الدكتور أحمد كافي أستاذ التعليم العالي للدراسات الإسلامية الدار البيضاء
لم تكن النية معقودة على الكتابة في هذه المقولة، ولكن رجلا من المشتغلين بالفلسفة ضمني معه لقاء على الانفراد قرر فيها عندما وصلت المذاكرة إليها أمورا مألوفة. فعلقت عليه بأن سعي هؤلاء الذين أخذ بتفسيرهم للمقولة لا يعدو أن يكون وصافا، وليست هذه طريقة أهل الحكمة في البحث عن أغوار الكلام وجوهره ومأتاه.
قالت كتب التاريخ: إن أبا جعفر المنصور حدث مالكا بمكنون صدره، وقال له فيما قَالَ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ نفسه: لَمَّا حَجَّ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ دَعَانِي فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَحَادَثْتُهُ, وَسَأَلَنِي فَأَجَبْتُهُ, فَقَالَ: يا أبا عبد الله، لم يبق على وجه الأرض عالم غيري وغيرك. أما أنا فاشتغلت بالسياسة، وأما أنت فإِنِّي قَدْ عَزَمْتُ أَنْ آمُرَ بِكُتُبِكَ هَذِهِ الَّتِي وَضَعْتَهَا يَعْنِي الْمُوَطَّأَ فَتُنْسَخُ نُسَخًا, ثُمَّ أَبْعَثُ إِلَى كُلِّ مِصْرٍ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا بِنُسْخَةٍ, وَآمَرُهُمْ أَنْ يُعَلِّمُوا بِمَا فِيهَا لا يَتَعَدَّوْهُ إِلَى غَيْرِهِ, وَيَدَعُوا مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْعِلْمِ الْمُحْدَثِ، فَإِنِّي رَأَيْتُ أَصْلَ الْعِلْمِ رِوَايَةَ الْمَدِينَةِ وَعِلْمهمْ.
قَالَ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لا تَفْعَلْ هَذَا، فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ سَبَقَتْ إِلَيْهِمْ أَقَاوِيلُ، وَسَمَعُوا أَحَادِيثَ، وَرَوَوْا رِوَايَاتٍ، وَأَخَذَ كُلُّ قَوْمٍ بما سبق إليهم، وعملوا بِهِ. وَدَانُوا بِهِ مِنِ اخْتِلافِ النَّاسِ وَغَيْرِهِمْ، وإنَّ رَدَّهُمْ عَمَّا قَدِ اعْتَقَدُوهُ شَدِيدٌ، فَدَعِ الناس وما هم عليه، وما اختار كُلُّ أَهْلِ بَلَدٍ مِنْهُمْ لأنْفُسِهِم». فَقَالَ: لَعَمْرِي لَوْ طَاوَعْتَنِي عَلَى ذَلِكَ لأمَرْتُ بِهِ».
وهي مقولة موجودة فيما لا يحصى من الكتب، من مثل: الطبقات الكبرى لابن سعد، والمنتخب من ذيل المذيل لأبي جعفر الطبري، وسير أعلام النبلاء للإمام الذهبي، والانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء: ابن عبد البر…
أما كتب المالكية فقد أطبقوا على روايتها لأغراض شتى، منها: في بيان فضل مالك ومكانته.
المعجبون بالمقالة: وهي في نظرهم سديدة دالة على موقف مالك الصامد في عدم الاستجابة لولي الأمر، رغم صولته وعظيم مكانته في عرض خلافته وطولها. دالة على رحابة صدر الإمام وإيمانه بالاختلاف، وهو لا يجوز الحجر على الناس فيما اختاروه لأنفسهم مما أذاعه فيهم علماؤهم الذين ليسوا بالضرورة، موافقين لرأي مالك في فروع الشريعة. وإنك لتجده يبيح الشيء لا يقول بذلك الحكم غيره، وقد يمنعه ولا يرون منعه ذا اعتبار.
أ ـ ابن عبد البر: وجاهة مالك ومكانته
وقد أوردها ابن عبد البر في الانتقاء تحت عنوان: بَاب فِي رياسته وَوَجَاهَتِهِ فِي عِلْمِ الدِّينِ عِنْدَ الْعَامَّةِ وَالسَّلاطِينِ (الانتقاء).
فهي رواية يستشف منها مكانة مالك عن السلاطين فضلا عن عامة الناس، ولو لم تكن لمالك من المكانة والوجاهة عند الناس، ما اختاره لتلك المهمة التي حدثها عنها.
ب ـ ابن عبد البر: غاية الإنصاف
وعلق ثانية الحافظ ابن عبد البر على مقالة مالك، وأورها في فصل آخر عنون له بالقول: فَصْلٌ فِي الإنْصَافِ فِي الْعِلْمِ قَالَ أَبُو عُمَرَ: مِنْ بَرَكَةِ الْعِلْمِ وَآدَابِهِ الْإِنْصَافُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يُنْصِفْ لَمْ يَفْهَمْ وَلَمْ يَتَفَهَّمْ. وقد ذكر مقالات المنصفين، ولما عرج على مقالة مالك هذه، قال فيها: «وهذا غاية في الإنصاف لمن فهم» (جامع بيان العلم).
ج ـ ابن كثير: تمام العلم والإنصاف
وعدها في اختصار علوم الحديث، أنها من مالك رحمه الله تعالى قمة الإنصاف، وتمام العلم وكماله لديه، فقال معلقا على مقالة مالك: «وقد طلب المنصور من الإمام مالك أن يجمع الناس على كتابه، فلم يجبه إلى ذلك. وذلك من تمام علمه واتصافه بالإنصاف، وقال: إن الناس قد جمعوا واطلعوا على أشياء لم نطلع عليها» (الباعث الحثيث).