سقوط أرجوحة طنجة.. التحريات الأولية أبعدت شبهة المسؤولية التقصيرية وتحقيق النيابة العامة لا زال مفتوحا -روبرتاج

29 يوليو 2019 - 07:01

مرت أكثر من 72 ساعة على إعلان السلطات المحلية في ولاية طنجة، عن فتح النيابة العامة المختصة في المحكمة الابتدائية، تحقيقا في حادث سقوط أشخاص من “أرجوحة كهربائية” في حديقة للملاهي بمدينة طنجة، عشية يوم الأحد الماضي، غير أنه لغاية صباح الأربعاء الماضي، لم يعلن عن نتائجه، أو أنه لا يزال طي التكتم، في المقابل فتح “البارك الترفيهي” أبوابه أمام الزوار مساء أول أمس الثلاثاء، وذلك بعد يومين من إغلاقه المؤقت، لكن تم إلزام أصحاب البارك الترفيهي بعدم تشغيل الآلية المعلومة إلى حين الإعلان عن النتائج النهائية للتحقيق القضائي.

فما الذي حصل بالضبط مساء ذاك الأحد في حديقة الألعاب المسماة “WAFA EVEN PARK”؟ وما هي الأسباب الرئيسية للحادث؟ هل يتعلق الأمر بأعطال ميكانيكية فعلا أم بأخطاء بشرية؟ وهل تم فعلا تغليط الرأي العام بخصوص حقيقة الحادث؟ وهل تم التهويل في الحادث لدرجة أكبر من حجمه؟ ومن هي الجهات المستفيدة من ذلك؟. “أخبار اليوم” تنتقل إلى عين المكان، وتعيد تركيب القصة، بعد الاستماع لرواية شهود، وإدارة الشركة المسيرة لحديقة الألعاب، كما استقت أيضا تصريحا من مسؤولي الجماعة الحضرية، ومصادر أمنية مطلعة على سير التحقيق.

الأرجوحة لم تسقط أصلا

فجر أصحاب حديقة الألعاب مفاجئة كبيرة، مؤكدين أن الأرجوحة لم تسقط من الأصل، كما لم ينكسر أي جزء من مكوناتها كما تم الترويج لذلك عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إذ أوضح رشيد جلال، المسؤول عن تسيير حديقة الألعاب “وفا إيفن بارك”، في مقابلة مع “أخبار اليوم”، أول أمس الثلاثاء في مدينة طنجة، أن الحادث تم تضخيمه بشكل مبالغ، لدرجة تسريب إشاعات ومعطيات زائفة لا أساس لها من الصحة على أرض الواقع.

وأضاف رشيد جلال، الذي رافقناه للحديقة وقام بتشغيل الآلية أمام أنظار وسائل الإعلام، أن السبب الرئيسي للحادث هو أن أحد الركاب الكبار يبلغ من العمر حوالي (26 سنة)، خالف التوجيهات والإرشادات اللازم اتباعها أثناء ركوب الأرجوحة، بحيث قام بنزع الحاجز اليدوي لمكان جلوسه، وقفز للأرض عندما انخفضت سرعة حركتها ونزلت للأسفل، بعدما انتابته نوبة خوف جعلته يقدم على النزول بتلك الطريقة التي تنطوي على مخاطرة كبيرة، كما تسببت في هلع وسط ركاب آخرين شرعوا بدورهم يقفزون قبل أن تتوقف الآلية بشكل نهائي عن الحركة والدوران.

وعكس الرواية التي أدلى بها شاهد عيان كان برفقة أبنائه نهار الحادث، والذي التقته “أخبار اليوم” في مستشفى محمد الخامس يعيد أحد المصابين، صباح يوم الاثنين الماضي، من أنه عاين مستخدمي حديقة الألعاب يقومون بإصلاح أعطال تقنية في محرك الآلية المذكورة، قبل أن يتم تشغيلها مجددا دون أن يتم التحقق من ما إذا كانت في وضع تشغيلي جيد، نفى المسؤول عن حديقة الألعاب والذي كان مرفوقا بمستخدمين آخرين صحة هذا الكلام، مشددا على أنه لا يمكن لهم المخاطرة بسلامة وأرواح الأشخاص.

وأضاف المصدر نفسه، أنه في حال وقوع عطب تقني، فإن إدارة حديقة الألعاب تقوم بتوقيف الآلية عن الاشتغال في نفس اللحظة، ولا يتم التدخل لإصلاحها إلا صباح اليوم الموالي، حيث يكون فضاء الألعاب خاليا من الزوار، ثم يتم تشغيلها تجريبيا وهي فارغة عدة مرات، وبعد التأكد من صيانتها التامة يسمح باستعمالها من طرف العموم.

خلل “مجهول المصدر”

بعد ساعات قليلة من وقوع الحادث الذي خلف 20 جريحا بإصابات خفيفة في أغلبها، صدر بلاغ من سلطات ولاية جهة طنجة، عزا أسباب الحادث حسب الاستنتاجات الأولية إلى خلل طارئ طال أرجوحة دائرية (manège)، وكذا حالة الارتباك والتدافع بين ركاب الأرجوحة التي سجلت جراء ذلك، لكن التحقيق القضائي لم يفصح حتى اللحظة عن طبيعة “الخلل” الذي لا يزال يجهل مصدره، هل بفعل بشري أم شيئ آخر، كما أنه لم يؤكد ولم ينفي حتى اللحظة وجود خلل تقني بالآلية التي لا زالت موقوفة.

وتحولت لحظات استمتاع مئات الزوار بصخب وضوضاء الألعاب الترفيهية، عشية الأحد الماضي إلى لحظات ترقب وقلق، بعدما شاهدوا وصول أسطول سيارات الإسعاف لعين المكان تنقل بعض المصابين، ووصول تشكيلات مختلفة لقوات الأمن، ومسؤولين ترابيين وأمنيين من رتب مختلفة لمعاينة مكان الحادث.

وكشف مصدر طبي للجريدة، أن إدارة مستشفى محمد الخامس تلقت اتصالا من السلطات تدعوها لاستنفار الأطر الطبية والطواقم التمريضية في قسم المستعجلات، لاستقبال ضحايا حادث “سقوط أرجوحة ألعاب جماعية”، ثم بدأ وصول المصابين فرادى ومجموعات على متن سيارات الإسعاف، قبل أن يتضح في وقت لاحق أن إصابات معظمهم خفيفة ولا تدعو للقلق، باستثناء حالتين طال مكوثهم في المستشفى إثر تدخل جراحي، نتيجة تعرضهم لكسور متفاوتة في الرأس والأطراف.

ويعود جلال رشيد في حديثه مع “أخبار اليوم”، إلى أن حصيلة الحادث كانت خفيفة جدا وليست متناسبة إطلاقا مع الإشاعات التي تم الترويج لها، من قبيل “سقوط أرجوحة كهربائية”، مؤكدا أن حادثا من هذا النوع تكون له تكلفة بشرية مضاعفة في سلامة وأرواح الأشخاص، وبالتالي فإن الذي حصل هو سوء التواصل مع الرأي العام بعد وقوع الحادث.

رخصة وتأمينات متوفرة

في البحث عن الوضعية القانونية لمزاولة صاحب البارك الترفيهي لهذا النشاط، طرقت “أخبار اليوم” مقر الجماعة الحضرية لطنجة، لمعرفة ما إذا كان صاحبه يتوفر على رخصة قانونية للاستغلال التجاري، أم أنه يحتل الملك العام، فاتضح أن الرخصة مسلمة بعين المكان بناء على قرار رقم 2016/149 من رئيس المجلس الجماعي، وعمدة مدينة طنجة، البشير العبدلاوي، في شهر أبريل سنة 2016، وذلك بناء على أحكام القانون 89/30 المتعلق بالضرائب والحقوق والمساهمات، وبناء على القرار الجبائي عدد 36 الصادر في شهر فبراير 2008، وذلك لفائدة شركة “وفا إيفن بارك” التي تعود ملكيتها لمستثمر يدعى أبو الوفاء، من مدينة الدار البيضاء، قصد إقامة فضاء للألعاب.

كما أكد مسؤول من جماعة طنجة التمس عدم ذكر اسمه، أن دفتر تحملات استغلال حديقة الألعاب، ينص على أن أصحابها يقومون بافتحاص ذاتي لآلياتها ومعداتها، ووضع التأمين عن جميع الألعاب تحسبا لحوادث خطيرة، بحيث اطلعت “أخبار اليوم” على آخر نسخة من توصيل أداء واجبات التأمين لجميع الألعاب بما فيها لعبة “Twister”، التي كانت موضوع الجدل واللغط بسبب حادث سقوط أشخاص منها في ظروف غامضة.

وبحسب الوثائق التي اطلعت عليها الجريدة، فإن صاحب حديقة الألعاب أدى واجبات التأمين بتاريخ 3 يونيو الماضي، أي قبل شهر ونصف تقريبا، وهو موعد التجديد السنوي لعقد التأمين بحسب البيانات التي سلمها لنا صحاب البارك الترفيهي للاطلاع، وذلك إلى جانب نسخة من تقرير الخبير المعتمد لدى الشركة، وهو مكتب خبرة من مدينة مراكش، حيث قام بإجراء آخر خبرة سنوية على جميع آليات البارك بتاريخ 31 ماي الماضي، وسلمهم تقريرا تحت عدد 142/19 يؤكد من خلاله استيفاء جميع الآليات بما فيها الأرجوحة لشروط ومعايير السلامة.

كما أكد مصدر أمني مطلع على سير التحقيق القضائي، بأن التحريات الأولية المنجزة في محاضر الشرطة، أظهرت أن أصحاب حديقة الألعاب يتوفرون على جميع التراخيص القانونية للنشاط التجاري، وشواهد السلامة وعقود التأمين لكافة معدات وآليات الألعاب، مضيفا بأن نتائج الخبرة المضادة حول الآلية موضوع الحادث والتي لا زالت موقوفة رهن التحقيق، لم تظهر بعد، للحسم في وجود مسؤولية تقصيرية من عدمها.

من ناحية أخرى، تزامن وقوع الحادث مع وجود توتر صامت بين جماعة طنجة وإدارة الشركة المستغلة، حيث طالبت البلدية في وقت سابق بوقف الاستغلال، لكون النشاط المهني لم يعد ملائما لجوار محطة البراق ومحطة القطار المدينة، وبمحاذاة شوارع رئيسية لا توجد بها مراكن لوقوف السيارات، وهو ما يتسبب في اكتظاظ وازدحام يخنق حركة المرور بشكل رهيب، خاصة في فصل الصيف.

وتنص رخصة الاستغلال التي سلمتها الجماعة الحضرية لشركة الألعاب “وفا إيفن بارك” سنة 2016، في مادتها الرابعة، أنه على الشركة المرخص لها احترام القواعد والشروط العامة، وأنه من حق الجماعة فسخ العقد الذي يجمعها به، متى ما طالبتها بذلك، ويتعين حينئذ على صاحبه وقف الاستغلال وإخلاء الوعاء العقاري المتواجد في منطقة ذات قيمة عقارية غير بعيد عن كورنيش المدينة، وإرجاعه إلى أصحابه.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي