الرجل الذي عاش ثائرا متمردا، وظلت قضيته بعد اغتياله بسنوات لغزا محيرا، إذ لا يكاد يخبو إلا ليعود إلى الواجهة من جديد بسؤال يطرح دون إجابات: أين بنبركة؟
ولد المهدي بنبركة سنة 1920 في مدينة الرباط وسط أسرة بسيطة، ولج عالم الدراسة في سن التاسعة، لكنه عرف بنبوغه وتفوقه الدراسي، وحصل على بكالوريا أولى عام 1938، قبل حصوله على بكالوريا ثانية في العلوم الرياضية سنة 1939.
كان بنبركة يرغب في استكمال دراسته في باريس، غير أن اندلاع الحرب العالمية الثانية لم يسعفه لتحقيق طموحه، فاضطر إلى الانتقال إلى الجزائر، حيث حصل على الإجازة في العلوم الرياضية، الشيء الذي أهله للاشتغال مدرسا في المدرسة المولوية، وكان ولي العهد آنذاك، مولاي الحسن، أحد تلاميذه في مادة الرياضيات.
وعلى غرار الشباب المغربي التواق حينها إلى الاستقلال، وقع بنبركة على وثيقة المطالبة بالاستقلال سنة 1944 وعمره لم يتجاوز 24 ربيعا. صال وجال في عدد من المدن المغربية للحشد والتوعية بخصوص الوثيقة، ليطلق شرارة المطالبة بالاستقلال، ما دفع الاحتلال الفرنسي إلى اعتقاله سنة 1951، وجرى نفيه إلى الصحراء جنوب البلاد، وبقي هناك حتى عام 1954. بعد الإفراج عنه، نشط بنبركة في العمل السياسي، وكان من بين المدافعين عن عودة الملك محمد الخامس الذي كان في المنفى.
وبعد عودة الملك من المنفى، عين بنبركة على رأس أول تجربة برلمانية، يتعلق الأمر بالمجلس الوطني الاستشاري سنة 1956، عاما بعد ذلك أطلق بنبركة مشروعا سمي بطريق الوحدة، والذي قال عنه إنه مشروع سيربط الشمال بالجنوب.
سنة 1959 كانت حاسمة في المسار السياسي للرجل اليساري، حيث اجتمع برفقائه في النضال، بينهم عبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمان اليوسفي والفقيه البصري، ليعلنوا انشقاقهم عن حزب الاستقلال بسبب المخاض الذي كان يعيشه الحزب حينها، وأسسوا حزبا جديدا أطلقوا عليه اسم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، والذي عرف آنذاك بسياسته المناوئة لحكم الملك.
الغليان السياسي الذي شهده المغرب حينها دفع بنبركة إلى مغادرة المغرب عبر التوجه نحو الجزائر، حيث اجتمع بالزعيم الثوري تشي غيفارا، ثم انتقل إلى مصر قبل التوجه إلى باريس محطته الأخيرة في هذه الحياة.
ففي أحد صباحات شهر أكتوبر من عام 65، كان المهدي على موعد مع مخرج سينمائي فرنسي أمام مطعم في شارع «سان جيرمان» بقلب العاصمة الفرنسية، وذلك استعدادا لإعداد فيلم حول حركات التحرر، قبل أن يصبح هو نفسه قصة فيلم حقيقية بنهاية درامية، حيث اعترض طريقه رجلا شرطة فرنسيان، واقتاداه إلى مكان ظل مجهولا إلى حدود اليوم، ليبقى لغز المهدي بنبركة من بين أكثر ألغاز الاغتيال غموضا.