المغرب والصحراء.. الديمقراطية والحوار والعقل

10 يناير 2021 - 08:30

بيرنابي لوبيث غارسيا، باحث إسباني متخصص في الشؤون المغربية والعربية والإسلامية، وأستاذ فخري في الجامعة المستقلة لمدريد، وسبق أن درس في جامعة فاس ما بين 1974 و1976، ويعتبر أحد الباحثين الأوروبيين المعجبين بالمغرب وأهله، كما تربطه علاقات وطيدة بعدد كبير من الباحثين والأكاديميين المغاربة. لكن لديه موقفا متباينا من قضية الصحراء المغربية، إذ يعتقد أن الطرفين المعنيين المباشرين بالنزاع (المغرب، من جهة، والجزائر والبوليساريو، من جهة أخرى) لا يسهمان في إيجاد الحل، في ظل تمسك كل واحد بموقفه. بين ثنايا سطور هذا المقال، يظهر أن بيرنابي يؤمن بإمكانية أن تكون مبادرة الحكم الذاتي حلا ومخرجا للنزاع، شريطة العمل على أن تسود الديمقراطية والحرية والكرامة والحوار والعقل في المغرب، لأنه أفضل عرض يمكن أن يغري ويقنع الصحراويين، مهما كان موقف الطرف الآخر، أي البوليساريو. اختارت «أخبار اليوم» ترجمة هذا المقال الذي يقدم تصورا آخر لكسب قلوب وعقول الصحراويين، من أجل تقريب القارئ إلى طريقة تفكير الباحث الإسباني عندما يتعلق الأمر بقضية الصحراء، فما بالك بالمواطن الإسباني العادي الذي مازال يتأثر كثيرا بالخطاب الإعلامي الإيبيري الأقرب، في أحايين كثيرة، إلى الأطروحة الانفصالية.

@ ترجمة توفيق سليماني

[email protected]

قبل عشر سنوات من اندلاع نزاع الصحراء الغربية الممتد في الزمن، ألقى الرئيس التونسي السابق، الحبيب بوريقة، خطابا شهيرا يوم 3 مارس 1965 في منطقة أريحا الفلسطينية، انتقد فيه بشدة سياسة: «الكل أو لا شيء» التي قادت فلسطين إلى الهزيمة سنة 1949. أثارت تلك التصريحات الجدل في وسائل الإعلام القومية العربية التي شيطنت الرئيس التونسي، إلى درجة أن بلاده كانت قاب قوسين أو أدنى من أن تُطرد من الجامعة العربية بإيعاز من الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر. بعد عام من ذلك الخطاب، ستأتي الهزيمة الكبرى، وتَعَنُّت أكثر قوة، وأخطاء أكثر هوانا، وبعض التواطؤ الدولي بحكم الواقع؛ وكلها عوامل أدت إلى النزاع غير القابل للحل اليوم.

نزاع الصحراء، المرتبط بالتصفية الكلية للاستعمار، يحذو الحذو نفسه، حيث إنه لم يحل منذ 45 عاما. كل محاولات حلحلة الوضع عبر المفاوضات بين الطرفين اللذين تعترف بهما الأمم المتحدة، أي المغرب وجبهة البوليساريو، انتهت إلى الفشل بسبب تعنت سياسة «الكل أو لا شيء» التي يعتمدها الطرفان. الاقتراح الوحيد الذي كان من الممكن أن ينتهي إيجابيا كان جسده مخطط جيمس بيكر، المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة السابق إلى الصحراء. لكن المقترحين اللذين تضمنهما المخطط قوبلا بالرفض من الطرفين؛ الأول رفضته البوليساريو والجزائر؛ والثاني اعترض عليه المغرب.

لقد عرَّت الأحداث الأخيرة التي شهدتها منطقة الكركرات، في حدود الصحراء الغربية مع موريتانيا، زيف اتفاق وقف إطلاق النار الموقع سنة 1991 بين الأطراف. أقول إنه مزيف، لأن الحرب في السنوات الثلاث الأخيرة تمثلت في معارك الشيطنة المتبادلة، فيما حُرم السكان الأصليون من حقوقهم في الصحراء نفسها.

يبدو أن استئناف الأفعال العدائية يشكل بداية تغير استراتيجية المواجهة التي يعتمدها الطرف الصحراوي (الجبهة)، في توجيه للإحباطات المتراكمة لدى الأجيال الشابة في مخيمات تندوف، والتي سئمت السياسة التي تتبعها الأمم المتحدة، والقائمة على الدعوة إلى التفاهم بين الأطراف، والتي لم تمنع المغرب من التحرك بهدوء في الإقليم، متجاهلا حقوق المواطنين الصحراويين. لكن يبدو أن الاستراتيجية الجديدة للبوليساريو لن تؤدي إلى شيء يُذكر، بحكم اختلال موازين القوى بين الطرفين المتنافسين. المكسب الوحيد للجبهة سيكون إثارة الانتباه للتذكير بأن النزاع مازال مستمرا.

برزت أحداث الكركرات في ظرفية ينكب فيها العالم على مواجهة جائحة كوفيد-19، وفي عز الانتقال الرئاسي للحكم في الولايات المتحدة الأمريكية، الحليف التقليدي للمغرب، وفي ظل الفراغ النسبي في الحكم بالجزائر، الحامية الرئيسة لجبهة البوليساريو. ويبدو أن هذه الظروف لا تساعد على أن يحظى هذا النزاع بأهمية حقيقية تدفع الهيئات الدولية إلى الانشغال به. لقد استفاد المغرب من هذه الظرفية لتكريس سيطرته على المعبر باتجاه موريتانيا. وفوق هذا وذاك، حظي بدعم الرئيس دونالد ترامب، الذي يعتمد سياسة الهروب إلى الأمام، والذي يريد أن يترك لخلفه مشكلة كبيرة قد تكون لديها تداعيات سلبية جدا داخل المغرب، لأن المقابل كان الاعتراف المتبادل بين المغرب وإسرائيل، وهو شيء يبدو أن الرأي العام المغربي غير مستعد له ولا يستسيغه.

ولا تبرز الفَلَسْطَنَةُ التدريجية للنزاع الصحراوي («فلسطين جديدة في أراضي الصحراء» كان عنوانا لمقال استهلالي مكتوب سنة 1972 في مجلة أنفاس من لدن من سيؤسس، بعد وقت وجيز، جبهة البوليساريو، الوالي السيد)، فقط، في تشابه القضيتين في احتلال تراب دون اعتراف دولي، بل في التمييع الذي تعرض له هذا الملف في المشهد الدولي، بغض النظر عن القضايا التي تثير الاهتمام.

إذن، لا يبدو أن التخلي عن الالتزام باتفاق «وقف إطلاق النار» سيُكسر الجمود الذي يطبع النزاع. المغرب متشبث بالموقف المريح المتمثل في مقترح الحكم الذاتي الموسع الذي تقدم به، والذي لم يَتَجَسَّد في أي شيء منذئذ، لكنه يخدمه للتبرير أمام مجتمع دولي لا يطالب بأي شيء.

يتحدث ذلك المشروع عن الحكم الذاتي، والعفو، والمراجعة الدستورية، بما في ذلك انتخاب رئيس لمنطقة صحراوية تتمتع بالحكم الذاتي تنصبه جمعية عامة منتخبة، لديها صلاحيات واسعة، لكن هذه الأخيرة، وهي جوهر المشروع، لم يسبق أن حددت بالتفصيل. فالمقترح كان وعَد بالعفو العام وألا تكون هناك متابعات أو اعتقالات أو ترهيب للطرف الآخر. لكن، في الوقع، قام المغرب بالعكس تماما من خلال منع حق التعبير والتجمع للصحراويين. وفي 2011، قام بمراجعة الدستور المغربي، لكن الصحراء بقيت منسية، باستثناء ماكياج الاعتراف بالموروث الحساني.

أما جبهة البوليساريو، فهي ترفض رفضا مطلقا مناقشة مبادرة الحكم الذاتي، لأنها قد تبدو كما لو أنها تخلت عن تطلعها إلى الاستقلال؛ لذلك، فهي تركز على استفتاء تقرير المصير. لكن نزاعا معقدا جدا من هذا القبيل لا يحل بنعم أو لا في استفتاء حول التمسك بمبادئ مجردة، من قبيل «الاستقلال» أو «الانضمام إلى المغرب». ألا يمكن البحث عن طرق أخرى تضمن «وضعا متوافق عليه من الطرفين، بعيدا عن خطر ربح أو خسارة كل شيء»، كما قال أبراهام السرفاتي في رسالة سنة 2000 إلى الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة؟ مع استفتاء لاحق حول ما جرى التفاوض عليه؟

يحصر المغرب كل شيء في تنمية الصحراء على أساس الاستثمارات، لكنه ينسى الصحراويين، فأكثر من 100 ألف شخص يعيشون عيشة ضنكا في مخيمات تندوف. مقترح الحكم الذاتي (سنة 2007) يمنح «إعادة إدماج الصحراويين كليا في وسط المجتمع الوطني، في ظروف تحفظ كرمتهم، وسلامتهم، وحماية ممتلكاتهم». في سنة 2013، كان المجلس الاقتصادي والاجتماعي يتحدث عن الإدماج التدريجي للاجئين في تندوف، لكن هذا مستحيل دون مفاوضات.

اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، وفي وسط هذه الجائحة التي ستكون مكلفة للمغرب، هناك حاجة ملحة إلى التفاوض حول اتفاق في أفضل الظروف بغية إنهاء المشكل، مع الحرص على أن يكون الهدف هو عودة الصحراويين إلى أرضهم بكرامة، وأن يُضمن لهم العيش في سلام وحرية.

فالضمانات التي على المغرب تقديمها يجب ألا تكون فقط اقتصادية، ومناصب شغل وسكن، بل يجب عليه كذلك ضمان الديمقراطية التي تعترف بالهوية الصحراوية، وإقرار حكم ذاتي موسع يسمح لهم بتدبير شؤونهم. يقول المعارض المخضرم المغربي، محمد بن سعيد آيت يدر: «يجب أن يسود الحوار والديمقراطية لكي يعود الصحراويون الموجودون في تندوف إلى ديارهم، في المغرب؛ وأن يسود العقل على طبول الحرب».6

عن «إلباييس»

شارك المقال

شارك برأيك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التالي