كان وزيرا للعدل بين سنتي 1993 و1995. عاش عن قرب لحظات مهمة من تاريخ المغرب المعاصر، قبل أن يترك السياسة بشكل نهائي ويقرر التفرغ لتدريس القانون، الشغف الذي لم يفارقه يوما. يقضي كثيرا من وقته اليوم داخل مكتب بسيط جدا بمركز دراسات الدكتوراه، التابع لكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالرباط.
يجيب محمد الإدريسي العلمي المشيشي، في هذا الحوار، عن أسئلة تهم قضايا كثيرة، على رأسها الأحكام الثقيلة في حق معتقلي الريف، وحالة الاحتقان الاجتماعي التي يعيشها المغرب، وإصلاح منظومة العدالة، والأداء الحكومي الحالي. ويدلي برأيه، لأول مرة، في حملة المقاطعة المستمرة منذ أزيد من شهرين، قبل أن يعرّج على واقع الإعلام في المغرب، في ظل دعم آلة منظمة للتشهير بالأصوات المختلفة.
نبدأ حوارنا من آخر مستجد أثار الكثير من الجدل، وهو الحكم على نشطاء الريف بأزيد من 300 سنة سجنا نافذا، كيف تلقيتم هذا الخبر؟
أستغرب أن ينطلق حقوقيون في تقييم هذه الأحكام، ولا أعيب أحدا غير الحقوقيين على تسرعهم في ذلك. فكيفما كانت هذه الأحكام، هي بناء متكامل، مركب ومعقد، يشتمل على الوقائع وعلى المؤاخذات القانونية والمساطر المتبعة، والأبحاث والتقارير التي تواكبها، والدفوعات والمرافعات، والمناقشة التي يقيمها القضاء، ثم بعد ذلك يصل إلى النتيجة التي يراها ملائمة، فيقرر الإدانة أو البراءة، ويحدد العقوبة كما يتبين له من خلال الملف بكامله. أما أن يقف المرء عند العقوبة، كيفما كانت، حتى الإعدام، وبناء عليها فقط يقول إن الحكم قاس أو غير قاس، فذلك خطأ. إذ يجب الاطلاع على نص الحكم بكامله قبل استنتاج هل العقوبات قاسية أم لا.
بناء على ما قلتموه، كيف تقيّمون الحكم شخصيا؟
يستحيل أن أقيم الحكم في حد ذاته، لأن هذه النازلة معقدة جدا، اختلطت فيها عدة معطيات: الاجتماعي والإنساني والاقتصادي والسياسي والانتهازي والاستغلالي، حيث لا بد من الاطلاع الكامل على الحكم في حد ذاته، الذي ربما اشتمل على كافة هذه المعطيات، أو قد يكون قد غفل عن بعضها، أو أهمل بعضها عمدا. لذلك أقول إنه يصعب علينا القول إن الحكم قاسٍ أو غير قاس. لذلك أستغرب التعليق على الحكم مباشرة بعد صدوره، دون الإلمام بكافة تفاصيله.
عدد من الذين علّقوا على الأحكام كانوا يتابعون أطوار المحاكمة وحيثياتها، وتابعو الدفوعات والمناقشات وغيرها؟
حتى وإن اطلعوا على الدفوعات الشكلية والموضوعية، واطلعوا على المناقشات، لكنهم لم يطلعوا على حيثيات الحكم، أي التحليل والمناقشة الواردة من قبل القضاء قبل النطق بالعقوبة، وهو مهم جدا، لأن ما يعطي المصداقية والقانونية والصحة والسلامة والخلو من العيوب، هو مناقشة الوقائع والدفوعات وآراء النيابة العامة، وتحليل كل ذلك واستنتاج ما يراه القضاء هو الأصوب.
بعد صدور الأحكام، سجّلت حالة عارمة من السخط، حيث عبّر العديدون، من حساسيات مختلفة، عن صدمتهم من قسوتها، واعتبروها ليست في صالح الوطن للخروج من الاحتقان الاجتماعي الذي يعيشه خلال السنوات الأخيرة؟
لقد كنا في غنى عن هذا الحكم كله، بل وفي غنى عن المتابعات القضائية برمتها، لأن طرق المعارضة (الحراك) انطلقت بشكل لا غبار عليه، أي المطالبة بحقوق مشروعة، وصرخة ضد الحيف الاجتماعي، وهي لم تكن موجهة ضد جهة معينة، وإنما كان الناس يصرخون تألما مما يعيشونه، وهذا شيء مشروع. من أوجب الواجبات على المسؤولين في كل دول العالم الاستماع، باستمرار، ليس إلى صوت المجتمع، بل إلى نبض المجتمع. ومن الواجبات أيضا أن يتجاوب المسؤولون مع هذه الاحتجاجات بشكل مناسب، ولو تدريجيا، لأن لا أحد يملك عصا سحرية.
أنا متيقن أنه لو جرى الاستماع حقيقة إلى المحتجين، والاستجابة في الوقت المناسب، لما وصل الأمر إلى ما وصل إليه، ولما تسلل الانتهازيون والاستغلاليون وضخموا المشكل، بطريقة لم يعد معها التدخل ممكنا.
من تقصدون بالانتهازيين والاستغلاليين؟
لن أشير إلى جهة معينة. لقد كان هناك انتهازيون من كل الجهات، وهذا مؤسف جدا. قلتُ إننا كنا في غنى عن كل هذه المآسي. ما نعيشه الآن، في الواقع، هو استمرار للصرخات ضد الحيف الاجتماعي. شاهدنا الرد غير المناسب للسلطات، والآن تتويجا لكل هذا، نعيش رد فعل نراه غير مناسب من لدن القضاء، الذي كان هو أملنا الأخير. أنا لست ضد الحكم في حد ذاته بل ضد الوضع، أما الحكم فأرى أنه نتيجة عادية إذا ما نظرنا إلى كيف بدأ هذا المسلسل وتطور وانتهى. الإشكال كان في تدبير هذه الأزمة، وممارسة السياسة بمعناها الشامل، أي الاستماع إلى نبض المجتمع، والتفاعل معه، إما بالاستجابة أو التنبيه أو الرفض، المهم أن يشعر الإنسان بأنه غير مهمل.
ما هي السبل، في نظركم، لإحداث نوع من الانفراج، وطي صفحة هذا الاحتقان الذي يسود المغرب؟
لقد مضينا في هذا المسلسل، ولا يمكن التراجع عنه إلا بوسيلة العفو.
أنا أقصد الاحتقان الاجتماعي الموجود بعدد من المناطق، وليس فقط ملف «حراك الريف»؟
أنا بعيد حاليا عن الممارسة السياسية، ولا أعرف كيف يفكر حكّامنا، كل ما هنالك أنني أرى، كما يرى سائر المواطنين، النتيجة التي تظهر، إذ إن هناك تعثرات، وربما هذه التعثرات هي نتيجة لتصور الحكومة. بالفعل، نحن في ظل حكم ملكية دستورية، عريقة ومتجذرة، وتطورت دائما عبر قرون، في تفاعل مع الشعب، الذين نسميهم اليوم مواطنين بعدما كنا نسميهم رعايا. وعبر هذا التاريخ، كانت الحكومة عبارة عن وزير أو وزيرين ثم العمال، وعلى رأسهم الملك أو أمير المؤمنين أو السلطان، أما اليوم فالحكومة هي مجموعة هجينة مع كامل الآسف. أنا لا أقبل هذه التشكيلة الحكومية.
سنناقش الأداء الحكومي في محور آخر، ولكي نظل في محور حراك الحسيمة، أريد رأيك بشأن دعوة شخصيات وطنية مشهود لها بالحكمة والنزاهة إلى القيام بمبادرة من أجل تغليب صوت الحكمة والإفراج على كافة المعتقلين السياسيين. هل أنت على استعداد للانخراط في مبادرة من هذا النوع؟
أنا أصغر من هذا. لو توصلت بأمر، فلن أتخلى أبدا عما فيه مصلحة الوطن. الفكرة في حد ذاتها جيدة، المشكل يكمن فقط في تحديد من هم هؤلاء الحكماء. فلا بد للحكيم أن يكون نزيها، مستقيما، قدوة في أخلاقه وممارساته وأعماله اليومية وعطاءاته. أرى أن هذا النموذج من الحكماء أصبح عملة نادرة في المغرب، فمن تثق به أنت أنا لا أثق به، ومن نثق فيه معا لا يثق به شخص آخر، والإجماع يكاد يكون مستحيلا حول اسمين أو ثلاثة أسماء أو أكثر، هنا يكمن المشكل، أما الفكرة في حد ذاتها أراها جيدة ومعقولة ومقبولة.
أنا متأكد أنه لو طرق متزعمو مبادرة مماثلة باب جلالة الملك، سيفاجؤون كثيرا بطريقة استماعه إليهم، ورد الفعل التلقائي الذي سوف يصدر عنه، وهو الرد الذي أكاد أجزم بأنه لن يكون إلا إيجابيا لمصلحة البلاد. أنا أعرف هذا الأمر جيدا، لأنني عندما كنت مسؤولا حكوميا وعايشت ملفات لم تصل إلى هذه السخونة (مقارنة بحراك الريف)، لكن كان بالإمكان أن تصل إلى الدرجة نفسها، واستطعت بمفردي أن أقنع جلالة الملك المرحوم الحسن الثاني، وما أدراك ما عقلية الحسن الثاني، في بضع دقائق، واستجاب لطلب المواطنين مباشرة ودون تردد.
أنتم تتوقعون إذن أن يصدر عفو ملكي عن معتقلي الريف؟
أتمنى ذلك. فالعفو ليس قرارا اعتباطيا، بل هو صلاحية دستورية توجد في كل الدول، وله حيثيات وظروف. لا يمكن أن يأتي العفو هكذا دون اطلاع حقيقي وعميق على الملف ودراسة مدى استحقاقه العفو، وهذا ما أتمنى أن تبلغه لجنة من الحكماء -إن وجدت يوما ما- لجلالة الملك، حتى يكون رد فعله في هذا الاتجاه.
الحكومة السابقة فتحت ورشا كبيرا، هو إصلاح منظومة العدالة، وسطرت الكثير من الأهداف في ميثاق هذا الإصلاح. كيف تقيمون هذه التجربة؟
إصلاح العدالة في المغرب لم يبدأ اليوم، بل منذ فجر الاستقلال. كل ما هنالك أننا عاينا مبادرات تشريعية سليمة، كقانون الحريات العامة، وقانون المسطرة الجنائية والتنظيم القضائي، لكن، بعد ذلك، وبالضبط في بداية السبعينيات، بدأت التراجعات. لقد أصاب العدالة «فيروس»، كما أصاب سائر الحقول، ولا أقصد بالفيروس هنا الفساد، بل ضعف الكفاءة والقدرة والثقافة والحكمة، حيث استمر الوضع سنين طويلة، ولما اقتنع المشرع بضرورة الإصلاح، جاءت مبادرة الحكومة السابقة. وكانت، في حد ذاتها، مبادرة مهمة جدا، حيث التف حولها المهتمون بقضية العدالة، واستمرت النقاشات سنتين تقريبا، وكانت معمقة، بل في بعض الأحيان كانت حاسمة وحادة، إذ كنا نخاف مرارا أن تتوقف هذه النقاشات، التي انتهت بصدور وثائق لا عيب فيها.
الآن بعد 40 أو 50 سنة من التراجع، التراكمات أصبحت جبالا، حيث إن تحقيق الأهداف التي جاء بها ميثاق إصلاح منظومة العدالة يتطلب وقتا طويلا. إلا أنني متفائل، لأن أكبر غول كان يعترض العدالة هو استقلالية القضاء وفصله عن السلطة الحكومية. ولن أفتخر بمطالبتي بهذا الأمر منذ 40 سنة. وعلى أي حال، فقد جاء فصل صريح في الدستور يعتبر القضاء سلطة، وهذا لم يكن واردا أبدا، بل لا يوجد حتى في أرقى الدول. فحينما يعتبر المشرع الدستوري القضاء سلطة، يعني ذلك أنه في مرتبة السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، وهذا شيء نادر. النقطة الثانية المهمة جدا، هي فصل النيابة العامة عن السلطة الحكومية، وثقوا بي إذا قلت لكم إن هذا الموضوع كان أصعب موضوع ناقشته هيئة إصلاح منظومة العدالة، وتوصلت في النهاية إلى إقرار هذا المبدأ. الموضوع لم ينتهِ بعد، حيث بقيت هناك ارتدادات.
النقاشات مستمرة إلى يومنا هذا، فكيف ترون أنتم هذه التجربة؟
أود أن أقول لرافضي هذا المبدأ أن يطلعوا بهدوء على الصلاحيات التي خولها القانون، وليس اعتباطيا أو تحكميا، لوزير العدل، الذي هو عضو بالحكومة، فكيف يعقل أن يسمح القانون لوزير العدل بالتدخل في تعيين قضاة أو محاكمتهم، أو تحريك متابعة قضائية أو غيرها. هذا شيء لا يعقل. إذ إن الوسيلة الوحيدة للخروج من هذا الوضع، هي أن تتمتع النيابة العامة بسلطة مماثلة لسلطة القضاء. ليس كل الناس يعرفون أن النيابة العامة هي كالقضاء، عليها كل واجبات القاضي، وإذا كانت تخطأ فالكل يخطئ، غير أن الخطأ الحقيقي هو الذي لا يُصَحح، أما الآن من الممكن جدا أن تخطأ النيابة العامة وأن تصحح أخطاءها، وإن لم تفعل ذلك بشكل تلقائي، فهناك الكثير ممن يحرسونها ويتربصون بها، وسيجبرونها على ذلك، وفي مقدمتهم الإعلام.
قبل أسابيع قليلة قدمت النيابة العامة حصيلتها، كيف تقيمون هذه الحصيلة؟
يجب ألا ننسى أن مدة هذه الحصيلة قصيرة جدا، إذ إن النيابة العامة لم تنصب إلا منذ حوالي 3 أشهر فقط، وبالتالي، فإن التقرير الذي أصدرته لا يمكن أن يكون تقريرا حقيقيا عن عمل النيابة العامة لسنة كاملة. وكل ما كان بإمكانها فعله في المدة المشار لها (3 أشهر)، هو أن ترسي قواعد بناياتها أو أن تسمي قضاتها. مع ذلك جاء في التقرير كل هذا، بالإضافة إلى نقط يمكن للحقوقيين والإعلاميين مناقشتها، وهو أمر إيجابي، وعلى رأسها الاعتقال الاحتياطي.
لحد الساعة، النيابة العامة تسير بخطى بطيئة في نظر البعض لكنها واثقة، لنلاحظ، على الأقل، رد فعلها بشأن إلقاء القبض على الأشخاص الذين ارتكبوا مخالفات السير في إطار الإكراه البدني. كان تفاعلها رائعا وممتازا.
النقاش المطروح حاليا هو خروج النيابة العامة من دائرة محاسبة الحكومة، التي تخضع بدورها لمحاسبة البرلمان. أمام هذا الوضع، من هي الجهة التي يجب أن تكون لها صلاحية محاسبة النيابة العامة؟
هذا من الجياد التي يركبها معارضو فصل النيابة العامة. يقولون إن النيابة العامة كانت تحت سلطة وزير العدل، واليوم هي منفلتة من أي محاسبة. من يحاسب البرلمان إذن؟ السؤال نفسه يمكن طرحه على المؤسسة التشريعية.
(مقاطعا) البرلمان يحاسبه ربما الناخبون، عن طريق التصويت العقابي ضد النواب الذين لا يقومون بعملهم على أكمل وجه؟
طيب، وبالنسبة إلى النيابة العامة، ألا يحاسبها الإعلام؟ ألا يحاسبها المواطنون المتضررون على الأقل، ألا يسمع صوت نهائيا؟ وإلى من يرفع هذا الصوت؟ يرفع إلى الجهات المسؤولة في الدولة: الحكومة والبرلمان، وإذا تبين أن هناك زيغا، بالإمكان متابعتها قضائيا، أما أن يتوجه رئيس النيابة العامة إلى البرلمان، فهو ليس مسؤولا سياسيا، بل هو مسؤول تقني. زد على ذلك أن هذا النقاش الآن فارغ من كل محتوى، لأن المحكمة الدستورية حسمت الموضوع، والكل يعرف أن قرارات المحكمة الدستورية لا معقب عليها. من يريد تغيير الوضع فليغير القانون.
كيف تقيمون حصيلة حكومة سعد الدين العثماني بشكل عام؟
المغرب حاليا في غليان، فالمغربي العادي لم يعد يقنع بما كان يقنع به في 20 أو 30 سنة من قبل، حيث أصبح واعيا بحقوقه. الإشكال الحقيقي هو أنه لا أحد قام بتوعيته بواجباته، حيث يصب كل تحركاته باتجاه المطالبة بالحقوق. وإذا استجابت الحكومة لبعض هذه الحقوق، ونحن اقتربنا حاليا من 40 مليون نسمة، فلن يمكنها الاستجابة لباقي هذه المطالب، لتظل الفئات الأخرى تحتج وتصرخ.
هذا بالضبط ما نعيشه اليوم، فقد عشنا ذلك في الحسيمة، ثم جرادة، وكانت هناك فلتات في تنغير وصفرو وأمكنة متعددة. هناك احتقان، ربما قد يتفجر في جهات محددة، وهو قريب من الانفجار في جهات أخرى، لذلك، لا بد من مراجعة تصور الحكومة، وصياغة برنامج يقتنع به المواطنون.
طيب، المغرب دولة تبحث عن نفسها، كما قلتم، غير أن الملاحظ هو أن سنة 2011 حملت شيئا من التقدم على مستويات كثيرة، مقارنة بالوضع الحالي، الذي يجمع كثيرون على أنه يشهد تراجعات؟
بعض المجالات تشهد تراجعات، وهناك أخرى لا تشهد ذلك، وهنا ألح، مرة أخرى، على أن ما حدث خلال 2011 يؤكد أن الملوك كانوا دائما في الاستماع ويتفاعلون مع المطالب. يبقى من الضروري أن تساير المؤسسات والهيئات هذه القاطرة، إذ لا يمكن أن تمضي هذه القاطرة من تلقاء نفسها. هذه المؤسسات لا تساير هذا التجاوب، وأول نتيجة لذلك هي الانتخابات الأخيرة التي شهدت تشتتا في المشهد، وغياب الانسجام. مأساتنا أن المغرب لم يجدد تلك النخبة السياسية التي كانت نموذجا خلال الخمسينيات وحتى الستينيات، سواء المعارضة أو الأغلبية، حيث كان مستواها عاليا جدا، وكانت تعشق المغرب. الآن هناك «حب ديال الزاز»، هذا كل ما في الأمر.
لكن المسؤولين عن هذا «الاحتكار» هم الذين يفرضون هذا الوضع، أي تجميد مجلس المنافسة؟
لذلك، ستجبرهم المقاطعة، رغم أنوفهم، على أن يرجعوا إما إلى مجلس المنافسة أو إلى تنظيم محكم للسوق الاقتصادي. دون هذا سوف ينتهون.
المقاطعة كانت، بالنسبة إلى كثيرين، صرخة ضد الجمع بين الثروة والسلطة. كيف ترون ذلك؟
الجمع بينهما، بطبيعة الحال، غير مقبول. السلطة وحدها تفسد، والمال كذلك يفسد، أما إذا تزوج المال والسلطة، فلا بقاء لكل من هو خارج نفوذ المال والسلطة. هذه حقيقة واقعية، ورحم الله ابن خلدون، الذي أشار إلى ذلك منذ قرون. فالتاجر الصغير يخاف أن يدخل في منافسة مع المنتج أو التاجر القوي. أنا سعيد بهذه الحملة، لأنني أؤمن بأنها سوف تؤتي أكلها، بل النتائج بدأت تظهر، وخروج المدير العام لشركة «دانون» الفرنسية دليل على ذلك. إذ لم يسبق لنا أن رأينا مقاولة تحاول إشراك المستهلكين في تحديد السعر. هذا مكسب كبير، والأمر يشبه قطع الدومينو، عندما تقع الأولى تتبعها الأخرى.
هل تتوقعون أن تنتقل المقاطعة إلى ميادين أخرى؟
يجب أن تكون منظمة ووطنية. للأسف، المقاطعة لحد الساعة ليست منظمة، وأخاف كثيرا أن تتسلل إليها جرثومة الفساد التي تسللت إلى غيرها من الحركات. أحيانا المظاهرات تكون سلمية وجميلة، وفجأة تتحول إلى خراب. كذلك يمكن أن تشهد المقاطعة الأمر نفسه.
في مرحلة من المراحل كنتم ضمن لجنة معنية بأخلاقيات مهنة الصحافة. اليوم هناك أسئلة حارقة تواجه هذه الأخلاقيات، بسبب انتشار صحافة التشهير بشكل منظم، كيف تتابعون هذه التطورات في المشهد الإعلامي؟
أصاب الإعلام بالمغرب ما أصاب غيره، أي «الجراثيم». أكاد أشبه بلادنا، كلها، بأرض زراعية خصبة، لكنها أهمِلت إلى أن نبتت فيها الأعشاب الضارة، وتكاثرت إلى درجة تكاد تفسد الثمار التي نعيش منها. هذا بالضبط ما أصاب كل المرافق، بما فيها الإعلام. فقد تغيرت قيم الناس، فبعدما كانت قيمهم سامية وغير مادية، أضحت المادة اليوم على رأس تلك القيم.
ما يسهم في انتشار ذلك وجود سوق واسعة، فيها كل الأنماط، وهذا النوع من الإعلاميين الذين أشرتم إليهم، يجدون كسبهم وسط هذه السوق. هناك طلب، للآسف، على هذا النوع من «الصحافة»، لذلك، سيزدهر هذا الإعلام. الحل الوحيد هو تربية المواطنين على القيم الحقيقية، والأخلاق الفاضلة، فلو كان الشعب لا يهتم بإعلام من هذا النوع، فإنه سيندثر من تلقاء ذاته.
أما الآن «فهدشي لي عطا الله»، هناك من يريد التشهير، وهناك من يريد الأحاسيس، ومن يريد التجارة… هناك زبناء موجودون، لديهم وسائطهم الإعلامية التي تخدم مصالحهم.
الإشكال الحقيقي هو أن هذه المواقع المعروفة بخرقها، بشكل يومي، أبرز أخلاقيات المهنة، تحظى بدعم من الحكومة، عن طريق الدعم العمومي، ومنحها بطائق ممارسة المهنة، كيف ترون ذلك؟
ستعجبون إذا قلت لكم إنني كنت من أبرز معارضي الدعم وقت صدوره أول مرة في بداية الثمانينيات. فمن يعطيك يملكك. في المغرب كانت هناك جرائد رائعة، بل خالدة، واليوم أصبحت هامشية جدا، مع كامل الآسف. هذه الجرائد ناضلت من أجل الاستقلال ومن أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكنها لم تحصل على أي دعم يوما. وكان الناس يتسابقون على شرائها. وهذا لا ينطبق فقط على الدعم المخصص للإعلام، بل كذلك الدعم الموجه للأحزاب. وإذا كان لا بد لنا من هذا الدعم، فعلى الحكومة مراقبة سبل صرفه بشكل دقيق. فحينما تدعم مؤسسة أوروبية مشروعا ما، تصبح وكأنها منفذ المشروع، حيث تراقب كل صغيرة وكبيرة، لكن الدعم يقدم في المغرب من أجل إسكات الأصوات فقط.
قلتم في تصريح سابق إن العلاقة بين الإعلام والقضاء كان يسودها دائما الغموض والتوتر. ما الذي جعلكم تخرجون بهذه الخلاصة؟
المسألة بسيطة، فالقاضي الحقيقي يلتزم بالقانون الجاري به العمل وحده، وينطق بهذا القانون وحده، ولا يهمه شيء آخر غير ضميره، وبالتالي، لو كان هذا القانون جائرا ومتعسفا، فليس للقاضي شأن بذلك، إذ إن المطلوب منه هو تنفيذ القانون، فيما الصحافي لا ينظر إلى القانون في حد ذاته، بل يطالب بتصحيحه وتعديله لو كان يعتبره جائرا. وفي هذا الإطار، يظن أحيانا أن القاضي يمكن أن يسايره، وهو شيء غير يمكن، ربما يتأثر القاضي، لأنه إنسان، لكنه لا يخضع لما يقوله الإعلام أو ما تقوله جهة سياسية…
هناك حاليا قضيتان معروضتان أمام القضاء لصحافييْن؛ الأول هو توفيق بوعشرين، مؤسس «أخبار اليوم»، والثاني هو حميد المهداوي، مدير موقع «بديل». الكثير من الشخصيات المشهود لها بالنزاهة تذهب إلى أن المحاكمتين سياسيتان، بسبب الآراء الخاصة لكل من بوعشرين والمهداوي. كيف ترون أنتم ذلك؟
من المبادئ التي أومن بها، ألا أعلق أو أحلل أو أناقش نازلة معروضة أمام القضاء. الشيء الوحيد الذي يمكن أن أقوله بشكل واضح هو أن سي بوعشرين وسي المهداوي بريئان إلى أن يدينهما القضاء بشكل نهائي. آنذاك يمكننا أن نعلق أو نحلل القضية.