«حدو ا للوزي».. حكاية ثائر منسي

12/01/2020 - 20:00
«حدو ا للوزي».. حكاية ثائر منسي

« … وكان اللوزي، وهو شخصية ذكية ونافذة. يملك محطة البنزين الوحيدة في كلميمة وكان له أصدقاء كثيرون متواطئون داخل السلطة الجهوية… وبعدما تردد لوزي طويلا بين جلال اللحظة والحماس الذي يحركه من أعماقه، لم يستطع أن يكبح اندفاعه وفرحته، فصرح: « أن السلطة المركزية لم يعد لها نفوذ ولا سلطة في المنطقة ».

مقتطف من الصفحة 179 من كتاب « أبطال بلا مجد« للأنثروبولوجي مهدي بنونة

بداية الحكاية.. صرخة فوق الجبل

من لا يصدق أن مسقط رأس الشخص، وظروف صرخته الأولى يحدد ملامح قدره مستقبلا، أكيد أنه لم يطلع على سيرة المناضل الاتحادي المحكوم بالإعدام حدو اللوزي، ففي سنة 1934، عندما قصف المستعمر الفرنسي بالطائرة منطقة « كلميمة«  لجأ السكان إلى جبل « بادو«  للاحتماء والمقاومة، وقتها كانت عائلة حدو اللوزي من بين اللاجئين، وكانت أمه حامل به لتشاء الأقدار أن يولد فوق ذلك الجبل إبان أشرس مقاومة قام بها سكان المنطقة ضد المستعمر والمعروفة بمعركة جبل « بادو« ، وهنا يبدو أنه « رضع حليب أمه ممزوجا بحب الوطن، فأهّله ذلك ليكون من قادة الحركة الوطنية فواصل عندما اشتد عوده المعركة ضد الاستعمار: الاستعمار بمعنى الترامي واستغلال خيرات الوطن، وللأسف بعد الاستقلال، أصبح ضحية للدولة التي ناضل من أجل استقلالها، إذ مارست عليه نفس ما قاوم به الاستعمار ألا وهو الترامي والاستغلال والاستبداد« ، يقول لطفي اللوزي في حديثه عن بدايات والده المناضل الراحل لـ »أخبار اليوم ».

لم يكن حدو اللوزي، من أعيان المنطقة الأثرياء فقط، « بل كان مناضلا كبيرا وقياديا عظيما وهو شاب يافع في حزب الاستقلال، أيام الحركة الوطنية. إذ بعد الاستقلال كان مسؤولا في الحزب على مستوى كلميمة، بإقليم الراشيدية، حيث واصل نضاله في صفوف الحزب، إلى أن « وقع الانفصال سنة 1959 فاختار موقعه في صف الجناح الراديكالي للحزب مع المهدي بنبركة والفقيه البصري، ومنذ ذلك الحين وهو « يناضل في صفوف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، نظرا لما يمثله الجناح من مشروع مجتمعي جديد يقوم على أساس السيادة للشعب والمؤسسات الدستورية واستعراض برنامج اللجنة التأسيسية للدستور وبناء دولة ديمقراطية، على أساس فصل السلط« ، على حد تعبير الباحث الأكاديمي أحمد ويحمان، الذي أوضح لـ »أخبار اليوم » بأن هذه الشعارات كانت وقتها « جديدة على المغرب الحديث بالاستقلال، وهو ما تسبب بعدها في اصطدامات بين هذا الحزب والدولة، خاصة بعد إقالة حكومة عبدالله إبراهيم، أحد أهم قادة الحزب من موقع رئيس الحكومة، وهنا بدأ الصدام وكان من نتائجه طبعا، أن توبع العديد من مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. وفي سياق هذا الصراع، وقبل أن يصل إلى مرحلة السجن والنفي،كانت كلميمة من المناطق المحسوبة على الاتحاد، وبالتالي،شهدت اصطدامات قبيل واقعة 1973 المعروفة ».

ويضيف ويحمان، الذي عايش الراحل أنه من نتائج ذلك الصراع أن استقبلت هذه المنطقة مجموعة من القادة الاتحاديين، خصوصا الزعيمين المهدي بنبركة والفقيه البصري، حيث كانت هناك لقاءات مع الجماهير الشعبية، والمهرجانات الخطابية في نهاية الخمسينيات. ولما تطور الصراع وبلغ الاصطدام أشده، كانت من نتائج ذلك أن ألقي القبض على كثير من الاتحاديين في المغرب كله، وكان من نصيب إقليم تافيلالت أوالراشيدية، حاليا، نصيب كبير من هذه الاعتقالات والمضايقات، وكان اللوزي من بين الرموز المستهدفة،إلى جانب أعضاء جيش التحرير في المنطقة الشرقية.

وبحسب ما جاء في كتاب: « أبطال بلا مجد » للمهدي بنونة، فإن اللوزي لم يكن فقط، من أعيان المنطقة أو أشرس اتحادييها، بل كان يعتبر ذراعا مهما للمهدي بنبركة، إذ إنهترشح في أول انتخابات تشريعية عرفتها المملكة، وحل بنبركةوقتها بكلميمة لدعمه، كما ألقى خطابا جماهيريا أمام بيت آلاللوزي، ومما جاء فيه قوله: « هذا طريق مليء بالأشواك،وعلى من لا يستحمل  وخز الأشواك أن ينسحب« . وترجمها حدو اللوزي إلى الأمازيغية بأمانة آنذاك، قائلا: « هات أبريد ن ؤزوكار أيا ؤنا أوريغيين إ وقوص إدو ». واصل حدو اللوزيالترجمة الفورية لخطاب بنبركة أمام تصفيق الرجال وزغاريد النساء.

الانتخابات التي حركت أحبال تاريخ المغرب

الانتخابات التي ترشح فيها اللوزي عرفت تدخلا عنيفا من طرف « المخزن«  الذي نجح في نسفها، الأمر الذي دفع أنصار حدو اللوزي، إلى الخروج في مظاهرة احتجاجية، حيث تم اعتقال البعض منهم، كما جرى اعتقال عبدالرحمان اليوسفي والفقيه البصري وإصدار حكم الإعدام في حق هذا الأخير سنة 1963، ما أشعل فتيل التصعيد الذي عبر عنه حدو اللوزي عقب الانتخابات بالقول في خطابه الشهير:  »لقد حاربنا استعمارا وجاء استعمار جديد، فلا مفر من العنف الثوري »، وهي الفكرة التي دعمها المهدي بنبركة، الذي اختفى وقتها، فاندلعت الانقلابات العسكرية، إذ اتخذ حدو اللوزيوقتها قرارا لا رجعة فيه ألا وهو تفعيل العنف الثوري المسلح،ليبدأ فورا في « استقبال قادة جيش التحرير بكلميمة الغاضبين من تزوير الانتخابات واستحواذ النظام اللاديمقراطي واللاشعبي على ثمار الاستقلال ووأده لآمال الجماهير الشعبية« .

فتيل الثورة

« في مارس 1973 وصل الثوار بقيادة المهندس محمد بنونة،المعروف بمحمود، حيث أخذهم واحد من الرفاق من فكيك في المنطقة الحدودية مع الجزائر، إلى محطة البنزين الوحيدة في المنطقة، والتي كانت في ملكية اللوزي، ونُقلوا بعد ذلك إلى منزل حدو اللوزي، حيث توزعوا على مواقعهم في الجبال بإملشيل ومولاي بوعزة في خنيفرة وتنغير. لما دقت ساعة الصفر، تحرك « الكوموندو«  بقيادة محمود بنونة، إذ زحفوا نحو تاديغوست، ومن ثم إلى أملاكو. سمعت ساكنة تاديغوست طلقة تجريبية لأحد أعضاء « الكوموندو«  لاختبار سلاحه، فقام أحد الساكنة بإعلام ممثل السلطة المحلية، الذي قام بدوره بإشعار مركز كلميمة فتحركت الداخلية ومعها الجيش وتمت المواجهة في أملاكو. وفي السجن، وقبل تنفيذ حكم الإعدام في فريكس، حكى للمقدم آخر لحظات هذه المواجهة. على الساعة العاشرة، استجمع الملازم رجاله وهاجم ثانية المنزل. تمركز محمود وسليمان العلوي خارج الدار، الأول شكل كمينا وراء البئر، والثاني تموضع في خندق صغير. وأنا، ولأن ساقي الجريحة كانت تمنعني من الحركة، فإنني كنت أقوم بالتغطيةبعدما تمركزت خلف نافذة. جرح الملازم، وكذا العديد من رجاله. وبعد ساعة، أصيب محمود إصابة قاتلة وسقط وراء البئر. جره سليمان العلوي داخل البيت. ولأنه أصيب عدة إصابات، فقد مات بعد بضع دقائق عند مدخل المنزل. ولأن ذخيرتي نفذت لم يعد لي من سبيل للدفاع، فقبضوا أخيرا عليّ« . مقتطف من الصفحة 207 من كتاب « أبطال بلا مجد« .

انقطع الاتصال مع بنونة، فاستشعر اللوزي أن خطبا جللا قد وقع. وبالفعل، كان ذلك بمثابة إعلان عن بداية محنة حدو اللوزي وعائلته.

اللبنة الأولى لمحنة خلدها التاريخ

لما علم حدو اللوزي أن محمود استشهد تحت رصاص الجيش الملكي، تيقن أن رأس الحربة قد انكسر، ودمعت عيناه، ولف سلهامه (البرنس)، يقول لطفي اللوزي، نقلا على لسان والده: « انطلق والدي حدو اللوزي وقتها في اتجاه منزله ليودع والدهوأمه حرة وزوجته إيطوش وأبناءه الوداع الأخير، بكلمات لاتزال تتردد على مسامعنا وهو يقول: « أداك أي ربي الستر نا إيا أوزوو » بمعنى: ليمنحك الله الستر الذي منحه للريح فلا يراك أحد« .

« انطلق حدو إلى مصيره، وعندما وصل إلى قمة جبل أسدرم المطل على كلميمة، والذي عرف معارك مع الاستعمار، انقسمت نظرته إلى شطرين، الأولى لمعركة آبائه ضد المستعمر الأجنبي، والثانية، إلى المستعمر الداخلي، فانطلق في رحلة الرعب والتخفي، وانطلقت عائلته في رحلة السجون والتعذيب« .

يقول عمار اللوزي في حديثه لـ »أخبار اليوم » إن العائلة وقتها « كانت تعتبر الحسن الثاني ملكا للبلاد وتقدره وتكن له الاحترام الواجب، لكن شراسة تدخله بالضربات الموجعة، غير نظرتها وجعلها تعتبره « دكتاتورا بصدد تصفية الحساب« ،يقول المتحدث متسائلا: « وأي حساب؟ هل مع حدو اللوزي؟ هل لتصفية حزب الاتحاد الوطني الذي كان حجرا في حذائه؟ أم هو إعلان حرب على حركة ثورية مسلحة انطلقت من كلميمة ويمكن أن تصل إلى الرباط؟« .

بعد ساعات قليلة من مغادره الأب الثائر لمنزله، وجد والداللوزي نفسه مطوقا برجال الدرك الملكي، وبدون أن يسألوه شيئا أو ينطقوا بحرف أسقطوه أرضا وانهالوا عليه بالضرب وهو شيخ ضرير، لتهرول بعدها « حرة » زوجته وهي تصرخ، ليكون مصيرها أيضا مماثل جروها من ثيابها وأسقطوها أرضا، ثم حاولت زوجة اللوزي « إيطوش » إخفاء أطفالها في غرفتها، وهي تقف متسمرة تنتظر دورها، تقدم إليها قائد الفرقة وسألها: أين حدو اللوزي؟ لم تفهم العربية ولم تجب، وظن أنها تمتنع عن الكلام، فوجه لها صفعة قوية، كاد يُغمى عليها، لم تنطقها، بل زادتها رعبا.

بعد ساعات تم اعتقال الأب والأم والزوجة والأطفال في موقع تبين أنه سري، فبدأت أشواط التعذيب على الجميع. والصدمة الكبرى، وهم تحت وطأة التعذيب، ألقي أمامهم باسو اللوزي شقيق حدو اللوزي، الذي كان يشغل منصب مهندس في الهندسة المائية في وزارة الفلاحة وكله دماء وكدمات. توجه إلى أمه وسألها: بالله عليك يا أمي أين حدو؟ أجابت لا أعرف يا ولدي. زحف نحو والده وسأله: بالله عليك يا أبي أين حدو؟ لم يجبه، واستمر زاحفا حتى وصل عند « إيطوش » وأخذ يدها مستعطفا وسألها: بالله عليك يا أختي أين حدو؟ إذا لم تجيبي سأعود إلى غرفة التعذيب. أجهشت إيطوش بالبكاء وقالت: « مك سنغ أداك انيغ، اورنيغ اكادجغ اتعايت سا فوس نسن » بمعنى:  »لو علمت لأخبرتك ولن أدعك تعود إلى أيديهم »، يقول عمار بن اللوزي الذي شهد كل هذا وهو في سن التاسعة من العمر.

باسو اللوزي محنة أخ يدفع ثمن هروب شقيقه المقاوم

دخل الجلادون من جديد، لما علموا أن المقابلة لم تؤت أكلها،انهالوا على باسو اللوزي بالضرب أمام والديه وزوجة أخيه والأطفال، ثم سحلوه خارج الزنزانة ليجد نفسه محملا في مروحية في اتجاه المعتقل السري المعروف بـ« الكوربيس » (القطب المالي حاليا، بالدار البيضاء)، ثم إنزاله من المروحيةمعصوب العينين مكبل اليدين، حيث تسلمه جلادو الدار البيضاء. أدخلوه إلى أحد « الهونكارات » المخصصة لصيانة الطائرات وحشروه في زاوية وباشروا عليه سلسلة من أصناف التعذيب كانت نتيجته حدوث كسر في عموده الفقري، « وبعد شهور تم نقله إلى معتقل « أكدز » السري وهو مشلول تقريبا، لم يرحموا تلك الحالة، بل استمروا في تعذيبه، مما يشي أن أوامر أصدرت بتعذيبه كل يوم منذ اعتقاله، وهكذا حتى اختفى مصيره«  .

وبعد سنوات افتضح أمر المعتقل « أكدز«  السري (إذ كان الحسن الثاني قد نفى وجوده)، فظهر الأحياء وأعطيت لهم تعليمات بعدم الكشف عما وقع لهم أو سيختطفون من جديد، ثم « جاءت رواية هيئة الإنصاف والمصالحة لتقول إن باسو اللوزي لقي حتفه، وحددوا قبرا من بين القبور الموجودة في ساحة المعتقل، فقالوا إنه قبره، هكذا بكل بساطة« ، يقول لطفي اللوزي، الذي يرفض تصديق ما جاء في توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة.

المنفى.. حدو اللوزي تحت رعاية الهواري بومدين

أثناء حدوث كل هذا وبعد رحلة مليئة بالأهوال والصعاب، كانحدو اللوزي قد قضى ثلاثة أشهر في مكناس متخفيا يبيت في مقبرة، ويستقي الأخبار، علم من خلالها بأنه مبحوث عليه ومحكوم بالإعدام غيابيا من طرف المحكمة العسكرية بالقنيطرة. وبعدما رتب أموره واتفق مع أحد أبناء منطقة تالسينت بأن يساعده على اجتياز الحدود حتى بلوغ منطقة بشار، غير شكله، حيث كسر أسنانه وأطلق لحيته وأنقص وزنه حتى أصبحت ملامحه تشبه ملامح « غاندي ». انطلق في اتجاه مدينة فكيك وكان يعلم أنه سيجتاز سبعة سدود أمنية. فكر أن يتقمص شخصية فلاح، فاشترى حمولة من التبن واكترى شاحنة لنقلها من نواحي مكناس إلى فكيك كوسيلة لتمويه السدود الأمنية. وفعلا، نجحت الخطة إذ بمجرد توقيف الشاحنة في أحد السدود كان السائق يقنع رجال الدرك بأن الشخص الذي معه مجرد فلاح من فكيك لا يتقن العربية. لما وصل فكيك تخلص من حمولة التبن واستقل حافلة في اتجاه « تالسينت« ، حيث كان ينتظره شخص مكلف بإيصاله إلى الجزائر. وفعلا، التقى ذلك الشخص وانطلقوا ليلا في اتجاه الحدود، وبعد اجتيازها ببضع كيلومترات تراجع الشخص عن التزامه القاضي بإيصاله حتى منطقة بشار وترك حدو اللوزي في الخلاء ليلا. وعاد الشخص فأوقفته دورية الحدود وأخضعوه للتحقيق فأعترف بأنه قد هرّب شخصا إلى الجزائر.

نجح حدو اللوزي في بلوغ مدينة بشار متوجها نحو السلطات الأمنية وقدم نفسه، فاتصلت هذه الأخيرة بقصر « المرادية« بالجزائر، ليأمر الرئيس الهواري بومدين بإرسال مروحية لتقله نحو العاصمة وإخضاعه للفحوصات الطبية وإحاطته بكل أسباب الرعاية الصحية ومنحه بطاقة لاجئ سياسي.

لما استقر به المقام بالجزائر، اطلعت المخابرات الجزائرية على سيرته، وعلمت أنه إطار في الجامعة المتحدة لحزب الاستقلال، ومن مؤسسي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وأنه مقاوم، وأنه ترشح للانتخابات البرلمانية التي عرفها المغرب المستقل، وأنالمهدي بنبركة ساهم في حملته الانتخابية إذ حل بكلميمة لمساندته أمام الحشود، وأنه من أعيان تافيلالت، وأنه هو العقل المدبر للثورة المسلحة بالجنوب الشرقي، وأنه من استقبل الكومندو المسلح، وأنه هو من كون الخلايا الثورية المحليةبتنغير وكلميمة وإملشيل وخنيفرة، وهي الخلايا المرتقب أن تتحرك بمجرد بلوغ « الكموندو«  أهدافه وهي: اقتحام الثكنات والاستيلاء على الأسلحة، ومن تم تسليح الخلايا الشعبية.

فشل المخابرات الجزائرية في تجنيد اللوزي ضد المغرب

وبعدما توصلت المخابرات الجزائرية لكل هذه المعلوماتبخصوص اللوزي، تيقنوا أنه صيد ثمين لا بد من استغلاله،فرتبوا مخططا لتجنيده لصالحهم، فكانت الخطوة الأولى أن طلبوا منه أن يقود مجموعة من المسلحين لخلق قلاقل في منطقة وجدة المغربية، فرفض رفضا باتا، وبعد مدة، وأثناء تأسيس جبهة البوليساريو، تمت دعوته إلى الالتحاق بالجبهة كقيادي مكلف بشؤون الصحراويين بتندوف، فرفض وقال قولته الشهيرة: « أنا ضد النظام الحاكم، ولكن لست ضد بلادي ووحدتها الترابية« . كادت هذه العبارة أن تلقي به إلى الجحيم،إذ قرر الرئيس بومدين تسليمه للمغرب في إطار حملة الطرد التي تعرض لها آلاف المغاربة كرد من الجزائر على المسيرة الخضراء.

وهنا بدأت المتاعب مع المخابرات الجزائرية، مما اضطره إلىالانتقال إلى ليبيا، حيث تعرض لمحاولة اختطاف من طرف المخابرات المغربية، لكن فعالية المخابرات الليبية أحبطت تلك المحاولة، وسلمته جواز سفر ليبي، انتقل به إلى الديار الفرنسية، وبالضبط إلى مدينة ليون، حيث أمضى عامين في فرنسا، وبعدها أقنعه الفقيه البصري بتراجع الجزائر عن تسليمه للمغرب وأن المخابرات الجزائرية ستكف عن محاولاتها اليائسة لأن تجعل منه أداة لتنفيذ مخططاتها ضد المغرب.

وبعد سنتين، وبالضبط سنة 1980، أصدر الحسن الثاني في حقه عفوا شاملا، استجاب له والتحق بأرض الوطن.

الفرج المؤجل.. اللوزي يرفض صفة المقاوم الممنوحةمن الداخلية

وكما خرج بطريقة سرية عاد إلى أرض الوطن بالطريقة عينها، إذ إن المخابرات الجزائرية بمجرد علمها بالعفو الملكي، شددت المراقبة عليه. ولتمويه عناصر المخابرات الجزائرية التي كانت لصيقة به، فكر بأن يزور صديقا له يملك معملا لصناعة« الآجور » يطل على مدينة السعيدية حاملا معه محفظة صغيرة بها أوراقه فقط، حتى لا يثير الشكوك، وعند انتهائه من تناول وجبة الغذاء، أخبر صديقه برغبته بالقيام بجولة في الأرجاء، أجابه صديقه: حسنا أنا في انتظرك لوجبة العشاء. حين وصل وقت وجبة العشاء، ظل صديقه ينتظر إلى أن تأخر الوقت فلم يظهر له أثر، فظن أن مكروها قد أصابه، لكن في الغد اتصل به هاتفيا، فقال له إنه في المغرب، وشكره على حسن الضيافة.

وبعد يومين من دخوله تفاجأ إدريس البصري عندما أخبرته كاتبته أن شخصا يسمى حدو اللوزي يريد مقابلته، فأمر أن تُدخِله فورا، فوقف واتجه نحوه مندهشا وهو يقول: « كيفاش تخرج من البلاد بلا مانعرفوا، وتدخل بلا ما نعرفوا؟ ». ليصدرالبصري تعليماته بإجراء تحقيق مع حراس الحدود.

وبعد ذلك استقبله محمد المكناسي، رئيس المجلس المؤقتللمقاومة، وسعيد بونعيلات، وطلبا منه وضع ملف الاستفادةكمقاوم، فرفض قائلا: « مادام أن صفة المقاوم تُمنح من وزارة الداخلية لأشخاص لا علاقة لهم بالمقاومة ولا بجيش التحرير أمثال عرشان وغيره، فإنني أرفض هذا العرض« .

معاناة ما بعد العفو الملكي: الدولة المغربية تواصل حجز ممتلكات اللوزي إلى اليوم

يقول أحمد ويحان في حديثه لـ »أخبار اليوم » إن اللوزي عاد من منفاه مرفوقا بعبدالرحمان اليوسفي ومحمد سعيد أيت إيدر وغيرهم ممن كانوا مدانين بالإعدام غيابيا، ليجد أمامه وضعا مزريا، ليس فقط، بما تعرضت له عائلته من اضطهادوتنكيل، بل أيضا بمصادرة ممتلكاته جميعها، لقد « وجد نفسه أمام واقع صادم. وكان حينها حزب الاتحاد الاشتراكي يتحرك في سبيل إعادة بعض ممتلكاته، ومن بينها محطة « زيز » ومتجر كبير له كان كبيرا، تدخلت السلطات لفتحه وبيع ما يحتويه بأثمان بخسة ليكون عبرة لكل من سولت له نفسه معارضة النظام، لكن لم ينجح أحد في استرجاع ممتلكات هذا المناضل الشهم من الدولة، إلى حدود يومنا هذا ».

من جهتها، تتهم عائلة حدو اللوزي السلطات المغربية بالوقوف وراء نهب متجرهم الكبير بالمنطقة عندما كان والدهم منفيا، و« إعطاء الشرعية لذلك بتحرير محضر يدعون فيه أن المتجر تعرض لحريق بعد سنة ونصف من حجزه« ، وهو المحضر المسلم من طرف الدرك الملكي بكلميمة، للمناضل الراحل حدو اللوزي، أثناء مطالبته بإرجاع ممتلكاته المصادرة من طرف الدولة منذ 1973.

وجاء في هذا المحضر المحرر بالفرنسية، والذي توصلت « أخبار اليوم »، بنسخة منه أن المتجر الذي تبلغ مساحته 110 أمتار، قد تعرض لحريق سنة 26 يوليوز 1974، ما اعتبره لطفي اللوزي، نقلا على لسان والده الراحل، « مفتعلا كي تغطي السلطات المغربية على نهبها »، إذ إن المتجر المذكور يعد الوحيد في المنطقة الذي يملك رخصة توزيع الدقيق المدعم والشاي والسكر، فضلا عن احتوائه على مستودع لتموين الإسمنت والحديد وقنينات الغاز، وكان هذا المحل هو الذي يزود الخيرية وثانوية المنطقة باللحوم .

وعدّدت عائلة اللوزي المفقودات داخل الحريق، والتي تشمل مبالغ مالية مهمة، دفتر الطلق، وصولات الوقود، طلبيات الإسمنت والحديد، الأوراق الخاصة بشاحنتين في ملكية حدو اللوزي كانتا استعملتا في نقل المشاركين في المسيرة غير أنهما اختفيتا وقتها ولم تستطع الأسرة استعادتهما بأي شكل، عقود الملكية لجميع ممتلكات حدو اللوزي.

عائلة اللوزي: شركة « زيز » للمحروقات تترامى على محطتنا بمباركة الدولة

وبخصوص، محطة الوقود « زيز »، التي تتهم العائلة ملاكها الحاليين بالاستيلاء عليها بمباركة الدولة، يقول عمار ابن المناضل الراحل: « لقد وجد والدي أيضا محطة الوقود التي يمتلكها قد ترامت عليها شركة زيز للمحروقات، هذه الشركة التي ساهم في رأسمالها عندما كانت مهددة بالإفلاس الناتج عن نقص في السيولة المالية، كما وجد السلطات قد دأبت على كراء أملاكه لمن يرغب في استغلالها وبقيت تقوم بكراء هذه الأملاك كل سنة، متجاهلة العفو الملكي، وأن الشاحنتيناللتين كان يمتلكهما فُقدتا بعدما تم استعمالهما في المسيرة الخضراء« .

واستنادا إلى الوثائق التي سلمتها عائلة اللوزي لـ »أخبار اليوم »، فضلا عن الشهادات التاريخية التي استقتها من رفاق المناضل الراحل، وبعض المراجع كـ »الثورة الموؤودة » لمحمد لومة و »أبطال بلا مجد » للمهدي بنونة ، فإن محطة « زيز » التي شيدت سنة 1971، والتي تعد الوحيدة في المنطقة باعتبارها المزود الوحيد والرئيس للسلطات بما فيها وزارة الفلاحة، والسياحة والمستشفى العمومي كلميمة، تعود ملكيتها الصافية للمناضل الراحل حدو اللوزي، إذ كانت المحطة الأولى للثوار الذين دخلوا بأسلحتهم إلى جبال الأطلس، ورمزا تاريخيا من رموز الكفاح المسلح.

عائلة حدو اللوزي عززت ادعاءها امتلاك شركة « زيز »، بشهادة إدارية توصلنا بنسخة منها، مسلمة من القائد، رئيس ملحقة كلميمة، تثبت أن الأرض التي شيدت عليها محطة البنزين بالمدخل الشرقي لكلميمة والراشدية، هي أرض تابعة لحدو اللوزي بن محمد، كما أدلى أبناء الراحل بوثيقة تثبت ملكية حدو اللوزي، لمجموعة من أسهم شركة « زيز »، باعتباره مساهما رئيسا للشركة التي أنشئت بتافيلالت في بداياتها قبل أن تتوسع لتشمل جميع مناطق المغرب.

وفضلا عما سبق شملت الأدلة والوثائق التي توصلت « أخبار اليوم » بنسخ منها، مراسلة من الشركة المغربية للمحروقات « زيز« ، تعترف فيها أن العقد المبرم بين الشركة وبين الراحل حدو اللوزي، والذي امتدت صلاحيته 10 سنوات، من 7 دجنبر 1971، إلى 7 دجنبر 1981، قد استوفى دون أن يتم تجديده مع حدو اللوزي بعد عودته من المنفى وقبل وفاته، وبالتالي،استمرار استغلالها للمحطة إلى حدود يومنا هذا يعد « غير قانوني وغير مشروع ».

وحاولت « أخبار اليوم » التواصل مع شركة « زيز » بهذا الخصوص، غير أن محامي الشركة فضل فصل الخط، عندما أخبرته الجريدة بموضوع الاتصال.

تناقض بين عفو الحسن الثاني وتعنت الدولة

يقول مصطفى اللوزي، ابن المناضل الراحل، إن والده اعتقد في بادئ الأمر أن العفو الشامل الذي أصدره الحسن الثانيفي حقه كفيل بأن ينهي معاناته، وبأن يرد له الاعتبار ويحل ملف الأملاك التي احتجزتها الدولة وترامى عليها بعض الأشخاص والشركات. إلا أن ذلك الأمل كان في غير محلهوواهٍ، إذ بمجرد أن « بدأ بالمطالبة بحقوقه وجد جميع الأبوابموصدة أمامه، بل أرغم على دفع ضرائب على أنشطةاقتصادية رغم أنه كان في المنفى، وهُدّد بالسجن في حالة عدم دفعها، وهذه مفارقة وأي مفارقة« .

تصريحات ابن الاتحادي الراحل، عززتها مجموعة من التوصيلات التي توصلت بها « أخبار اليوم » والصادرة عن الخزينة العامة للمملكة سنة 1980، إذ أُرغم حدو اللوزي بعد عودته من المنفى على أداء ضريبة على التجارة لمدة 7 سنوات،وهي بالمناسبة الفترة التي قضاها منفيا خارج أرض الوطن، « مع تهديده بالسجن في حالة عدم تأدية ما يناهز 80 ألف درهم لقاء ما سبق »، يقول نجل الراحل.

حكومة التناوب تتنكر للوزي والدولة تسلم الممتلكات على الورق

استمر هذا الوضع الذي تخبط فيه اللوزي، حتى تم تعيين حكومة التناوب التوافقي سنة 1998 برئاسة عبدالرحمان اليوسفي الذي كان رفيق عفو حدو اللوزي، إذ ورد اسمهما في نفس لائحة العفو الشامل الذي أصدره الحسن الثاني سنة 1980، استبشرت عائلة اللوزي خيرا بهذا الخبر، غير أن هذا الأخير التحق بالرفيق الأعلى قبل تعيين هذه الحكومة بأشهر قليلة، ثم « تبخر الأمل، عندما لم يحل اليوسفي ولو نقطة واحدة من ملف رفيقه« ، يقول عبدالعزيز اللوزي مضيفا: « كانت العائلة على موعد مع أمل جديد، وهو تعيين هيئة الإنصافوالمصالحة، التي كان هدفها الأساسي طي صفحة الماضي، وحل جميع الملفات العالقة، بما فيها كشف مصير المختطفين وتعويض الضحايا، ثم تبخر الأمل من جديد، إذ اكتفت الهيئة بتحديد قبر باسو اللوزي بطريقة عشوائية، دون تقديم أي دليل علمي بأن الرفات هو رفاته، وهو ما اعترضت عليه العائلة بأن طالبت بعينة من ذلك الرفات لإخضاعها للفحص الجيني من طرف مختبر محايد، وهو ما تم رفضه من طرف الهيئة« .

« هيئة الإنصاف والمصالحة، لم تأخذ ملف أملاك ومحجوزات باسوا للوزي بجدية، بالرغم من امتلاك ذوي الحقوق لجميع الوثائق التي تثبت أحقيتهم في استرجاع ممتلكاتهم المحجوزة من طرف الدولة المغربية »، يقول عمار اللوزي ابن المناضل الراحل، مدليا لـ »أخبار اليوم » بوثيقة محضر التسليم بين الدولة (الملك الخاص) النائب عنها مديرية الأملاك المخزنية بالرباط،وبين ورثة حدو اللوزي، الصادرة عن مديرية الأملاك المخزنية التابعة لوزارة الاقتصاد والمالية، والتي جاء فيها أن الدولة المغربية تسلم لورثة المرحوم حدو اللوزي أملاكها التي جردتها في لائحة طويلة عقارية وأخرى منقولات « تقدر بما يزيد عن 2 مليار سنتيم، غير أن ذلك لم يجري تفعيله حقيقة »، يقول المتحدث.

وأوضح اللوزي أن هيئة الإنصاف والمصالحة « بررت تجاهلها لملف اللوزي بعدم الاختصاص، موجهة الأسرة إلى القضاء، وهو ما يتعارض مع  دورها الذي أسست من أجله« ، على حد تعبير المتحدث، الذي أشار، أيضا، إلى أن التعويض الذي صُرف للضحايا وذوي الحقوق هزيل جدا، وبعض بنوده لم يتم تفعيلها بالمرة، وفي مقدمتها الإدماج الاجتماعي، لذلك تبقى هذه الصفحة مفتوحة ولم تطو، ما يطرح التشكك حول مصداقية وحيادية وجدية هيئة الإنصاف والمصالحة« ، يقول المتحدث.

شارك المقال