حلقات يكتبها إدريس الكنبوري.. شحرور والتطفل على التفسير

11 فبراير 2020 - 07:00

الفهم التبسيطي لعبارة «تفصيل الكتاب»، باعتبارها تعني الفصل، ليس سوى فرع عن الرؤية العامة للدكتور شحرور، والتي تحكم منهجه «اللغوي» في القراءة «المعاصرة» للقرآن. لقد سجلنا في الصفحات السابقة أن الدكتور شحرور لا علاقة له باللغة العربية، وأنه مجرد متطفل على شيء لا يتقنه، لكن حقه علينا -من الناحية العلمية- أن نستمر في كشف مواضع هذا الجهل والتطفل، حتى لا نُتهم بأننا نتجنى على الرجل دون بينة.

لقد أشرنا سابقا إلى أن الدكتور شحرور يتعامل مع مفردات اللغة في القرآن الكريم من منطق مادي بحت، أي بوصفها تشير إلى معنى ملموس وليس فيها تجريد، ونقصد بالتجريد في هذا السياق الإمكانيات البيانية والبلاغية التي تتصف بها اللغات عموما، والعربية بوجه خاص، حيث إن الكلمة ليس لديها فقط المعنى المباشر، بل معنى أبعد من ذلك المعنى المباشر الذي يفهمه عامة الناس، وهو ما يسميه عبد القاهر الجرجاني «معنى المعنى»، وهذا المعنى الثاني لا يوجد في قاموس لكن يجري البحث عنه داخل السياق.

وبالنظر إلى الحصيلة اللغوية الهزيلة للدكتور شحرور، ومحاولاته المستميتة لاستخراج معان جديدة بدعوى «القراءة المعاصرة»، فإنه يقع في تفسيرات سطحية غاية في الغرابة، بعضها يؤدي إلى الضحك وبعضها يستثير الشفقة.

من أمثلة هذا الفهم الغريب تفسيره لعبارة «بين يديه» في الآية الكريمة: «نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه، وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان»، فهو يؤكد -بكثير من التعالم والثقة المفرطة في النفس- أن «مصطلح الذي بين يديه في اللسان العربي تعني دائما الحاضر ولا تعني الماضي» (الكتاب والفرقان ص 88). إنه يزعم أن ذلك التعبير «مصطلح»، وهذا عنصر آخر يبين الجهل باللغة وقواعد المعرفة العلمية، لأنه لا يوجد مصطلح يتكون من ثلاث كلمات، ولأن المصطلح عبارة عن كلمة مشتقة أو غير مشتقة تكون محط اتفاق بين الناس، أو على الأقل بين أفراد مجموعة معينة، والحال أن «الذي بين يديه» ليست مصطلحا بل تعبير أو جملة عادية، كما أنها غير ذات معنى واحد حتى تكون محط اتفاق.

لقد فهم شحرور أن اليدين تعنيان العضوين المعروفين لدى الإنسان، وأن عبارة «بين يديه» تعني بالضرورة المعنى المادي المباشر الملموس، أي ما هو في قبضة اليد، أو ما هو ماثل أمام العين. وانطلاقا من هذا الفهم، يرى أن الهاء في «يديه» تعود إلى القرآن أو تعود إلى الله، ومن الغرائب أن يكون الضمير عائدا إلى القرآن، إذ كيف يمكن أن يكون تنزيل الكتاب بهدف التصديق للكتاب في الآية: «نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه»؟ كيف ينزل الله الكتاب مصدقا لنفسه، أي الكتاب؟

لكن الدكتور شحرور لا يكتفي بالدفاع عن رأيه فحسب، بل يهاجم المفسرين السابقين جميعا، بل الفقهاء أيضا لأنهم لم يفهموا هذا الفهم الغريب، يقول: «إني لأعجب تمام العجب كيف ظن الفقهاء والمفسرون أن الذي بين يديه هما التوراة والإنجيل، فبذلك قصموا ظهر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم حين أكدوا أنها ما جاءت إلا لتخبر الناس بأن التوراة والإنجيل الموجودين في بداية القرن السابع الميلادي حين نزول القرآن هما صحيحان لا أكثر من ذلك ولا أقل من ذلك» (ص88).

غير أن العجب، كل العجب، ليس ما جاء به المفسرون والفقهاء، بل ما عبر عنه الدكتور شحرور من جهل فادح باللغة. فالآية تشير فعلا إلى التوراة والإنجيل، والتعبير «الذي بين يديه» يشير إلى الماضي فعلا لا إلى الحاضر كما زعم شحرور، ولا أجد تفسيرا أبلغ ولا أرقى من تفسير العلامة محمد الطاهر بن عاشور الذي قال في تفسير الآية: «ومعنى ’’مصدقا لما بين يديه’’ أنه مصدق للكتب السابقة له، وجعل السابق بين يديه لأنه يجيء قبله، فكأنه يمشي أمامه»، ولاحظ عبقرية المفسر الفقيه اللغوي وتعبيره: «فكأنه يمشي أمامه»، لأن القرآن ما هو إلا حلقة في سلسلة كتب مسبوقة عليه، فهو الكتاب الخاتم الذي جاء مصدقا لما سبقه من كتب وناسخا لها. ولو رجع شحرور إلى معاجم اللغة العربية لوجد أن كلمة «يد» لا تعني الجارحة دائما، بل لها معانٍ كثيرة، ومن معانيها التأييد والموافقة، ومنها جاء اشتقاق الفعل: أيد يؤيد تأييدا، وتشير أيضا إلى القوة، ومنها قوله تعالى: «والسماء بنيناها بأيد»، أي بقوة، لا بالأيادي المعروفة لدى الإنسان. هذا التخبط عند شحرور في التفسير نجده أيضا في فهمه لقوله تعالى: «تبارك الله الذي بيده الملك»، حيث يقول: «البركة في اللسان العربي تعني التكاثر والتوالد، وتعني الثبات كأن نقول مبرك الناقة وبركة الماء، الماء الراكد، ووصف الكتاب بأنه مبارك يعني ثبات النص، وبمعنى الثبات جاء قوله «تبارك الله» أي ثبت ولم يتغير» (90)، ولنلاحظ كيف أنه لجأ إلى القاموس فوجد أن البرَكة (بفتح الباء والراء) تعني التكاثر والتوالد، ثم وجد تعبير «بركة الماء» أي المكان الذي يستقر فيه الماء ويثبت ولا يتحرك، لكنه تخلى عن المعنى الأول واختار المعنى الثاني، مع أن المسافة بينهما كالمسافة بين السماء والأرض، ذلك أن «تبارك» أصل فعلها بارك يبارك مباركة وتبريكا، أي دعا له بالبركة ورضي عنه، فيما «بركة الماء» (بكسر الباء وتسكين الراء) أصلها برك يبرك بروكا وتبراكا، أي ثبت وأقام، ومنها قولنا «برك الجمل»، ومع كل هذا الخلط الفظيع يتحدث الدكتور شحرور عن «المنهج اللغوي».

المثال الآخر وقفته مع قوله تعالى: «ما كان حديثا يفترى»، وقوله: «فذرني ومن يكذب بهذا الحديث»، حيث فسر الحديث بالأحداث والوقائع، وليس بمعنى الذكر والقص والإخبار، فقال: «القرآن قرن الأحداث الكونية الكلية والجزئية مع الأحداث الإنسانية -القصص القرآني، أحسن القصص- لذا سمي حديثا وسمي قرآنا. سمي حديثا لأن فيه أحداث الكون والإنسان» (ص 93)، وهذه واحدة أخرى من الغرائب والعجائب التي توقع في الذهول، ذلك أن شحرورا لم يستطع أن يميز بين الحديث والحدث، بين التحديث والحدوث، فالحديث مشتق من فعل حدث (بفتح وتشديد الدال) يحدث تحديثا، أي أخبر وتكلم، فيما الحدث مشتق من حدث (بفتح الحاء والدال من غير تشديد) يحدث حدوثا، أي حصل ووقع وجرى، وجمع الحديث أحاديث، فيما جمع الحدث أحداث، غير أن الدكتور شحرور خلط بين الكلمتين خلطا غريبا فجاء بتفسير أكثر ما يكون غرابة.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

jjk منذ سنتين

لم تقدم اي شيء يفيدنا عدا شتم الدكتور شحرور ر حمه الله الرجاء من علمائنا القرائن و االدلائل و ترك القارء مع قناعته

أبو أمل المغرب منذ سنتين

الأستاذ الكنبوري المحترم أين كانت ردودك عن منهج وكتابة الدكتور شحرور عندما كان على قيد الحياة واشتغاله بالقكر والإسلامي عامة وقراءة القرآن قرراءة معاصرة بشكل خاص يربو ألى حوالي ثلاثين سنة أو أكثر وأنت اليوم بعد موته تنتقده في غرابته وضعفه اللغوي في الشرح والتفسير والتأويل للقرأن الكريم مهتما بشكل لا غير لهدم صرح فكره من أساسه مرضاة لخصومه الذين لم يستطيعو النيل منه في حياته وبعد مماته. فكل مجتهد لا مناص له من الخطأ لأنه عمل إنساني بشري بالأساس, دون تطويل أتساءل فقط أين كانت انتقاداتك هذة نائمة تنتظر موت المعني بالأمر لتخرج من عقاله لأن شحرور لا يستطيع الرد والدفاع عن نفسه بعد موته. فأين كنت عندما صدر له كتابه الأول سنة 1990. اليوم تنصب نفسك الجرجاني وشحرور استشهد به لإبات عيوب الترادف وغيرها. اتقوا الله وكونوا موضوعيين في الوقت المناسب دون تجريح أو افتراء مع احترام السياق مبنا ومعنا...