لا يجد المواطنون في مدينة طنجة أين يقدمون شكاويهم بشأن خطر الغبار الكثيف، الذي يتطاير في الهواء الطلق، ويلتصق بواجهات منازلهم وعلى الشرفات النوافذ وفوق السطوح، وفي مختلف فضاءات المدينة، الأمر الذي حول حياة قاطني القطب الحضري بعاصمة البوغاز إلى طقوس من المعاناة اليومية، خاصة في الأوقات الذي يكون الجو صحوا، ويتأخر فيها نزول التساقطات المطرية.
وأفادت مصادر جمعوية، أن بعض المناطق في طنجة أصبحت نقاطا بيئية سوداء بسبب الغبار الكثيف، كما هو الحال في منطقة مسنانة، المجاهدين، العزيب حاج قدور، بوخاف. وعزت المصادر انتشار الغبار الذي يلوث البيئة إلى ارتفاع حركية البناء والتعمير، وتزايد أشغال الحفر والصيانة في عدد من المشاريع العمومية، غير أن شركات الاستغلال لا تقوم باحترام الضوابط البيئية، حيث تتلكأ أوراش البناء مثلا، في رش المياه على الأرض للحيلولة دون تطاير شظايا الغبار.
وأفادت نفس المصادر، أن هذا المشكل كان سببا في إيداع شكايات في الموضوع لدى مكتب رئيس الجماعة الحصرية لطنجة، تدعوه إلى استعمال سلطته الرمزية، واختصاصاته القانونية من أجل إيجاد حل لملف التلوث الخطي للأتربة والغبار المتطاير في الهواء، والذي أكدت مصادر جمعوية تعنى بالبيئة أن جزئياته الدقيقة تسبب أمراض التنفس والحساس وأعراض مضرة بالصحة.
في هذا الصدد، اعتبر عبد العزيز الجناتي، رئيس مرصد حماية البيئة والمآثر التاريخية، أن تلوث الهواء في مدينة طنجة أصبح لغزا محيرا، لا يزال سكان المدينة يتساءلون عن أسبابه ومصادر انبعاثه، ناهيك عما يحتمله من أخطار على صحتهم، لكن في المقابل لم تسجل أية تدابير وإجراءات لردع هذه المخالفات، حيث يلاحظ دورية للشرطة البيئية تتجول في أرجاء المدينة، غير أنهم يكتفون بتحرير محاضر المعاينة، نظرا لافتقار الشرطة البيئية للتجهيزات اللازمة، وأيضا لوجود سلطة اختصاص أكبر لإنجاز التدخل لدى الدرك الملكي.
وأشار الجناتي في حديث مع « أحبار اليوم » إلى أن آخر تقرير حول التلوث في المغرب والذي صدر قبل خمس سنوات تقريبا، صنف مدينة طنجة في الرتب الثلاثة الأولى من حيث ارتفاع نسبة التلوث على المستوى الوطني، كما أن محطة قياس جودة الهواء كانت تسجل أرقاما كارثية قبل ثلاث سنوات، أما اليوم ومع التوسع السكاني والعمراني، وتطور الأنشطة الصناعية، وارتفاع الزوار، وتوسع حركية السير والجولان، كلها عوامل مسببة لرفع نسبة تلوث الهواء في المدينة.
هذا وعلى الرغم من زيادة محطة جديدة لقياس جودة الهواء في عاصمة البوغاز، والتي تم تثبيتها قرب مطار ابن بطوطة، غير بعيد عن المنطقة الصناعية الحرة، غير أن معطياتها لا تصل إلى الرأي العام المحلي، لاتخاذ التدابير الوقائية اللازمة.
من جهة أخرى، كشف الحسين خيدور، المندوب الجهوي لكتابة الدولة المكلفة بالبيئة، في اتصال هاتفي أجرته معه « أخبار اليوم »، عن قرب الإعلان عن نتائج دراسة وطنية شملت جميع جهات المملكة بما فيها جهة طنجة تطوان الحسيمة، مشيرا إلى أن كتابة الدولة تهيئ لتقديم خلاصاتها إلى الرأي العام في غضون الأسابيع الثلاثة المقبلة، مبديا تحفظه في الحديث عن عناصر ومحتويات نتائج الدراسة المشار إليها قبل الموعد المحدد للإعلان عنها.
غير أن الحسين خيدور أوضح أهداف الدراسة، مبرزا أنها رصدت المساحات القارة والمتحولة لتلوث الهواء في الشوارع والطرقات وأماكن وقوف السيارات، والمناطق الصناعية، لافتا إلى أن النتيجة الإيجابية للدراسة أظهرت أن رياح الشرقي التي تهب على المنطقة الشمالية تساعد على إبعاد التلوث من اليابسة وتلقي به إلى البحر، بعكس المدن الأخرى التي يظل التلوث حبيسا في الهواء.
وبخصوص ما إذا كانت المصالح المختصة تقوم ببث نشرات إنذارية لإخبار المواطنين، كشف الحسين خيدور في معرض كلامه، عن قرب الشروع في هذا الإجراء بعد تفعيل مرسوم تطبيقي متعلق بتحديد عتبات الإخبار وعتبات الإنذار، والتدابير الاستعجالية في مآل جودة الهواء، حيث سيصدر في أعقابه مرسوم عاملي لخلق مكتب رصد الهواء سيتم بموجبه بث نشرات حول حالة الهواء ونسب التلوث في الهواء، سيتم الإعلان عنها في لوحات إلكترونية بالأماكن العمومية.
وأشار المسؤول الجهوي لكتابة الدولة المكلفة بالبيئة، إلى أن مصالح الوزارة تقوم بالترتيبات التنظيمية مع الإدارة الترابية، لعقد ندوة صحافية سيعلن من خلالها عن نتائج الدراسة، مؤكدا على أن جميع التدابير المشار إليها تندرج في إطار توجه استراتيجي لتعزيز قدرات اللجنة الجهوية لرصد وتتبع جودة الهواء.