كشفت الفحوصات الطبية سنة 2015 أن فاطمة مصابة بسرطان الرحم. بعدها ببضعة أسابيع طلب منها زوجها أن تأذن له كتابيا بالزواج من امرأة أخرى، خاصة وأن قانون مدونة الأسرة في المغرب، الذي خرج إلى الوجود سنة 2004 يسمح بالتعددية الزوجية، رغم تنصيصه على ضرورة الحصول على موافقة الزوجة الأولى. فاطمة، اسم مستعار، للمرأة التي تظهر في وسط الصورة والبالغة من العمر 62 عاما، رفضت منح الموافقة لزوجها، لكن الزوج أصر بمبرر أنه يريد زوجة تكون سندا له وتساعده في الأشغال الفلاحية والمنزلية.
شظايا معاناة فاطمة لم تصبها وحدها، بل حتى ابنتها ليلى البالغة من العمر 21 عاما، اضطرت إلى الانقطاع عن الدراسة من أجل التفرغ لرعاية أمها. تنحدر من مدينة الخميسات التي تبعد عن الرباط بحوالي 100 كيلومتر. « المرة الأولى التي غادرت فيها مدينتي رافقت فيها والدتي إلى المستشفى بالرباط. كان أبي خلال فترة الغياب وحيدا في البيت، وكان يشتكي من غياب من يساعده في البيت وخارجه. لهذا، سمحت له والدتي بالزواج من امرأة أخرى، لكنها وضعت شرطين: ألزمته بضرورة أن يدفع لها تكاليف الدواء، وأن يسمح لي بإتمام دراستي الجامعية »، تؤكد ليلى.
زوجة من الدرجة الثانية
ما إن حلت الزوجة الثانية إلى البيت حتى همشت فاطمة وأصبحت زوجة من درجة ثانية. في عزلتها، تصادفت مع جادية الكورتي، البالغة من العمر 76 عاما، التي مدت لديها يد المساعدة. جادية محسنة شيدت بيتا في الرباط منذ عشر سنوات تأوي وتساعد فيه النساء المغربيات القادمات من خارج الرباط، واللواتي يعانين من السرطان. « لقد عاينت العديد من الحالات التي يرفض فيها الأزواج زوجاتهم عندما يصبن بسرطان الثدي، وخاصة، سرطان الرحم »، تضيف جادية بحرقة.
تعلم جادية علم اليقين معاناة هؤلاء النسوة مع السرطان، لأنها سبق وعاشت التجربة نفسها. كانت ترافق زوجها، الذي كان توفي بسبب المرض اللعين، إلى مستشفى محمد بن عبدالله بالرباط. في ذلك الإبان كانت فاطمة تعاين كيف أن نساء قادمات من مدن مغربية بعيدة يجدن أنفسهن مجبرات على التحاف السماء وافتراش الأرض في الحدائق المجاورة أو وسط المستشفى، في انتظار علاج قد يأتي أو لا يأتي. لهذا قررت أن تخصص أسرةً وطعاما لبعض هؤلاء النسوة. والآن، بفضل هذا الدعم الذي تتلقاه من محسنين ومؤسسات خيرية عديدة توسع البيت وتحول إلى جمعية أطلق عليها اسم « جنات »، والتي تأوي اليوم أكثر من 20 أمرة.
استثناء لا يحجب القاعدة
« هناك أزواج، أغلبهم شباب، يدعمون زوجاتهم في مواجهة المرض اللعين، لكن غالبية الرجال يطلبون من زوجاتهم السماح لهم بالبحث عن زوجة ثانية »، تقول جادية، وتضيف قائلة: « يقولون لهن إما أن تسمحي لي أو أطلقك ». في النهاية تستسلم الزوجة وترخص له من أجل الحفاظ على التأمين الصحي المرتبط بزوجها. عندما تدخل الزوجة الثانية إلى البيت تتهمش الأولى، لأن الثانية هي من تصبح العمود الفقري للبيت. الآن، تنام فاطمة في الغرفة التي منحتها إياها جادية الكرتي، إلى جانب 14 مغربية أخرى مصابات بالسرطان.
في هذا السياق تؤكد السوسيولوجية سومية نعمان كسوس، التي قضت أكثر من ثلاثة عقود في دراسة العلاقة بين الرجل والمرأة، أنه لا توجد هناك أرقام رسمية حول عدد النساء اللواتي هجرهن أزواجهن بسبب هذا المرض. لكن « هذه الحالات ليست قليلة، في إشارة إلى أنهن كثيرات. لذلك يمكن القول إن الأغنياء يتقبلون إصابة الزوجة بالمرض، لأنه لديهم الوسائل المالية للبحث عمن يساعدهم في أشغال البيت، لكن في أغلب الأسر، الزوجة هي العمود الفقري، لهذا لا ينظر بعين الرضا إلى مرضها بالسرطان. إذ يعتقدون أنه مع إصابتهن بالمرض يسقط البيت »، توضح كسوس.
هذا، وتشير كسوس إلى أن النساء أنفسهن غالبا ما يقللن من شأنهن عندما يرون أنفسهن بدون ثدي. « هذا التقليل الذاتي من شأنهن يزداد أكثر فأكثر عند الإصابة بسرطان الرحم، إذ يشعرن أنهن غير قادرات على إعطاء الحياة (الإنجاب). لقد قابلت العديد من النسوة اللواتي تم التخلي عنهن. لكن استئصال الرحم في حد ذاته ليس سببا مباشرا، بل الإحساس بأنهن أصبحن يعانين من تشوه، إلى درجة أنهن يرفضن أجسادهن وغالبا ما يرفضن أزواجهن، حتى لو تقبلوا مرضهن. ومنهن من رفضن معاشرة أزواجهن، وهناك من الأزواج من يخاف هذا الجسد الغريب عنهم، بل هناك من يقول عن زوجته: « لم تعد امرأة »، تؤكد كسوس، قبل أن تستدرك قائلة: « عندما تكون الأسرة ميسورة الحال ولديها كل الوسائل المادية لزيارة طبيب نفسي ينخفض الضغط. لكن ليس كل المغاربة متاحة لهم هذه الإمكانيات ».
محاولة تأقلم مع المرض
الأستاذ رجاء أغزادي، باحثة في السرطان ومؤسسة الجمعية المغربية لمكافحة سرطان الثدي، تؤكد أن هجر النساء المصابات بالسرطان يرتفع بشكل كبير وسط الفقراء وفي العالم القروي. « الآن، تراجع هذا الهجر، لأن الأورام المسرطنة تُشخص من قبل، والناس بدؤوا يعرفون أن السرطان يمكن أن يصيب به أي شخص، رغم أنه لازال هناك رجال يولون ظهورهم لزوجاتهم ». أغزادي تحذر قائلة: « ليس بالضرورة أن ينفصل الزوج عن الزوجة المصابة لنتحدث عن التخلي، بل هناك هجر أشد وأصعب والمتمثل في الاستمرار معا، لكن الزوج لا يقدم لها أي دعم نفسي وينفر منها ».
زوج مغربي فضل عدم ذكر اسمه أكد لنا أن زوجته استأصلت أحد ثدييها بسبب السرطان. « أجد صعوبة في الاقتراب من جسدها، لم أتقلم مع هذا الجسد الغريب »، يقول هذا الزوج، قبل أن يضيف: « لكن أفعل كل ما هو ممكن لكي أجعل زوجتي تقرأ في عيني أنني معجب بجسدها، بغض النظر عن الوضع الجديد، أعتقد أنني سأنجح في التأقلم مع الوضع الجديد ».
بتصرف عن « إلباييس »