هل تجعل الأنظمة السياسية من الظروف الاستثنائية، التي تسمح لها بتعليق بعض الحقوق، ظروفا عادية بحيث يتحول الاستثنائي إلى العادي، وترفض بموجب ذلك التراجع عن المساحات التي احتلتها خلال الأزمة؟ سؤال من بين أسئلة أخرى، تشغل اليوم بال الجامعيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، بسبب ما يعتبرونه خروقات وانتهاكات حدثت وتحدث، ويجري تبريرها باسم الظروف الاستثنائية التي فرضتها كورونا على الدول والمجتمعات حول العالم.
كمثال على ذلك اعتمدت العديد من الدول سياسات تقوم على تعليق وتجميد بعض الحقوق المدنية والسياسية، مثل الحق في التجمع والتظاهر وتقييد حقوق أخرى مثل الحق في التنقل، بذريعة الحاجة إلى التعبئة من أجل حماية حقوق أخرى ترى الأنظمة والدول أنها الأولى بالحماية، على رأسها الحق في الحياة، بحجة أنها تشرط باقي الحقوق، ولأنها في غيابها تصبح الحقوق الأخرى بدون معنى. والملاحظ أن هذه الإجراءات لم تقتصر على الدول النامية، بل شملت حتى الدول الديمقراطية في أوروبا وأمريكا، وأقوى مثال في هذا الصدد تعليق فرنسا الحق في التظاهر بالنسبة إلى أصحاب السترات الصفراء، ومنع ذلك بالقوة، بحيث لم تختلف مظاهر العنف في حق المتظاهرين في باريس عن غيرها من دول عربية أو نامية.
بالنسبة إلى الحالة المغربية، ليس هناك جواب واحد عن هذا السؤال المتعلق بتأثير الجائحة على الوضعية الحقوقية، فالمقربون من السلطة يعتقدون أن التأثير كان محدودا، ومبررا، وفي إطار القانون، وهو موقف يجد مبرره في الظروف الاستثنائية. بالمقابل، يرى آخرون، بينهم سياسيون وحقوقيون، أن السلطة استعملت ظروف كورونا لمزيد من التضييق على الحقوق والحريات.
فقد رفض إدريس الأزمي، قيادي في حزب العدالة والتنمية، كل الادعاءات التي تفيد وجود انتهاكات لحقوق الإنسان خلال فترة كورونا، بما في ذلك الحديث عن وجود « مقاربة أمنية مهيمنة » على سياسات الحكومة، بل إن الأزمي رفض القول الرائج بخصوص تهميش دور السياسيين والمنتخبين، لصالح اتساع دور السلطة المحلية، ممثلة في القائد والباشا والعامل، معتبرا أن الذي العاملين في القطاع الصحي كانوا هم ضابطي الإيقاع لسياسة الدولة ككل خلال أزمة كورونا.
بالمقابل، تبنى محمد حفيظ، القيادي في الحزب الاشتراكي الموحد، موقفا مناقضا لمواقف الأزمي، مؤكدا أن خطاب الأزمي « يُظهر المغرب وكأنه ولد البارحة »، مؤكدا أن حقوق الإنسان تضررت كثيرا خلال الجائحة، داعيا الحكومة إلى الاعتراف بالأخطاء التي وقعت، ومنها مشروع القانون 22-20 الذي جرى سحبه بعد رد فعل مجتمعي قوية، وهو المشروع الذي سعى إلى تكميم أفواه المغاربة، وفرض رقابة شديدة على الانترنيت ووسائل التواصل الاجتماعي.
وبين موقف الأزمي وموقف حفيظ، برز رأي ثالث عبّر عنه عمر عباسي، القيادي في حزب الاستقلال المعارض للحكومة، الذي اختار إثارة « واقع حرية الرأي والتعبير »، وقال إن « صحافة التشهير يخلق تحديات جدية للمدافعين عن حقوق الإنسان وللحريات بالمغرب »، مؤكدا أن « المسار الديمقراطي ليس بالضرورة تصاعديا، فما سمي بقانون تكميم الأفواه شكل مؤشرا مزعجا لاستغلال الجائحة لتكميم الأفواه »، منتقدا هيمنة الدولة، وقال عباسي إنه « لا ديمقراطية بدون الأحزاب والمؤسسات التي تنبثق عن العملية الانتخابية »، موجها غضبه اتجاه الخطاب الذي يبخس دور الأحزاب السياسية ودور البرلمان في الرقابة والتشريع خلال الجائحة.
من جانبه، الخبير الحقوقي عزيز إدامين، استبعد حدوث تغييرات كبيرة في مجال حقوق الإنسان بالمغرب خلال فترة الكورونا، مقارنة مع ما تعرفه البلاد من سنة 2014، « حيث هيمنة المقاربة الأمنية على المجال العام، وتدبير الاحتجاجات والتظاهرات بمزيد من التضيق والمنع، كل ما حدث هو استغلال السلطات العمومية لحالة الخوف الكبيرة التي أحس بها المواطنين من هذا الفيروس من أجل شرعنة المزيد من العنف والمنع والاعتقالات بشكل تعسفي ».