تصوير عبد الله آيت الشريف
لا شيء يعلو على مشاهد أحجار الملح، وحبيباته المتناثرة في المكان، الذي خصص لاستقبال زيارة وزير الطاقة والمعادن والبيئة، عزيز رباح، للاطلاع على تجويفات الملح، التي تعتزم البلاد استخدامها في تخزين المحروقات، والمواد البترولية.
وعلى امتداد مساحات شاسعة، ضواحي مدينة المحمدية، تجري، منذ عام 1974، عملية استخراج الملح من أعماق الأرض، والذي يتم تسويقه داخليا، وخارجيا لاستعمالات متعددة، يبقى من أبرزها تجهيز البنى التحتية، والفلاحة، وإذابة الثلوج.
وبعد جلسة افتتاحية خفيفة للنشاط الرسمي، بدأت الترتيبات لبدء رحلة « خاصة »، لم يسبق لجل الحاضرين خوضها من قبل.
توجس ورهبة
مباشرة بعد اقتراح المنظمين على الحضور، من صحافيين، ووفد مرافق للوزير، فكرة الغوص في أعماق الأرض، للاطلاع على التجاويف، وطريقة استخراج الملح منها، بدت علامات الحيرة على بعض الوجوه، التي لم تحبذ هذه الفكرة، وفضلت البقاء فوق سطح التجويف، خوفا من مواجهة أي موقف.
ودقت ساعة الصفر، بعد ارتداء الأحذية الخاصة، والخوذات الواقية للرأس، وبدأ المصعد الحديدي الضخم، يخسف بخمسة أشخاص في كل مرة إلى باطن الأرض بعمق 450 مترا، وهو الرقم، الذي هز الثقة في نفس الكثير من الحاضرين.
وبمجرد الدخول في المصعد الشبيه بالزنزانة، تلفح جسمك لسعات برد بسبب التيار البارد، الذي يخرج من خنادق التجويفات السحيقة، يقول أحد مرافقي الصحافيين في الرحلة من عمال المنجم، محوالا طمأنة الجميع، هذا البرد « ناتج عن نظام التكييف الموجود في المنجم ».
ويستغرق المصعد في رحلة النزول « المهيبة » أزيد من دقيقتين قبل الوصول إلى أنفاق الملح، الممتدة على مساحة، يقدر طولها بحوالي 2,5 كيلومترات، وعرضها بـ1,5، وهي المسافة، التي احتضنت أشغال الحفر منذ تأسيس الشركة.
داخل الأنفاق
بعلو 9 أمتار، وعرض إلى 22 مترا، تخترق الأنفاق، الممتدة على الصخور الملحية اللامحة، وتعمل الآلات الكبيرة على استخراجه، وتعبئته في شاحنات كبيرة، تتكفل بإيصاله للوحدة، التي تسحبه نحو آلة كبيرة تعمل على سحقه، وتكسيره، وجعله قابلا للاستهلاك، والتصدير.
وأمام المشاهد، التي عاينها زوار المنجم، والتجويفات المرشحة لتخزين المحروقات، والمواد البترولية، تساءل بعضٌ بـ »براءة » بعدما شاهد وجود سيارات تتنقل بحرية داخل الأنفاق، والشاحنة الكبيرة، التي تنقل صخور الملح، قبل سحقها، كيف تم إدخال هذه الآليات إلى هذا المكان السحيق؟ فرد حسن، وهو أحد العمال بالمنجم « دخلت مجزأة، وأعيد تركيبها ».لى داخل المنجم، هو نفسه يستخدم في هذه العملية، إذ يمكنه أن يحمل شحنة تضم 6 أطنان من الملح، ومن خلال هذه الوسيلة، تعمل الشركة على استخراج كل إنتاجاتها من المادة.
القيمة المضافة
من داخل التجويفات العميقة، أوضح مدير شركة ملح المحمدية، عبد الرزاق الكماري، أن الشركة تستخرج، سنويا، ما بين 800 ألف ومليون طن، وتسجل رقم معاملات يصل إلى 200 مليون درهم سنويا في السوق الوطنية، فيما تبلغ عائدات التصدير حوالي 120 مليون درهم، كقيمة لما يناهز 700 ألف طن عبر ميناء الدار البيضاء.
وسجل الكماري أن الملح المغربي يصدر أساسا نحو الولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، وعدد من الدول الأوربية، التي تستعمله في إذابة الثلوج، حيث عبر عن صعوبة المنافسة في السوق العالمية بداعي أن الملح « متوفر في جل بلدان العالم »، لافتا الانتباه إلى أن التغيرات المناخية، وارتفاع درجة حرارة الأرض يؤثران في سوق الملح العالمية، واستعمالها في إذابة الثلوج في الدول الباردة، التي تعرف تساقط كميات كبيرة منه.
وسجل المسؤول ذاته أن خلق تجاويف لتخزين الهيدروكربورات، مشروع سيساعد الدولة في المستقبل على تحسين مخزونها من الكربورات، ويسع كل تجويف « 600 ألف متر مكعب، ويمكن أن يضاعف لمرتين، حسب الحاجة ».
خزانات ستوفر مئات الملايين
وبدا وزير الطاقة والمعادن، عزيز رباح، مزهوا بالمشروع الأول من نوعه، مبرزا أن إيجابيات التجاويف، التي يمكن استعمالها في التخزين تتمثل في كونها تجاويف « طبيعية، يمكن إنجاز بعض الأشغال البسيطة عليها لتصبح خزانات ».
وسجل رباح، في حديث مع « اليوم 24″، أن لجوء المغرب للتخزين في هذه التجويفات بدل بناء الخزانات العادية ستوفر « مئات ملايين الدراهم »، موضحا أن خزانا « واحدا بسعة 15 ألف متر مكعب، يكلف حوالي « 200 مليون درهم، اليوم هذه الكلفة لن نحتاجها ».
كما اعتبر رباح أن انخفاض كلفة التحزين بالنسبة إلى الشركات ستكون أقل مع هذه الخزانات الطبيعية، و »إذا كانت كلفة التخزين أقل، وهي تدخل في منظومة أثمنة المحروقات، أكيد سيستفيد منها، في نهاية المطاف، المواطن المستهلك ».
وأشار رباح إلى أن المغرب يتجه نحو التخزين المفيد، والمتضامن، مبينا أن هذا التوجه سيشجع الشركات على التخزين أكثر، ما سيعزز الأمن، والمخزون الطاقي للبلاد، وتمثل تقنية تخزين مواد الهيدروكاربور تحت الأرض في تجاويف الملح، منذ التسعينات في الولايات المتحدة، وكذا في دول أخرى.





