فؤاد عبدالمومني – ناشط حقوقي وخبير اقتصادي
كيف يبدو لك المشهد اليوم بعد نشر ملفات ضخمة من طرف المجلس الأعلى للحسابات؟
أعتقد أن الصورة العامة الخاصة بوضعية تدبير المال العام في المغرب، ليست مريحة بالمرة، فالفساد الذي يطبعها بِنيوي وقديم ومستقر، وهذه حقائق لا يختلف عليها اثنان. اليوم، الدولة تقول عبر مؤسسة رسمية (المجلس الأعلى للحسابات) إن الوضع خطير، لكننا نباشر أعمالا لمعالجتها. لذلك هل ما تقوم به الدولة يبشر بمعالجة حقيقية لهذه الأمور؟ أم أن هذا تعبيرا عن إرادة وقوة ومثابرة وقبول لكلفة التغيير أم لا؟ إن الإقرار بواقع يكون أحيانا، جزء من العمل على استمراره وليس محاربته، فأي عمل كهذا الذي قام به المجلس، إما ينبني على التشخيص ووضع الأصبع على الداء، للدخول في المسار العلاجي العميق، وإما يؤدي إلى التطبيع معه، فاليوم، وكأننا نقول « هاذا هو المغرب، وهادو هوما المغاربة، هذا ما اعطى الله ».
أليس كل ما تم تداوله كاف لمحاسبة المتورطين وسلك الأسلوب الزجري في حقهم؟
أرى أن هذا هو الجزء الرئيس من المعالجة اللازمة لهذا الوضع، فكم الملفات المعنية بالفساد يجب أن تجر المتورطين فيها للمساءلة والمحاسبة، وطبعا إدانتهم بشكل رسمي، هذا هو بالضبط ما أشرت إليه بقبول أداء الكلفة، لأن القائمين على الشأن العام، وهؤلاء المتهمین بالإفساد فيه، هم أولائك الذين ينتمون إلى طبقة خاصة، ومنهم أولائك الذين اختارهم أو أوصى بهم المحيط الملكي، وبالتالي، فإن هذا المحيط يعتبر المغرب مِلكا لهم وبإمكانهم القيام بما يحلو لهم فيه، وحتى وإن حصل أن تورط أحد التابعين لهم في كارثة كما هو الواقع اليوم، ستتم التغطية عليهم وحمايتهم، ثم يمرون للاهتمام بمشاغل أخرى. للأسف لدينا مشاكل كثيرة تكمن في عدم توفرنا على إرادة التوجه نحو القيام بعملية « تسياق الدروج من الفوق ». كلنا نعلم أن أكبر الميزانيات يتصرف فيها الجيش والديوان الملكي، ثم بعد ذلك يأتي تصرف المؤسسات الأخرى. كلنا نعلم علم اليقين، وباقتناع تام، بأن كل هذه الأموال المهدرة، نحن في أمس الحاجة إليها، ومعرفة إلى أين تتوجه وكيف يتم التصرف فيها وإنفاقها. للأسف يتم الكشف عن بعض الخروقات أحيانا، ويتم التعامل معها بتشدد، وفي مواضيع أكبر وأهم وأضخم منها لا يحرك أي ساكن، إننا حقا كمن يشتكي من جرح بسيط في قدمه ولا يتحدث مطلقا عن السرطان المستشري في كل جسمه.
كيف تقيم عمل المجلس؟ وكيف يجب التعاطي مع كل ما كشفه؟
حتى أكون واضحا من الجيد أن لدينا المجلس الأعلى للحسابات، ومن الجيد أيضا أنه يقوم بمهام تفتيشية واستقصائية، إلا أن هناك مشاكل تتعلق بكفاءة قضاة المؤسسة، وأيضا في المواكبة الإعلامية والرأي العام، فنحن جميعا مازلنا في مرحلة تلمس الطريق نحو الفهم. لذلك، أعتقد أن هناك أخطاء كثيرة في التقارير الصادرة حتى الآن، ولكن مازال أمامنا حيز للتقدم. في نظري هناك مشكل آخر لا يمكن تغييبه، وهو ما نشهده من توظيف سياسي لنتائج التقارير، ليس من المعقول أن هناك تفشي الفساد في تدبير مشروع ما، ورغم ذاك اليقين يتم استثمار وقت ومجهود وأموال في سبيل التحقيق فيها، فقط للعودة بأسماء معينة تلصق بها الاتهامات الخاصة بتدبيرها، حتى يزاح اسم أو من الحكومة، وحتى يمنع آخر من التقلد بالمسؤولية مدى الحياة، وهو ما يعني أننا في هذا المشهد نستعمل مؤسسات حديثة، لتكريس المنطق العتيق، وهو أمر متعارض مع ما يجب القيام به، فالمؤسسات الحديثة يجب أن تشتغل في وضع تسوده الشفافية.