يتبادر إلى أذهان الكثيرين أن هذه الصراعات هي فقط، تلك التي تعود جذورها إلى مخرجات مؤتمر « الصومال » (20 غشت 1956)، التي نصت على أولوية الداخل على الخارج، وأولوية السياسي على العسكري، ما أدى إلى رفض الوفد الخارجي لهذه القرارات ونشوب صراع بين بنبلة وعبان رمضان. ولكن الحقيقة أن صراعات أخرى برزت، كذلك، على السطح بين الجناح العسكري للثورة والجناح السياسي؛ إذ كان على رأس حمَلة السلاح القادة ما يُعرفُون بالباءات الثلاثة (les trois B): كريم بلقاسم، وعبدالحفيظ بوصوف، والأخضر بنطوبال. وهو الصراع الذي أدى إلى اغتيال عبان رمضان، الذي كان على رأس السياسيين من طرف خصومه العسكريين. هذا الاغتيال كانت له نتائج عكسية إذ إن الصراع ازداد حدة؛ خصوصا بين قيادة الأركان العامة لجيش التحرير الوطني بقيادة هواري بومدين من جهة، والحكومة المؤقتة بقيادة عباس فرحات، ثم بعده بنيوسف بنخدة. وهذا الصراع هو الذي أفضى إلى ما يُعرف بأزمة صيف 1962؛ التي كادت تدخل الدولة المستقلة حديثا في حرب أهلية طويلة الأمد؛ وعلى حد تعبير الباحث الجزائري وأستاذ التاريخ بجامعة وهران رابح لونيسي: «كادت هذه الحرب الأهلية – التي كان فتيلها على وشك الاشتعال- أن تحول الجزائر إلى كونغو ثانية في إفريقيا، لولا تعقل بعض رجالات الحكومة المؤَقتة، وعلى رأسهم بنيوسف بنخدة».
بل إن الصراعات نشبت حتى بين السياسيين فيما بينهم، وما بين العسكريين فيما بينهم، كذلك. وهي الصراعات التي ألقت بظلالها على مسيرة الثورة المسلحة، خصوصا بين الباءات الثلاثة أنفسهم بعد تخلصهم من خصمهم، الزعيم السياسي عبان رمضان. فبقدر ما كان هؤلاء الثلاثة متحالفين ضد كل من يهدد نفوذهم داخل الثورة، خاصة من السياسيين، بقدر ما كان الصراع فيما بينهم يحتد كثيرا، لكن دون أن يتجرؤوا على المساس بمختلف التوازنات القائمة داخل مختلف أجهزة الثورة أو تهديد وحدتها ومسيرتها.
وقد بلغ الصراع بين الباءات الثلاثة مستويات قصوى عام 1959 داخل الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية بعد حادثة مقتل عميرة علاوة في القاهرة داخل مكتب رئيس الحكومة المؤقتة فرحات عباس، واتهام لمين دباغين لكل من فرحات عباس ورجل المخابرات القوي بوصوف باغتيال صديقه علاوة، الذي كان يتهم الحكومة المؤقتة بالعجز عن إيجاد الحلول للمشاكل العويصة التي كانت تعاني منها الثورة؛ فاستغل كريم بلقاسم هذه الأزمة ليسعى إلى إنشاء حكومة عسكرية يتولى قيادتها، بحكم أنه الوحيد الذي بقي من ضمن التاريخيين التسعة الذين أشعلوا فتيل الثورة.
كما عرفت الثورة، أيضا، صراعا من نوع آخر، سالت فيه الكثير من دماء الجزائريين الذين كانوا يؤمنون جميعهم بقضية استرجاع الاستقلال الوطني، ويتمثل في التقاتل بين كل من جبهة التحرير الوطني والحركة الوطنية الجزائرية بقيادة مصالي الحاج، وقد كان محمد حربي على حق عندما أطلق على هذا الصراع تسمية « حرب داخل حرب »، أي بمعنى حرب أهلية جزائرية داخل الثورة. كان لهذا الصراع تأثير كبير على تماسك قيادات الثورة، كما كان له تأثير أيضا، على الثورة في المهجر بفعل النفوذ الذي تحظى به الحركة المصالية بقيادة مصالي الحاج هناك، هذا دون إهمال تأثيراتها الوخيمة على الجزائر المستقلة، لأن إبعاد أنصار مصالي ومقتل العديد من إطاراتها قد أفقد الجزائر العديد من الكفاءات السياسية التي تمرست في النضال داخل حزب الشعب الجزائري ثم الحركة من أجل الانتصار للحريات الديمقراطية لمدة طويلة. ويمكن لنا أن نضيف إلى هذا العامل عاملا آخر، ربما، هو الذي أدى إلى ضعف الدولة الوطنية، وهو العامل المتمثل في استشهاد العديد من القادة الأوائل للثورة وتصفية البعض منهم بفعل الصراعات وطموحات البعض الذين التحقوا بالثورة فيما بعد، بالإضافة إلى إبعاد العديد من القادة الكبار والإطارات الذين وقفوا ضد تحالف بنبلة – بومدين أثناء أزمة صيف 1962، ويُعتقد أن هذه التصفيات والإقصاءات كانت أحد الأسباب في فشل عملية بناء الجزائر بعد استرجاع الاستقلال.