. والملاحظ أن التأهيل يأتي مع التمرن، والتمرن يكون بتنظيم انتخابات شفافة ونزيهة من خلالها يتأهل المواطنون، حتى غير المتعلمين منهم.

أصحاب هذا القول كأنهم يستبطنون أن الديمقراطية تتطلب نوعا من الوعي ومستوى تعليمي معين، ونوعا من الحداثة المؤسساتية وهذا غير متوفر في مجتمعنا الحالي، إذ لازالت الأمية منتشرة والمدرسة لا تقوم بدورها…

نعم، كل هذه العوامل التي ذكرت هي فعلا موجودة، لكن الديمقراطية هي ممارسة وتراكم. ونتعلم الديمقراطية بخوضها، ليس بالضرورة أن نقضي على الأمية أولا، وأن ننشئ اقتصادا جيدا، ثم آنذاك ننتقل إلى الديمقراطية. لنسلم بما قلت ونقول إن الناس غير مؤهلين،  ألا ترين أن الناس مؤهلين لبعض الأشياء ولا تمنحها لهم السلطة.

إثارة المجانية في التعليم مجرد هروب

ظهر مؤخرا وكأن الدولة تريد أن تتخلص من مجانية التعليم، ما أثار نقاشا واسعا حول المسألة، كيف تنظر إلى هذا النقاش؟

أجل هذا ما يبدو والأمر مرتبط بالدولة، لا بد أن تقوم أولا بإصلاح التعليم حتى تعطيه قيمة يمكن أن تطلب أداء مقابلها من طرف المستفيدين من هذا التعليم، فكيفما كان الحال، الناس لا يمكن أن يدفعوا مقابلا ماديا ليست له قيمة. إذن بالنسبة إلي إثارة موضوع المجانية هو نوع من الهروب إلى الأمام من قبل الدولة كي لا تتحمل مسؤولية معالجة المشاكل الحقيقية التي تعانيها المنظومة التعليمية.

فعلا شغلت هذه المسألة الناس عن المشاكل الحقيقية للتعليم. من جهة أخرى إذا قدمت الدولة تعليما جيدا لأبنائها، فهي بذلك ستخلق عبرهم اقتصادا قويا، ولا تكون مطالبة أن تقول لهم ليست هناك مناصب شغل، لأنهم هم من سيخلقون العمل وينشطون الدورة الاقتصادية أينما ذهبوا وسيعود ذلك بالنفع على البلاد وسيكونون مطلوبين في بلدان أخرى.. إذن، فمسألة المجانية ليست مطروحة في إطارها السليم، ولا يمكن للدولة أن تتحدث عن المجانية أو نقيضها دون إعادة القيمة الحقيقية للمدرسة حتى تكون قابلة فعلا لأن يؤدى عنها.

بالفعل مجانية التعليم شيء ضروري، لكن ينبغي أن يحافظ عليها المستفيدون منها: طلبة وتلاميذ وآباء، فما نراه من تخريب للمؤسسات التعليمية العمومية وهدر مدرسي هي كذلك من الآثار الجانبية للمجانية، تماما مثلما كان الوضع حين كان الفلاحون بالبوادي يستفيدون من السقي بلا أي مقابل، كان هناك هدر كبير للمياه، لأن غالبا ما يتم الاهتمام والمحافظة على الشيء الذي نؤدي عليه ثمنا. لكن الحديث عن إلغاء مجانية التعليم في ظروف غياب إصلاح جدي وشامل للمنظومة التربوية، هو من باب الإلهاء عن المشاكل الحقيقية التي يعيشها التعليم بالمغرب.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.