كيف تقيم علاقة الملكية بالأحزاب السياسية بعد دستور 2011؟ هل يحكمها الدستور، أم تحكمها آليات أخرى؟
بداية، تنبغي الإشارة إلى أن تاريخ الصراع بين الملك الراحل الحسن الثاني مع أحزاب الحركة الوطنية، التي كانت تنازعه السلطة وتطمح إلى اقتسامها، انتهت في نهاية حكم هذا الأخير لصالح المؤسسة الملكية، حيث كانت ضربته السياسية القاضية هي إدخال هذه الأحزاب في مصيدة ما سُمي بالتناوب التوافقي، التي جعلت هذه الأحزاب تقبل بتسهيل عملية انتقال العرش من خلال استجابتها للإشارة الملكية، بشأن السكتة القلبية، والقبول بالمشاركة في تدبير الجهاز الحكومي مع أحزاب كانت تنعتها بأحزاب الإدارة، والقبول بتزوير الانتخابات والتفريط في قسم من قواعدها وأطرها، وكذا القبول بالعمل مع وزراء سيادة، وعلى رأسهم وزير داخلية الملك الراحل إدريس البصري. ولعل هذا ما جعل الملك محمد السادس يجد وضعا حزبيا مدجنا سهل عليه إبعاد اليوسفي من الوزارة الأولى، متحللا، بذلك، من الالتزام السياسي بين والده وهذه الأحزاب التي ازدادت تهالكا نتيجة إكراهات التدبير الحكومي، مما أفقدها قاعدة كانت تتعاطف معها وتترك المجال لصعود حزب العدالة والتنمية، الذي اهتم نظام الملك محمد السادس بتحجيمه والحد من امتداده من خلال خلق حزب الأصالة والمعاصرة.
غير أن هذا الحزب ارتكب الخطأ السياسي عينه، الذي ارتكبه الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي بدل أن يستمد قوته التفاوضية من خلال المساهمة وقيادة الحراك الشعبي لـ 20 فبراير، فضل عقد صفقة سياسية مع النظام، حيث عكس دستور 2011 ميزان القوى الذي تقوى لصالح المؤسسة الملكية في محيط إقليمي كان في غير صالحها، وبالتالي، فإذا نص هذا الدستور على مؤسسة رئاسة الحكومة وتعيين الملك للحزب المتصدر للانتخابات على رأسها، فإنه انتزع من هذه المؤسسة كل سلطة حقيقية التي بقيت في يد الملك. خاصة بعدما تبنى أول رئيس الحكومة، بنكيران سياسة التقرب من الملك وكسب ثقته، بالإضافة إلى ضعف تجربته السياسية والتدبيرية، حولت هذه المؤسسة إلى حلقة تابعة للملك وأفقدت الحزب قاعدته الشعبية، خاصة بعد اتخاذ قرارات لاشعبية، ولعل هذا ما سهل على الملك أن يبعد الأمين العام للحزب المتصدر للانتخابات، وتعويضه بخلف له في ليّ سافر لمقتضيات الدستور.
ما هي أسباب فقدان الأحزاب لدورها السياسي وتراجع دورها في العديد من المحطات كالاحتجاجات، بعدما فشلت في دور الوساطة بين الشعب والملكية؟
يبدو أن الأحزاب، خاصة أحزاب الحركة الوطنية، التي قامت في البداية على تأطير الجماهير في بلورة مشروعها الوطني ومقاومة المستعمر من خلال خلق المدارس الحرة وتكوين الجمعيات الثقافية والتربوية، وكذا العمل على تأطير الفئات العمالية، تخلت عن هذا الدور بمجرد الحصول على الاستقلال لتستنفر كل جهودها للتنافس على السلطة، ما جعلها تبتعد عن تأطير الجماهير والاقتصار على تأطير النخب. وقد تسبب صراعها على السلطة في حصر نشاطها في الدفاع عن أطرها والاهتمام بالإفلات من قمع السلطة، الذي شل حركتها وحد من حريتها في العمل العلني والتقرب من الجماهير.
كما أن قبولها بقواعد اللعبة السياسية، التي حددها نظام الملك الراحل الحسن الثاني، من تزوير والقبول بحصتها من المقاعد الانتخابية جعلها تبتعد عن هموم الشرائح الشعبية ومواكبة مطالبها من خلال تجديد نخبها وخطابها، الذي أصبح لا يتوافق مع الأجيال الحالية.
ألا تعتقد بأن الزعماء السياسيين تقلص دورهم حين تعرض بعضهم لغضب الملك، هل يمكن اعتبار هذا مؤشرا على رغبة الملكية في استرجاع بعض من أدوارها في الحكم، ومن ثم أصبحت الأحزاب مجرد آلية انتخابية ليس إلا. ما الذي وقع بين هذه الأحزاب والملكية؟
من بين العوامل التي كانت وراء ضعف الأحزاب، خاصة أحزاب الحركة الوطنية، هي ارتكازها على زعامات خلدت في مناصبها القيادية، الشيء الذي جمّد دينامية هذه الأحزاب، حيث إنه بخلاف المؤسسة الملكية التي جددت من هرميتها لم يجد الملك الجديد سوى قيادات حزبية شائخة لا تواكب مستجدات المرحلة، ولا تساير الملك في توجهاته، مما جعل هذا الأخير، ينحو في الكثير من خطبه باللائمة عليها وينتقد سلوكياتها غير السوية وغير السليمة.
بعد حكومة الإسلاميين بنسختيها، ظهرت بوادر أزمة اجتماعية واحتقان سياسي. هل المشهد السياسي تراجع بسبب من يريد قتل الأحزاب، أم أن الأمر مرتبط بتفريط الأحزاب في دورها السياسي لصالح الملكية؟
لم تكن مرحلة تصدر حزب العدالة والتنمية إلا انعكاسا للضعف الكبير الذي أصاب الجسد الحزبي، والذي انعكس من خلال عدة مظاهر تمثلت في الخطاب الشعبوي، والتكالب على المكاسب وعدم الاهتمام إلا بالتسويق الانتخابي، حتى لو كان ذلك من خلال الاعتماد على الأعيان، مما أفقد الأحزاب قواعدها الشعبية، وكذا روح المبادرة السياسية حين اكتفت بالتماهي مع التوجهات الملكية، مما أدى إلى فشلها في احتواء حراكات شعبية، كحراك الحسيمة الذي رفض نشطاؤه القبول بوساطة هذه الأحزاب.
هل ضعف الأحزاب سيتلوه في اعتقادك هيمنة جديدة لسلطة الملك على المشهد السياسي، أم سنشهد دورا جديدا الأحزاب ووساطتها في المجتمع سيرغمها لا محالة على تجديد أساليب عملها؟
سيطرة الملكية طيلة العقود السابقة، خاصة بعدما قام الملك الراحل بتدجين النخب الحزبية، ترك لخلفه وضعا حزبيا بدون زخم سياسي أو معارضة قوية، الشيء الذي جعله في مواجهة مباشرة مع الشعب، مع ما يشكله ذلك من خطر على الملكية، ولعل الدعوة الملكية إلى بلورة نموذج تنموي جديد يهم ليس فقط، تكوين نخب اقتصادية فعالة، بل بالأساس بلورة نخب حزبية مبادرة تشكل وسائط ناجعة بين الملكية والشرائح الشعبية، وكذا قنوات لتأطير الأجيال الشابة الصاعدة.
*محمد شقير، الباحث في القانون الدستوري