الإدريسي: دخلت المغرب بعد أن قضيت 18 سنة من اختيار العيش بعيدا

07 أغسطس 2019 - 18:20

من عمق شمال المغرب، ريف آيث ورياغل، إلى طنجة والجزائر وتونس، ثم العودة إلى المغرب: إلى جامعة محمد الخامس بالرباط، قبل أن تقوده غواية الحركة إلى كندا، نصحب الجامعي، الباحث في تاريخ الفكر السياسي في الإسلام، والدبلوماسي، علي الإدريسي، في عملية سبر أغوار ذاكرة متدفقة. في هذه الحلقات، يعيد الإدريسي بناء الأحداث، وتقييم مسارات أزمنة، واستخلاص الدروس. فـ«الحديث عن الزمن الذي عشناه وعايشنا أحداثه وظرفياته لا يعني استرجاعه، كما تسترجعه كاميرات التصوير، بل استحضارا لوقائع معينة كان لها تأثير إيجابي أو سلبي على الذات، وعلى المجتمع الذي ننتسب إليه». كل ذلك بعين ناقدة ذاتية-موضوعية، لعل في عملية التذكر تلك للزمن الذي مضى ما يفيد الأجيال الحالية واللاحقة.

من المعروف أن الخطابي كان مناصرا قويا لحرب التحرير الجزائرية، هل يتذكر الجزائريون ذلك؟

أطلقت الدولة الجزائرية غداة الاستقلال اسم الخطابي على شارع قصير يربط بين شارعي العربي بن مهيدي وديدوش مراد في وسط العاصمة الجزائرية؛ وأصحابهما من رموز حرب التحرير والاستقلال الكبار، وأطلقت في الوقت نفسه اسم محمد الخامس على شارع طويل ينطلق من النفق الجامعي وسط العاصمة. هذا كل ما كرّمت به الدولة الجزائرية الوليدة المواقف المغربية في حرب تحرير الجزائر، قبل أن تنفذ سياسة “مغرب الشعوب” للعقيد الهواري بومدين بطرد جزء كبير من الجالية المغربية المقيمة قانونيا بالجزائر، في أواخر سنة 1975.

رغم دوره الكبير في الثورة الجزائرية؟

على كل حال، فقد كان اسم عبد الكريم الخطابي مذكورا عند جيلين من الجزائريين: جيل قدماء المجندين الجزائريين في الحرب الفرنسية ضد طلاب الحرية والكرامة الوطنية بالريف في عشرينيات القرن العشرين، وجيل المناضلين الوطنيين وقدماء المتدربين من جنود وضباط جيش التحرير الجزائري، الذين تكونوا في مصر قبل حرب التحرير الجزائرية وأثناءها، بتوجيه من عبد الكريم الخطابي وبتنسيق مع الدولة المصرية، والإشراف المباشر للضابط المغربي الهاشمي الطود. وكان من بين أولئك المتدربين محمد بوخروبة، الشهير في حرب التحرير باسم الهواري بومدين المستعار، الذي لم يشر، أثناء حكمه للجزائر، إلى اسم الخطابي أبدا، أو محمد الخامس الذي آواه في الجهة الشرقية طيلة حرب تحرير الجزائر، حتى أن مجموعته التي سيطرت على الحكم بعد الاستقلال يطلق عليها الجزائريون صفة “مجموعة وجدة”، وآخرهم عبد العزير بوتفليقة. وغاب عن بومدين أي إشارة، ولو عرضا، إلى مواقف محمد الخامس من دعم حرب التحرير الجزائرية.

أما بعد المسيرة الخضراء في 1975، فقد أصبح تجنب ذكر المغرب، سلوكا رسميا وإعلاميا، إلا عندما يتعلق الأمر بما يُنظر إليه نظرة سلبية. وتبقى مذكرات الشيخ محمد خير الدين، سفير الحكومة الجزائرية المؤقتة في الرباط، وشاعر المغرب العربي، صاحب النشيد الوطني الجزائري مفدي زكرياء في محمد الخامس وفي المغرب، استثناء غير مرحب بهما في الإعلام الرسمي وشبه الرسمي.

لماذا لم ترجع من الجزائر إلى المغرب طواعية، ككثير من المغاربة، احتجاجا على طرد المغاربة بدون وجه حق؟

ذكرت في حلقة سابقة بأني لم أطرد من الجزائر في 1975 مع باقي المغاربة بفضل بعض التدخلات غير الحزبية، لأنني لم أكن منضويا تحت أي حزب أو تيار. لكني لم أبادر آنذاك إلى الالتحاق بالمغرب لأسباب كثيرة، أهمها: أنني كنت أعمل أستاذا بوزارة التربية الجزائرية، ومعيلا لأسرة في طور النشأة والنمو، وكانت بلا شك بحاجة إلى الاستقرار. وبما أنني لم أكن من بين مطرودي ضحايا “مغرب الشعوب”، فإن السلطات المغربية كان بإمكانها أن تنظر إلي بتوجس مخابراتي سيء. ما يمكن أن يجعلني غير مطمئن على الالتحاق بوظيفة مماثلة في المغرب، بل قد أتعرض إلى ما لا تحمد عقباه. خاصة أن إشارات كثيرة غير مطمئنة، تتعلق بنظرة المغرب الرسمي إلى مغاربة الجزائر، كانت تتسرب من القنصلية العامة بالجزائر، ومن السفارة. وسيتأكد لي ذلك الهاجس يوم زرت المغرب لاحقا. وسيأتي الحديث عنه في حينه. أما الأمر الآخر، فعلى الرغم من قلة اهتمامي بالنشاط الحزبي، فإن اهتماماتي بفكر محمد بن عبد الكريم الخطابي، وعلاقتي بأعضاء من أسرته، لم تكونا تخفيان على من يقوم برصد حركات وسكنات المغاربة، وما كان يشكله ذلك من تقارير دسمة للباحثين على الترقيات والامتيازات. كما أن من جملة الأسباب التي حالت دون عودتي للمغرب عقب طرد الجالية المغربية مباشرة هو انتسابي الجغرافي للريف. وما كان يصلني من معلومات عن استمرار معاملة المخزن للريفيين؛ بنظرة تحط منهم، فهم مجرد قراصنة (الحرب على بقيوة 1898)، أو ناشري الفتنة (وصف مقاومة الشريف أمزيان)، ومرورا بمرحلة عبد الكريم الخطابي الذي نُعت بالروغي الثائر على السلطان، واتهام الريف بالانفصال عن الإمبراطورية الشريفية، ثم انتفاضة الكرامة في الريف 1958 التي تكررت فيها تهمة الانفصال، ووصف الريفيين بعصيان ولي الأمر. ولم يكن خطاب 1984 الذي هدد ساكنة الشمال بالويل والثبور، ونعتهم بالأوباش والتهديد في الثمانينيات إلاّ استمرارا لما تقدمت الإشارة إليه.

ومتى قررت العودة إلى المغرب، وما الدواعي لذلك؟

إذا كانت المبادئ ثابتة، فإن القناعات تتغير وفقا للإدراكات؛ والإدراكات ترتبط من جانبها بالظرفيات وبالأزمنة الاجتماعية والثقافية، وبطرح أسئلة المصير؛ فالإنسان في مسيرته كـ”النهر في غربته يقطع الحدود، وإلى أصله يعود”، كما يقول الشاعر عبد الوهاب البياتي. ولذلك قررت زيارة المغرب قبيل أواسط الثمانينيات من القرن الماضي، دون تنسيق مع أي طرف، حرسا على أن أبقى محتفظا بإرادتي الحرة، وبقراري المستقل، وبعدم السماح لأي جهة أن توظف اسمي لخدمة أجندتها، أو لأكون أداة في تحقيق مصلحتها. وكان دخولي المغرب، بعد أن قضيت 18 سنة من اختيار العيش بعيدا. دخلت من مركز باب سبتة المحتلّة، لأني كنت قادما من أوروبا.

وكيف تم استقبالك في الحدود، وأنت تدخل أرض وطنك بعد غياب طويل؟

كانت حدوسي السابقة صادقة؛ فقد تم توقيفي من قبل شرطة الحدود، وتم اقتيادي إلى محافظة الشرطة بتطوان، البعيدة بأربعين كلم عن مركز حدود سبتة. وهناك قُذف بي في زنزانة مع مهربي المخدرات. وانتهزت، بعد يوم من الحجز، فرصة إخراجي من الزنزانة لبدء الاستنطاق فتجرأت على أن أسأل الشرطي، الذي قادني من القبو إلى الطابق الثاني حيث الاستنطاق، باستغراب مؤدّب: لماذا وُضِعت مع المهربين؛ فأجابني قائلا: “أنت بلا شك إنسان على نياتك، ولا تعلم أن الذي أمر بوضعك في هذه الزنزانة تعاطف معك حين وضعك مع المهربين، لكي يضمن لك عدم التعرض لسوء التغذية، لأن المهربين أثرياء. ويتسابق مسؤولو الأمن على خدمتهم، فينالك بعض حظ التغذية معهم. وكان الأمر كذلك، فقد تأكدت من ذلك بنفسي. بحيث لم أتعرض لسوء التغذية في محبسي طيلة حجزي في محافظة الشرطة بتطوان.

واكتشفت أثناء التحقيق أن من وراء توقيفي تقارير قنصلية من الجزائر. فقد عرض علي المحققون صورا لي لتأكيد هويتي، فعرفت وأدركت بأنها صور منسوخة من صوري التي كنت قد قدمتها للمصالح القنصلية في الجزائر، من أجل تجديد جواز سفري في وقت سابق.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي