خلص تقرير حول « حالة الزواج في العالم العربي« ، إلى أن الزواج في المغرب العربي مازال يشكل نمط التنظيمالسائد للحياة المشتركة بين الجنسين، بالرغم من تزايد نسب العزوبة، والعزوبة النهائية، وارتفاع معدلات الطلاق،وتكاثر الكتابات والتصريحات النقدية تجاه مؤسسة الزواج.
التقرير، الذي أعده معهد الدوحة الدولي للأسرة، أظهر بناء على أحد الأبحاث الميدانية المنجزة حول الأسرة فيالمغرب، ضمن فئة الأفراد من 40 سنة فأكثر، بأن عدد الخلايا المنزلية المكونة من فرد يعيش لوحده أكبر بين النساء منهبين الرجال.
وأفاد التقرير أن هذا المعطى يثبت الصعوبات التي تواجهها النساء المطلقات والأرامل اللائي ينتمين إلى هذه الفئةالعمرية للزواج من جديد، ويؤكد تراجع نمط الزواج، حيث يكون الهم الأساسي متمثلا في الحفاظ على عرض العائلةوحماية أعضائها الأكثر عرضة للهشاشة وانتهاك الكرامة.
ويعتبر التساكن مع الآباء أو الاستقلال في السكن من ضمن العوامل الأساسية المؤثرة في الحياة الزوجية، ويتضمنالاختيار الأول مجموعة من الإكراهات، بدءا من تقاسم المجال المنزلي، والاشتراك في تدبير الميزانية الأسَرية أو علىالأقل بعضها، والتدخل الجماعي في تربية الأطفال، وتقاسم المهام المنزلية على مستوى الأسرة الموسَّعة، وصعوبةالاستمتاع بالحميمية والحياة الخاصة. إلا أن خيار الانفصال عن سكن الآباء بتأسيس أسرة نووية مستقلة إلى حدما يندرج في نمط عيش أعضائها وقراراتها واختياراتها، وأصبح في الزمن الراهن سائدًا ومنتشرًا، إلا أنَّه ليسمتيسرًا لكل المتزوّجين من الأبناء والبنات.
وفي حالة المغرب أن أغلب حالات التساكن قائمة في الوسط الريفي أكثر منه في الوسط الحضري، وتتم مع آباءالأزواج أكثر مما تتم مع آباء الزوجات، وأن الانفصال السكني كثيرا، ما يكون مصاحبا بالقرب السكني، وذلك توخياللجمع بين استقلالية الحياة الأسرية وترك المجال ميسرا أمام التضامن عند الاقتضاء. ومثل هذا النزوع إلى التأليفبين تشكيل أسر نووية في مساكن مستقلة، مع الحفاظ على قرب المسافة من الآباء يمثل في الوسط الريفي ضعف ماهو عليه في الوسط الحضري. ولكن التساكن يتم، أيضا، مع أحد الأبوين عند وفاة أحدهما. وبما أن متوسط أملحياة الأمهات أعلى منه لدى الآباء، فإن مثل هذا التساكن يتم مع الأمهات أكثر مما يتحقق مع الآباء. إلا أن احتدادأزمة العمل وتقلص مداخيل الأبناء المتزوجين، وتفاقم أزمة السكن، تشكل أسبابا تدفع بعض الأبناء إلى الرجوع منجديد للتساكن مع الآباء. ويعفي مثل هذا الاختيار الأبناء من تكاليف السكن المستقل، ويكون الاشتراك فيالمصاريف اليومية في الأغلب أقل كلفة من فصلها، علاوة على ما قد يقوم به الآباء من رعاية للأطفال، وما قد يكونالآباء أنفسهم في حاجة إليه من سند ودعم متعدد الأشكال، فإن هذه العودة للتساكن مع الآباء لا تجد سوى ما يبررهاويسندها. وعندئذ لا نكون أمام عائلة ممتدة بالمعنى المتعارف عليه، أي مؤسسة تنمو بكيفية عادية وعفوية وطبيعية،وإنما إزاء عائلة ممتدة جديدة ناتجة عن ضغوط ظرفية اقتصادية واجتماعية محددة، وعن إرادة واختيار أعضائها.
ويكشف التقرير أن المجتمعات المغاربية تعرف تغيرا في القوانين تجاه مؤسسة الأسرة، وما سمّاه « السياساتالأسرية » المعتمدة. مؤكدا أن الأسرة قد تأثرت بالسياقات الاجتماعية على مستوى المعتقدات والقيم والتمثلات، وفيالوقت خضعت للقواعد القانونية، التي لم تلغ خصوصيات المجتمع ولا المرجعية الدينية التي تؤطرها. وأفاد التقرير أنمدونة الأسرة بالمغرب مثلت إحدى « الإجابات الشجاعة والملائمة » على التحديات التي طرحتها الأسرة آنذاك نتيجةللتحولات الثقافية والاقتصادية والسياسية التي عرفها المغرب منذ بداية الألفية الثالثة. ومن أهم تأثيرات المدونة فيالمواطنين المغاربة إزاء الزواج، أنها حسنت بشكل كبير العلاقة بين الزوجين التي أصبحت مبنية على قيم المساواة،واحترام مكانة المرأة والأسرة بصفة عامة. وقد كان لهذا الأمر أثر مباشر على الأدوار ومستويات الرعاية داخلالأسرة، في مقابل التصور التقليدي القائم على الحضور المركزي للرجل دونما اعتبار للزوجة أو لمكانتها. فمع المدونة،يفيد التقرير، أضحت المسؤوليات مشتركة، واتضح التراجع الكبير للتمثلات التقليدية، لصالح معايير جديدة مبنيةعلى المساواة، بحيث أن الزوجين أضحيا مسؤولين معا عن كل ما يتعلق بالأسرة، وانخرطت فئات عريضة من النساءفي تسيير شؤون أسرهن وتحمل أعباء الإنفاق عليها عند عجز الرجل، واتخاذ القرارات المتعلقة بها.