بلال التليدي  يكتب: توجه تطبيعي يميني متطرف!

03 يناير 2021 - 19:00

ليس قصد هذه المقالة تقييم سياسة المغرب الجديدة لطي ملف الصحراء، ولا التدقيق في حسابات الربح والخسارة جراء ربط هذه القضية بعودة العلاقات مع إسرائيل. فالدولة بينت، من جملة سياسات ومواقف وتصريحات، أن عودة هذه العلاقات هي خيار الضرورة، وأن الضرورة تقدر بقدرها، وفوق ذلك، عبرت بشكل علني عن أنها مسألة فرعية على هامش القضية/الحدث، المرتبطة بكسب معركة الوحدة الترابية.

ينبغي التأكيد هنا أن عودة العلاقات مع الكيان الصهيوني ليس من السهل قبولها ولا استساغتها، وستظل موضع رفض دائم، بل موضع نقد واحتجاج، إلى أن تتخلق الشروط التي يتخذ فيها المغرب القرار الذي يناسبه، ويتماشى مع مزاج الشعب في هذه القضية، يوم يكسب قضية الصحراء، ويرى أن العلاقات مع إسرائيل لم تعد تشكل موضوع ضغط ولا مساومة.

ليس القصد اليوم النقاش في هذه الحيثية، وإنما القصد هو لفت الانتباه إلى توجه تطبيعي يميني متطرف يسعى إلى تحويل الخيار، الذي اعتبرته الدولة ضرورة لكسب قضيتها الأولى، إلى الحدث الأبرز، أو القضية الأساسية، فأصبح همه، بعدما انزاحت بعض حواجز الاحتجاج الشعبي، أن يدفع ما أمكن بعجلة التطبيع إلى أوسع نطاق.

يريد ذلك التوجه التطبيعي اليميني المتطرف أن يسير في موضوع التطبيع أسرع من وتيرة الدولة، وأكبر من أجندتها، وربما يريد أن يضعفها، ويورطها في ما تحذر منه.

يستثمر بعض هؤلاء حاجة السلطة السياسية إلى أن تقل التعبيرات النقدية والاحتجاجية لخطوة التطبيع، ويريدون أن يحولوا الرافض للتطبيع إلى خائن لقضية الصحراء، وخائن للوطن، وعدو للملك والشعب، بل يريدون أن يحولوا رفض التطبيع إلى جريمة جنائية، تتحرك بمقتضاها النيابة العامة لإنزال أقسى العقوبات على أصحاب الرأي المخالف.

يلبس بعض هؤلاء رداء الدفاع عن سياسات الدولة تكتيكا، لكنه، في العمق، يريد أن يفسد مقاربة الدولة، وأن يضع ون يضع وضع يده في يد من يريد للمغرب ألا يكسب شيئا سوى أن يتورط في تطبيع كامل مع الكيان الصهيوني، لا يقيده ضابط من دفاع عن شعب فلسطين، ولا مراعاة لحقوقه الثابتة.

لا يريد التوجه التطبيعي اليميني المتطرف، فقط، أن يفسد مقاربة الدولة، بل يستثمر حاجتها إلى خطاب سياسي إسنادي، لتحويل التطبيع إلى أجندة كاملة، تغيب فيها فلسطين، وحقوقها بالكامل، ويُدفع بمقولة: «إن المغرب غير معني بالصراع العربي الإسرائيلي»، فالأصل في المغرب أنه أمازيغي علماني، وأن الأمازيغ غير معنيين بهذا الصراع، لأنه يخص العرب ولا يخصهم!

يريد هذا التوجه المتطرف أن يصل التطبيع إلى ساحته المفضلة، ساحة التربية والثقافة والدين، أي إلى البنية التحتية، التي تقوم عليها شرعية الدولة، فيستمسك بذريعة حاجة المناهج والبرامج والمفاهيم الدينية إلى الغربلة والتطهير، وإلى إدماج مفاهيم التسامح والانفتاح ونبذ الكراهية، حتى يتسنى لهم وضع الأسس العميقة، التي تبرر كسر المقاومة النفسية للكيان الصهيوني، بل يريدون، على وجه أخص، تجريد الدولة من شرعيتها الدينية، وذلك بخلق بؤرة الصراع والتوتر داخل الحقل الديني لخلخلة مكوناته، وزعزعة الإجماع.

 لا يقبل هؤلاء أن يبقى سقف العلاقات واطئا، ويريدون أن يكسروا سقف الدولة المحدد بتمكين الجالية اليهودية في إسرائيل من زيارة المغرب، فهم يريدون تماهيا مطلقا، تغيب فيه كل الحدود، وتنتهي عنده قضية فلسطين وحقوق شعبها، بل ينتهي موضوع القدس بالكلية من مزاج الشعب، وتحل محل ذلك مقولة إن «المغرب غير معني بالشأن الداخلي لإسرائيل»!

من المفيد اليوم، وقد حصل ما حصل، أن تبقى جذوة المقاومة مستمرة، وأن يُطوَّق هذا التوجه التطبيعي اليميني المتطرف، ويُفضح أمام الشعب، ويبين وجه كسره لمقاربة الدولة، وسيره في الاتجاه المعاكس لأهدافها وأجندتها.

البعض منا، ممن يحمل قناعة مبدئية برفض التطبيع، أصبح يخاف اليوم إن عبر عن موقفه من أن يُحسب على مناهضة سياسة الدولة لكسب القضية الوطنية.

قد يكون خط الوقار لسياسة الدولة في هذه القضية الحساسة خيار الضرورة، أو خيار الأناة والروية، لكن، دونه، لا يمكن النزول إلى الدرجة التي يصبح فيها التوجه التطبيعي اليميني المتطرف مستأسدا، يفسد كل شيء، يقتلع أسس المقاومة من مزاج الشعب، ويسعى إلى تأصيل خلافها في مناهج التربية والتعليم، ويسعى إلى أن تسير وتيرة التطبيع بأجندة لم تفكر فيها الدولة ولم تخطط لها، بل يريد أن يلوي يد السلطة، ويستغل حاجتها اليوم، ليبني خيارا لاوطنيا، يجعل الدولة معه غدا عاجزة عن مواجهة ضغوط تسببت فيها تكتيكاتهم التطبيعية.

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مواطن منذ 4 أشهر

و كأن هناك تطبيع يميني معتدل… و تبقى ملاحظة أساسية : هناك إجحاف في مناصرة الشعب الفلسطيني إذا أُختزِلت فقط من منطلق ديني أو قومي. إنها أولا و قبل أي شيء قضية عادلة لشعب مضطهد سُلِبَت منه أرضه و ما زال يرزح تحت نير الإحتلال بغض النظر عن دينه و قوميته. و بالمناسبة، فالشعب الفلسطيني ليس عاى دين واحد أو عقيدة واحدة مادام هناك مكونات مسيحية و شيعية.

متتبع منذ 4 أشهر

نعم لقد برز التوجه التطبيعي المغالى فيه بقوة منذ الاعلان الرسمي عنه. وهذا التوجه يريد الذهاب بعيدا ليكسر جميع الروابط النفسية والمعنوية التي كانت تربط المغاربة باشقاءهم في الدين من الفلسطينيين بل ويعتبر القضية الفلسطينية خصمه اللدود الذي يستأثر بالتعاطف على حساب قضاياه الهوياتية الضيقة، وقد آن الأوان لكسر هذا التعاطف وفصل المتعاطفين والمؤمنين بالقضية من اجل اعلان الهوية الواحدة ولو تطلب الامر وضع اليد في يد الشيطان.

abdo aziz منذ 4 أشهر

لا بد من فضح اللئام

abdo aziz منذ 4 أشهر

لله درك . نعم لا من فضح اللئام الدين يريدون الاصطياد في الماء العكر

التالي