الإغراء والجمال.. مفاتيح تصفية الرؤساء المتمردين

25 ديسمبر 2017 - 00:01

فرغاس يوصا

على غرار الفارس رودريغو دياث دي بيبار، المعروف بلقب السيد كامبيادور، والموالي لعرش قشتالة (1048-1099)، لازال الماريشال رافائيل ليونيداس تروخيو، ديكتاتور جمهورية الدومينكان طوال 31 عاما (1930-1961)، يحصد البطولات بعد مماته، لكن بطولة هذا الأخير ليست وطنية، بل مجرد اغتيالات دولية، كما يؤكد ذلك كتاب “راوية جريمة. تروخيو ضد كاستيو آرماس”، الذي نشره مؤخرا المؤرخ والصحافي الدومينكاني، طوني رافول.

هل هناك من لازال يتذكر الكولونيل كارلوس كاستيو آرماس؟ هذا الكولونيل، الذي اختارته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية والرئيس إيزنهاور ووزير خارجيته جون فوستر دولس، ليتزعم انقلابا، والذي تم نتظيمه سنة 1954، ضد الحكومة التقدمية للرئيس جاكوبو أربنز، في غواتيمالا، نظرا لأنه تجرأ على القيام بإصلاح زراعي في البلد وفرض استخلاص الضرائب من الشركة الأمريكية النافذة “United Fruit”، المتخصصة في تصدير الموز. وبعد ثلاث سنوات، وفي يوم 26 يوليوز 1957، تعرض ذلك الكولونيل إلى عملية اغتيال رميا بالرصاص في أحد القصور الرئاسية. وبقدرة قادر، وفي ذلك الوقت بالضبط (؟؟؟) اختفى الحراس والموظفون من القصر. لم يصدق أي أحد رواية الانقلاب الذي نفذه الجندي البسيط، والذي وجهت له التهمة. هذا الاغتيال نسجت حوله الكثير من الأساطير والأوهام، والتي طالها النسيان بسرعة بسبب تلك الزوبعة السياسية المتواصلة التي كان يثيرها ما يُسمى آنذاك، جمهوريات الموز في أمريكا الوسطى.

ووفقا للمؤرخ طوني رافول، كان الماريشال رافائيل ليونيداس تروخيو هو من أمر بقتل الكولونيا كاستيو. كما أن الحجج التي يقدمها في الكتاب مقنعة تماما. إذ إن الماريشال الذي يفتخر بكون العدو رقم واحد للشيوعية في القارة الأمريكية، تعاون مع وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA)، وثامورثا غارسيا، ديكتاور نكاراغوا ما بين 1950 و1956، في التحضير، بالسلاح والمال، للانقلاب الذي حمل كاستيو آرماس إلى حكم غواتيملا. وعندما انفرد هذا الأخير بالحكم، طلب منه الماريشال أن يسلمه الجنرال ميغيل آنخيل راميريز آلكانتارا، الذي فشل في الإطاحة بالماريشال في جمهورية الدومينكان، وأن يدعوه إلى غواتيمالا، وأن يوشحه بوسام “la Orden del Quetzal”.
ناكر الجميل كاستيو أرماس لم يلتزم بأي من الأشياء الثلاثة التي وعد بها المارشال، أكثر من ذلك سمح لنفسه بأن يسخر من المارشال وأسرته في حفل استقبال، وهي السخرية التي وصلت في الحين إلى الرجل القوي في الدومينكان.

هكذا أرسل تروخيو إلى غواتيمالا القاتل والمعذب المفضل لديه، جوني آبيس غارسيا، صحافي غامض، والذي عينه المارشال كولونيلا ورئيسا للمخابرات العسكرية. كان يشتغل آبيس كمخبر سري بين المنفيين الدومينكان في المكسيك، كما ارتكب الكثير من الجرائم بأمر من المارشال، لهذا فنزوله في غواتيمالا كملحق عسكري في سفارة بلاده في غواتيملا كان يعني أن الدماء ستسيل. ومن أجل الوصول إلى الرئيس كاستيو آماس استعان القاتل آبيس غارسيا بخدمات الشخصية الجذابة في كتاب طوني رافول، وهي غلوريا بولانيوس، الفائزة بجائزة ملكة جمال غواتيمالا، والتي كانت حينها عشيقة الرئيس.

المقابلة التي جمعت الثلاثة كانت أنطولوجية: آبيس غارسيا شرح للرئيس كاستيو آرماس أن تروخيو بعثه ليخبره بأن هناك مؤامرةً تُحاك ضده لقتله من قبل الرئيسين السابقين التقدميين، خوان خوسي آريفالو وجاكوبو آربينز، وأن المارشال يطلب منه السماح له بتصفية “الشيوعيين” بسرعة. ووفق غلوريا بولانيوس، ملكة الجمال، شكر الرئيس كاستيو المارشال على العرض، لكنه رفضه: كان بذلك يوقع على قرار تصفيته. هكذا أعطى تروخيو تعلمياته بقتل الرئيس كاستيو نفسه بعد رفضه العرض. هذه المرة أدى القاتل المخبر آبيس مهمته على أحسن وجه (وليس مثل المرة الماضية عندما آُمر بقتل رئيس فنزويلا، رومولو بيتانكورت، وفشل في قتله بعدما أحرقت القنبلة التي وضعها له بأمر من تروخيو يديه فقط).

رتب القاتل جون آبيس كل شيء كما يجب وخرج من البلد قبل تنفيذ الاغتيال بهدف مسح كل الدلائل. على من كان يبحث العسكريون وأصدقاء الرئيس بعد الاغتيال؟ بالتأكيد على غلوريا بولانيوس! كانوا يعرفون أن الشابة، عشيقة الرئيس، هي مفتاح اغتياله. ومن أنقذ غلوريا من الاعتقال؟ جون آبيس! إذ استعان هذا الأخير بقاتل آخر محترف، وهو الكوبي كارلوس غارسيل، الذي قام بتهريب الشابة في سيارته عبر الحدود مع دولة سلفادور، حيث كان آبيس غارسيا في انتظارها. هناك صعد الاثنان طائرة كانت تنتظرهما وطارا مباشرة صوب مدينة تروخيو، كما كانت تسمى عاصمة جمهورية الدومينكان حينها و”سانتوا دومينغو” حاليا.

منذ ذلك الحدث، تحولت غلوريا إلى شخصية رئيسة في كتاب “راوية جريمة”، إذ عوضت سيئ الحظ كاستيو آرماس، أكثر من ذلك انتزعت دور الشخصية الرئيسة من القاتل جوني آبيس غارسيا. استعملت غلوريا كل أسلحتها عبر إذاعة “صوت الدومنيكان” من أجل اتهام الأصدقاء الليبراليين للرئيس كاستيو آرماس بقتله، وبأنهم خلقوا قصة “الجندي الشيوعي” لمحو كل الآثار. كما أن غلوريا كانت بطلة حدث تراجيدي-كوميدي عندما استدعاها هيكتور روخيو، شقيق الرئيس والملقب بالأسود، إلى مكتبه ومنحها شيكا على بياض وطلب منها وضع المبلغ الذي تطلبه قائلا: “ضعي المبلغ الذي تطلبينه”، وأضاف: “مقابل مضاجعتكِ”. هاجمته ملك الجمال وكادت تقضم أذنه لولا تدخل الحراس في الوقت المناسب وأبعدوها عنه.

الشيء الغامض والغريب، أيضا، هو كيف خرجت غلوريا سالمة من هذا الاعتداء على شقيق الرئيس، وكيف وصلت إلى ميامي، حيث لازالت تعيش إلى يومنا هذا، في حي راق وفي منزل مليء بالزهور البلاستيكية، وصورة كبيرة تغطي جدارا بأكمله للكولونيل كارلوس كاستيو آرماس، إضافة إلى صور لتروخيو، وصور لها في حضن ثلاثة أجيال من عائلة بوش: الرئيسان السابقان وجيف، الذي كان حاكما لولاية فلوريدا. كما أن لها صورة مع رونالد ريغان، وأخريات كثيرات التقطت لها وحدها عندما كانت ملكة جمال غواتيمالا.

هل اشتغلت غلوريا بولانيوس منذ شبابها مع وكالة الاستخبارات الأمريكية، ولهذا استطاعت دخول أمريكا بدون مشاكل، إذ حصلت على الإقامة؟ سؤال يتبادر إلى ذهن القارئ، فضلا عن أسئلة أخرى، وهو ينهي قراءة هذا التحقيق الساحر، “راوية جريمة”. على أية حال، المؤكد هو أن هذه السيدة (غلوريا) تعرف أشياء كثيرة، أكثر مما باحت به، كما أن بعضا مما أسرت به لا يمكن أن يثير الاستغراب. على سبيل المثال، الإعلان الرسمي عن مقتل جوني آبيس غارسيا في هايتي، يوم 30 مايو 1967، على يد تونتون ماكوتس كان خبرا زائفا. وأن الخبر كانت تقف وراءه وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية التي كان آبيس عميلا لها لمد سنوات، فضلا عن خدمة مصالحه في الوقت نفسه، بهدف تضليل العديد من أعدائه.

في الحقيقة، لم يمت آبيس، بل هرب إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث أجرى عملية جراحة تجميلية لتغيير ملامح وجهه، وهو ما كان – ولكن ليس صوته -، إذ لا يزال يعيش إلى حدود الساعة في هدوء وسعادة، وهو على وشك بلوغ سن الـ90 عاما. هل التقته غلوريا بعد هروبها إلى أمريكا؟ نعم، حدث ذلك، لكن مرة واحدة فقط، وكان ذلك قبل سنوات.

فجر أحد الأيام طرق أحد الباب، خرجت لتفتحه ورأت رجلا ملفوفا في معطف كبير ووشاح سميك. أكيد، تعرفت في الحين على نبرة صوته رغم عملية التجميل: “ألم تتعرفي عليّ يا غلوريتا الصغيرة؟”، سألها آبيس. كانت على يقين بأن هذا “الرجل الوفي” سوف يظهر من جديد.

ترجمة توفيق سليماني عن إلباييس

.

شارك المقال

شارك برأيك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

التالي