البكاري: محاكمة بوعشرين دقت مسمارا في نعش «العدالة الانتقالية»

15/11/2018 - 15:42
البكاري: محاكمة بوعشرين دقت مسمارا في نعش «العدالة الانتقالية»

الاتجار في البشر…

منذ شروعي في كتابة عمود أسبوعي بـ »أخبار اليوم » تفاديت الحديث عن ملف مؤسسها الصحافي المقتدر توفيق بوعشرين، تفاديا لـ »شبهة »: الكتابة تحت الطلب، وطبعا كنت أعبر عن مواقفي في صفحتي الفيسبوكية أو في منابر أخرى، حتى أكون أكثر موضوعية، وأكثر تحررا من أي تعاقد معنوي. لكن بعد تلك الليلة الظلماء التي افتقد فيها العدل، أصبح من اللازم التحرر من هذا الاحتراس الذي كان 
بعض أصدقائي يرونه مبالغا..

لن أخوض في المقارنة بين صك اتهام بوعشرين و »الدلائل » التي قدمتها النيابة العامة للإثبات، والتي زكتها مرافعات محاميي المطالبات بـ »الحق المدني » من جهة، وبين ما بسطه دفاع بوعشرين وكلمته الختامية، وما رصده حقوقيون مشهود لهم بالكفاءة من خروقات مست الحق في المحاكمة العادلة، وبينت تهافت البناء القانوني والمسطري والواقعي لما تم توجيهه من تهم لبوعشرين.. لن أخوض في الأمر، لأن كل متتبع قد شكل قناعاته، وقد تبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود، أو تبين له الجار من المجرور، والفاعل من المفعول به (ها)..

وليست غايتي تبرئة الرجل أو إدانته، فلست رجل قانون، لكن قد يسعفني كأس « سقراط » حين لا تسعفني عبارة « حمورابي »، وبما أن مهندسي الملف أرادوها محاكمة للرجل أمام الرأي العام (الشوهة بدارجتنا)، فقد فشلوا في إقناع الناس في زمن الميديا المنفلتة من رقابة المطابخ، وأصبحت تهم الاتجار في البشر والتعويضات بـ »الملايين » مادة للتندر والسخرية في المواقع الاجتماعية. وقمة السريالية أن المهندسين أرادوها محاكمة علنية للرجل أمام الرأي العام، لكن في جلسات سرية.

شخصيا، لا أعرف سبب اللجوء إلى محاولة قتل الرجل رمزيا بذلك الملف، وكل ما يروج من تخمينات كدفاعه عن بنكيران في مرحلة ما، أو موقفه من البلوكاج، أو علاقته المتوترة بمن يتحكمون في مبنى « القيادة » ومبنى « البنك » الذي بجوارها، كل هذه الافتراضات غير مقنعة بالنسبة إلي، هي موجبة للتأديب حسب العرف المخزني، لكن منذ سنوات لم تعد ترقى للتتريك على النمط السلطاني ما قبل الاستعماري.. هناك لغز ما، هناك منطقة رمادية تحكمت في المادة الرمادية للسلطة، فأنتجت حكما متلبسا بعمى الألوان. هذه المحاكمة دقت مسمارا في نعش المرحومة « العدالة الانتقالية »، وعادت بنا القهقرى لنوعين من المحاكمة: المحاكمة الانتقائية والمحاكمة الانتقامية.

وللإنصاف، فالانتقائية لم تكن قصرا على من يقف وراء تحريك الملف والدعوى (بالمعنى الدارجي)، بل مست بعض الحداثويين، الذين سكتوا عن الخروقات التي مست الحق في المحاكمة العادلة، بزعم أن بوعشرين بوق « الخوانجية »،، وتركوا جانبا « روسو » و »راولز » وصرخة « إميل زولا »، وانصاعوا لبادي الرأي الذي يحركه عصاب: « سرو هاداك » أو « يشوف دابا اللحايا، فين غينفعوه ».

في اليوم نفسه الذي صدر الحكم على السيد توفيق بوعشرين، نشرت إحدى الجرائد اليومية خبرا عن إدانة مدير دار للأيتام اغتصب 12 بنتا قاصرا، بسنتين سجنا نافذة، طبعا فتلك الصغيرات لم يحظين بمحامين متطوعين يتسابقون للميكروفونات لكي « يحللوا » تعويضات « تطوعهم »، ولم يحظين بصحافة خواء بريس ووالو. كوم، التي لا تكتفي بمتابعة الصغيرة والكبيرة، بل تخلق الصغائر والكبائر.

طبعا، الصحافي ليس فوق القانون، ولكن ليس تحته كذلك، وحين تكثر الخروقات في محاكمته، فيصبح الخوف مضاعفا، لأنه يصبح خوفا على الحقيقة، وخوفا على المستقبل.. في كل المحاكمات ذات الصبغة السياسية التي انطلقت منذ بدء النقاش حول استقلالية النيابة العامة، كان القاسم المشترك، هو تطابق « تقديرات » المحكمة مع مرافعات « النيابة العامة »، واستنساخ النيابة العامة لما ورد في محاضر الفرقة الوطنية استنساخا يكاد يكون كربونيا.

كان مفاجئا أن يتحدث المحامي حاجي بعد الحكم عن علاقة مفترضة لتوفيق بوعشرين بالتنظيم العالمي للإخوان المسلمين (الذي انتقده توفيق بقسوة)، وأنه يخدم أجندات هذا التنظيم، فهل لم يجد المحامي بعدما فشلت خرجاته الإعلامية  سوى اختراع هذه التهمة لتبرير « الجريمة والعقاب »؟ كأنه يقول: من حق الدولة أن « تتكرفص » على العملاء، وكأننا في روما نيرون.. أو أن الرجل له مصادر خاصة، وبالتالي وجب عليه التبليغ عن جريمة المس بأمن الدولة، خصوصا وهو محامي الصحافي المهدوي المتابع بجريمة عدم التبليغ، وإلا فهو قذف وجبت معاقبته عليه، خصوصا وله سوابق في القذف في حق المحصنات اللواتي كان يدافع عنهن، فما كان يحكيه هو تشويه لهن في مجتمع ذكوري ، لكن في سبيل « تغراق الشقف » لبوعشرين لا يهم الدوس على كرامة وسمعة من « وكلنه » أو أرغمن على « توكيله ». بين المحاكمة الانتقامية والمحاكمة الانتقائية لا يسعنا سوى ترديد دعاء: اللهم لا نسألك رد القضاء، ولكن نسألك 
اللطف في أحكامه واستقلاليته.

شارك المقال