من حياة التشرد .. إلى مأوى يحميهم من وحشية فيروس "كورونا" وقسوة الشارع

14/04/2020 - 08:00
من حياة التشرد .. إلى مأوى يحميهم من وحشية فيروس "كورونا" وقسوة الشارع

من غير المقبول أن يجري استقبال النزلاء والاهتمام بهم، وبعد انتهاء حالة الطوارئ نعيدهم إلى الشارع، هناك من النزلاء من يحتاج إلى العلاج النفسي، ومنهم من يحتاج إلى العودة إلى الدراسة، والبعض الآخر يحتاج إلى الرعاية بحكم التقدم في السن.

 

في الزاوية يتخذ مكانا له، يرقب الساحة الفارغة بعيون حائرة، رفيقه يجلس بمحاذاته يتهامسان دون أن يكون لكلامهما معنى، ثم يدخلان في موجة صمت طويل، لم يكن يعرفان بعضهما البعض قبل أيام، فرقتهما الشوارع وجمعهما هذا المأوى، من يرى شكليهما قبل أيام لن يجرأ على الاقتراب منهما، فهيأتهما تشير إلى أنهما متسولان، مشردان، يعيشان في عالم من المخدرات عقلهما مغيب وحين يعودان لوعيهما يبحثان عن مادة « السيلسيون » ليغيبا مرة أخرى.

العالم يرى في جائحة كورونا كارثة حلت بالعالم، لكن المشردين يعتبرونها فرصة ما كانت ستتاح لهم لولا هذا الظرف الاستثنائي، هي فرصة ليجدوا سريرا دافئا ينامون عليه بدل برودة وقسوة العراء، وماءً دافئ يزيل عنهم طبقات سنون التي مضت دون أن يدروا بها، وطعاما شهيا عوض بقايا الطعام التي كانوا يقتاتون عليها.

دار الأطفال لمدينة تمارة التي كانت في وقت سابق تستقبل الأطفال المتمدرسين، تحولت اليوم إلى فضاء يستقبل أشخاصا في وضعية الشارع، وذلك انخراطا في الحرب التي تخوضها بلادنا للحد من انتشار فيروس كورونا. مصطفى أعتاب، وهو مدير الدار، قال إنهم استقبلوا تقريبا 60 حالة، 30 منها بعد متابعة حالتها جرى توجيهها صوب المصالح المختصة، من قبيل مستشفى الأمراض العقلية، و30 حالة هي التي يجري التعامل معها داخل الدار.

أطقم دار الأطفال لم تكن لديهم تجربة من قبل في التعامل مع هذه الفئة، غير أنهم تعبؤوا لإنجاح هذه المبادرة من خلال متابعة ومراقبة الأشخاص الذين تستقدمهم السلطات للدار بعدما كانوا يعيشون في الشارع، « قد تأتي ست حالات في اليوم، وفي الأيام أخرى لا يتم استقبال أي حالة، نحن هنا نستقبلهم مثل ضيوف ولا نجعلهم يحسون أنهم في سجن، لكن عليهم المكوث هنا رغما عنهم »، يقول عبدالكريم بونمر، رئيس الجمعية المسيرة، ويضيف « نحاول أن نجعلهم يحسون أن هذا بيتهم من خلال إشراك من يوجدون في وضعية صحية وعقلية جيدة في الأنشطة والأعمال اليومية ».

الخيبة وصدمة الواقع 

في غرفة واسعة توجد بها ثمانية أسِرّة متباعدة عن بعضها البعض، يجلس محمد (اسم مستعار) على سريره يحمل هاتفه المحمول بين يديه ويضع السماعات في أذنيه، بنظارته الطبية المكسورة يتابع أخبار فيروس كورونا عبر شاشته الصغيرة.

محمد من بين الناس الذين ستختلط عليهم المشاعر حين تنتهي هذه الأزمة، فبعدما عاد ليعيش مثل كل الناس سيعود إلى حالة التشرد في الشارع، إذ يبدي مخاوفه من العودة إلى حياته السابقة، آملا أن يجد مكانا يحتضنه.

قدم إلى الرباط من مدينة الخميسات بحثا عن عمل، وبعد شهور من العمل في حراسة أوراش البناء التي كانت مكانا للعمل والمبيت بالنسبة إليه، أصابته وعكة صحية، على إثرها خضع لعملية جراحية على مستوى البطن، لكن بعدما تماثل للشفاء نسبيا وجد نفسه في الشارع بدون عمل ولا مأوى، « لم أستطع العودة إلى أسرتي، وأنا الذي لا يمتلك قوت يوم واحد، بعدما فقدت صحتي »، يحكي محمد، ويضيف « أشعر بالخيبة وقلة الحيلة، فقبل شهور كنت بصحتي، واليوم لا أستطيع حمل كيس صغير ».

قرر محمد العيش في الشارع على ألا يعود مكسور الفؤاد إلى مدينته، انتقل من شارع إلى شارع ومن زقاق إلى زقاق ومن مدينة إلى مدينة، حتى استقر به المقام بمدينة تمارة، التي اتخذ شوارعها مسكنا له. يعتبر محمد أن برد الشارع ونظرة الناس الدونية للمشردين أهون عليه من نظرة الخيبة التي سيرمقها في عيون أسرته.

يحكي ابن الخميسات عن تجربته في المأوى، قائلا: « أشعر أنني عدت إلى الحياة بعدما كنت استسلمت، هنا عادت إليّ آدميتي، إذ أصبح لديّ سرير ومكان خاص بي، تخلصت من ثقل الأوساخ، وأتغذى بشكل جيد وأنعم بالراحة لأول مرة بعد إجرائي للعملية ».

في السرير المقابل له، يجلس رجل آخر على مشارف الستينات يبدو على ملامحه أنه يحمل أحزان العالم، قبل أيام فقط، كان لديه بيت يحتضنه، لكنه طُرد منه ليجد نفسه في الشارع، كانت تجربة مُرّة فلأول مرة لا يجد سقفا يحمي كهولته من الإهانة، يحكي عن هذه التجربة قائلا: « بعد دخول حالة الطوارئ حيز التنفيذ طردني صاحب البيت بسبب تأخر أدائي للإيجار، فقد وجدت نفسي مشردا لا مكان يحتضنني ويستر ضعفي إلى أن التقيت صدفة رئيس الجمعية المشرفة على دار الأطفال بتمارة واقترح عليّ أن أقيم هنا حتى تنتهي هذه الفترة وأبحث عن مأوى ».

يتحدث هذا الأخير بامتنان كبير عن مبادرة دار الأطفال التي حمته من قسوة الشارع، وهو في أرذل العمر، لكن في الوقت عينه يتخوف من المستقبل وما يخبئه له بعد انتهاء حالة الطوارئ، إذ لم يعد له مكان يذهب إليه بعدما طُرد من بيته.

التحرر من الإدمان 

حالات كثيرة استقبلتها الدار تعاني من الإدمان على « السيلسيون ». يحكي أعتاب أن « عددا من الحالات التي استقبلوها كانت مغيبة عن الوعي تماما، لكن بعد أيام من مكوثهم في الدار بدؤوا يتخلون عن هذه السموم ».

سفيان، « اسم مستعار »، حين دخل الدار كان لا يستطيع الوقوف على قدميه، يحمل كيسا بلاستيكيا يحشر فيه أنفه ليشم مادة « السيلسيون »، لم يعلم أين يوجد؟ وماذا يحدث في العالم؟ كان يعيش في عالمه الخاص، لكن بعد قدومه للدار تغيرت حياته.

يقول أعتاب « كان الأمر صعبا عليه، كان لا يغادر الغرفة، ويعاني من صداع في الرأس، كان منطويا على نفسه ولا يكلم أحدا، لكن شيئا فشيئا بدأت تتحسن حالته، إذ بدأ يذهب إلى القاعة المخصصة للأكل وتناول وجباته، ويشاهد التلفاز رفقة باقي النزلاء ».

الآن حالة سفيان تبدو جيدة، يتحرك بأريحية وسط الدار دون أن يتمايل كما كان في البداية، ملابسه مرتبة ونظيفة، كما أنه لم يعد يعاني من أعراض الإدمان بشكل كبير.

حالة أخرى جُلبت إلى الدار وهي تعاني من حالة الإدمان، إنها حالة أصغر عنصر، قاصر عمره 14 سنة، استقدمته السلطات المحلية إلى الدار بعدما وجدته في الشارع، لا يعرفون من أين أتى، لكن حسب المعطيات التي حصل عليه مدير الدار، فالقاصر ترعرع في دور الأيتام والخيريات وكان يهرب منها في كل مرة.

يحكي أعتاب أنه « لحظة وصول الطفل وتسلمه من السلطة، عثروا ضمن حوائجه على « جوان حشيش » والسجائر. في البداية، لم يتقبل القاصر الحياة في الدار، حيث كانت تراوده فكرة الهروب، خصوصا بعد هروب شخصين خلال ذلك اليوم، إلا أنه بعد السماح له بلعب كرة القدم وتوفير له كل ما يريده قرر المكوث هناك ».

القاصر، ورغم أنه عاش في دور الأيتام، إلا أنه لم يدخل قط للمدرسة، وهو ما فاجأ القائمين على الدار، حيث قال بونمر

إنهم يبحثون عن صيغة لإدماجه في برامج محو الأمية، مشددا على أن مثل هذا القاصر لا يجب أن يضيع في الشارع وهو في سن صغيرة.

تعود تفاصيل قصة هذا القاصر، حسب ما حكى للمسؤولين في الدار، إلى التفكك أسري، بعدما رفض الأب الاعتراف به، والهشاشة التي تعيش فيها والدته، هذا الواقع جعله يهرب من البيت، وهو في سن صغيرة جدا.

الحياة في الدار 

تبدأ حياة النزلاء في الدار عندما يخطون الخطوة الأولى نحو مقرها، بعدما يتسلمون الحالات التي تجلبها السلطة بتنسيق مع عمالة تمارة، يقوم الطاقم المشرف في الدار على تسجيل بياناتهم في ملف مُعدٍّ سلفا لذلك، ويتسلمون منهم حاجاتهم الأساسية، وفي هذا الصدد يحكي مدير الدار أنهم « وجدوا عند إحدى الحالات 900 درهم نقدا، بينما حالة أخرى وجدوا لديها 300 درهم، فيما حالة شخص ثالث كان يحمل معه القليل من النقود وجواز سفر ورخصة سياقة، كل هذه الأغراض توضع في صناديق مخصصة لذلك تحمل اسم صاحبها، لتتم إعادتها إلى أصحابها حين يغادرون الدار »، يقول أعتاب.

بعد تسلم أغراضهم وتسجيلهم، يتم إدخالهم للحمام ليستحموا، إذ يشرف على هذه العملية العاملون بالدار، وفي بعض الأحايين رجال السلطة الذين يجلبونهم، بعد الانتهاء من الاستحمام تُقدم لهم ملابس نظيفة بدل الملابس القديمة، ثم بعد ذلك يأخذونهم ليتناولوا وجبة الغداء أو العشاء، حسب الوقت الذي قدِموا فيه للدار.

يحكي بونمر أنه « في أحايين كثيرة يصعب استحمال الرائحة الكريهة وهم يقومون بتنظيف النزلاء، خصوصا منهم الذين لا يكونون في وعيهم، أو يعانون من أمراض عقلية »، مضيفا أنهم صادفوا « حالة مشرد كان يرتدي نحو عشرة سراويل والعديد من القمصان محزومة بسلك معدني، لم يستطيعوا نزعها عنه إلا بشق الأنفس ».

بعد عملية الاستحمام يوزع النزلاء على خمس غرف داخل الدار، حيث قرر المدير ترك غرف الأطفال المقيمين في الدار فارغة وألا يتم استعمالها للحفاظ على خصوصيتهم ونظافتها، حيث جرى تجهيز كل من المسجد وبعض القاعات بأسرة وأغطية كانت تتوفر عليها الدار، وتم توزيع النزلاء عليها.

« في البداية كان التوزيع يجري بشكل عشوائي، لكن مع المدة قسمنا النزلاء إلى ثلاثة أقسام » يقول أعتاب، مضيفا « القسم الأول كان يضم الأشخاص العاديين الذين يعانون من ظروف اجتماعية صعبة جعلتهم يلجؤون للشارع، أما القسم الثاني، فهو مخصص للأشخاص الذين يعانون من بعض الأعراض التي تجعلهم تارة أشخاص طبيعيين، وتارة أخرى فاقدي الوعي، وهي الفئة التي تضم المدمنين، وأيضا الذين يعانون من الصدمة، فيما خصص القسم الثالث إلى الحالات التي تعاني من أمراض نفسية وعقلية ».

يبدأ برنامج النزلاء في الدار بوجبة الفطور، ثم بعدها يقوم كل واحد منهم ببرنامجه الخاص، منهم من يساعد في أعمال الدار عن طواعية، ومنهم من يجلس يراقب الساحة ومنهم من يجلس في قاعة الاستراحة لمشاهدة التلفاز ومنهم من يذهب ليخلد للنوم، بعدها تقدم وجبة الغداء، وفي الظهيرة تقدم وجبة خفيفة، وبعدها وجبة العشاء.

يعيش النزلاء في الحجر الصحي إذ لا يغادرون الدار بشكل نهائي، وهناك أخصائي نفسي يزور الدار من حين لآخر ليتابع الحالات التي تعاني من مشكلات نفسية.

غرباء في قاعة واحدة

في القاعة المخصصة للأكل، يجلس أغلب النزلاء بشكل متباعد على الطاولات، يشاهدون التلفزيون المثبت على الحائط، كانت نشرة الأخبار على إحدى القنوات الوطنية  انطلقت للتو لتعلن عن آخر أخبار فيروس كورونا، أغلب الجالسين يتابعون النشرة باهتمام زائد دون أن ينبسوا بكلمة واحدة.

يبدو الجالسون هناك كأنهم غرباء عن بعضهم البعض، لا أحد يكلم الآخر، لا يتبادلون النظرات حتى. عند انتهاء نشرة الأخبار، أخذ كل واحد من المجموعة ينظر إلى الجهة المقابلة له، كان الصمت رهيبا وكأننا في حضرة الأموات.

بين الفينة والأخرى يدخل أو يخرج أحد دون أن يلقي التحية، استمر الوضع على هذه الحال إلى أن جرى الإعلان عن توزيع وجبة الغداء، العاملون بالمؤسسة بدؤوا بتفريق الصحون على الجالسين، كل واحد بصحنه، لا يأكلون جماعة، وبعد توزيع الطعام انهمك الجميع في تناول وجبته دون أن يرفعوا رؤوسهم.

ما بعد حالة الطوارئ 

يعمل المشرفون على الدار، على إعادة قائمة بالحالات التي استقبلوها، حتى تقوم وزارة الأسرة والتضامن ببحث عن حل لهم بعد انتهاء حالة الطوارئ. وفي هذا السياق يرى أعتاب أنه « من غير المقبول أن يجري استقبال المشردين والاهتمام بهم، وبعد انتهاء حالة الطوارئ نعيدهم إلى الشارع »، موضحا أن « الوزارة الوصية أبدت نيتها للبحث عن مأوى لهذه الحالات وأن تتكفل بهم ».

بدوره، قال بونمر إنهم « أخذوا الأشخاص الذين استقبلوهم كحالات من السلطات وسيعيدونهم لها كملفات مدروسة، بعدما تُحدد حاجات كل واحد على حدة »، وزاد « هناك من يحتاج إلى العلاج النفسي، ومنهم من يحتاج إلى العودة إلى الدراسة، والبعض الآخر يحتاج إلى الرعاية بحكم التقدم في السن ».

شارك المقال