القضاة وفايسبوك.. "عبد النباوي" يكشف رأيه: واجب التحفظ يجعل القاضي أقل حرية من غيره

24 يونيو 2021 - 23:00

خرج رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، محمد عبد النباوي، ليعبر، اليوم الخميس، عن موقفه من النقاش المستمر، منذ أشهر، حول “تدوينات القضاء بوسائل التواصل الاجتماعي”، وذلك في ختام اليوم الأول من الندوة الوطنية حول مدونة الأخلاقيات القضائية، والتي عرفت نقاشا هو الأول من نوعه حول حرية التعبير عن الرأي لدى القضاة.

وقال عبد النباوي إن “موضوع الأخلاقيات موضوع خصب، وممتنع، وسهل ممتنع، وفيه بعض الصعوبات، لأن فيه إكراهات الضمير، وإكراهات النفس الأمارة بالسوء”، مؤكدا أن “المغريات أصبحت كثيرة، لاسيما ما يعرف بالفضاء الأزرق”.

وأضاف المتحدث ذاته: “حين يجلس الإنسان وراء الحاسوب، أو الهاتف، كأن بين يديه رشاش يحمل آلاف الطلقات، قد يحسن استعمال ذلك الرشاش وقد يسيء، ولكن الزناد تغري بإطلاق الرصاص، والذي يجب أن نستحضره هو الضمير الإنساني، هل الأخلاق تسمح بذلك؟ وما هي الأخلاق، التي يصنعها لنا المحيط والمجتمع؟”.

ويرى عبد النباوي أن “القوانين، والمدونات توضع ويُلزم باستعمالها، والالتزام بها أخلاقيا، أو قانونيا مع وجود الزجر والعقاب، ولكنها لا يمكن أن تضم كل الأشياء المحرمة، وكل الأشياء المباحة”، وتابع، “الأشياء المحرمة، أو المباحة، أو المستحبة أو المكروهة لن يبينها لنا إلا المجتمع، وقد نتساءل عن ما هي الصور، التي يمكن للشخص أن يضعها في حسابه الشخصي في وسائل التواصل الاجتماعي، وقد يكون في لباس حمام السباحة، أو لباس النوم، هل هذا جائز أم لا بالنسبة إلى القاضي؟”.

وخاطب عبد النباوي كبار المسؤولين القضائيين، الذين اجتمعوا في المعهد العالي للقضاء، وآخرون تابعوا اللقاء عبر تقنية (فيديو كونفرونس)، وقال: “لن تجدوا الجواب في هذه القاعة، بل ستجدونه عند المجتمع، هل يقبل المجتمع بظهور القاضي في فضاء عمومي بمظهر معين يخدش صورته، وبالتالي صورة القضاء”.

وأضاف عبد النباوي: “الناس قد تتساءل هل هذه صورة قاض ممكن أن يظهر هكذا؟، من أجل مثل هذه الأسئلة نجتمع اليوم، نريد بأخلاقنا وبضمائرنا أن نعرف ما يمكننا أن نقوم به، ولا يمكن، ولسنا هنا في المحاسبات الأخلاقية، ونريد أن يكون الرقيب على أعمالنا هو الضمير، وما يسمح لأحد القضاة في منطقة معينة قد لا يكون هو المسموح به في منطقة أخرى، لأن الأخلاق العامة تختلف من منطقة إلى أخرى، وفي بعض المناطق القاضي محروم حتى من الجلوس في المقهى، وممكن في منطقة أخرى أن يعاتبوه على الجلوس في مقهى، ولكن قد يعاتبوه على الجلوس في مقهى معينة”.

ويرى الرئيس الأول لمحكمة النقض أن تلك الأسئلة، “لا يمكن الإجابة عنها أجوبة بواسطة المدونة، أو القانون، ولكن سنجد جوابا عنها في حسنا الاجتماعي، الذي يجب أن نستنهضه، وهذه هي الغاية، فالغاية من المدونة ليس الحد من حرية القضاة في التعبير، ولن نقف للقضاة حاجزا لمنعهم من ممارسة حياتهم اليومية بشكل عاد، بل فقط لنساعدهم على حسن استعمال حرياتهم بشكل لا يتنافى مع نظرة المجتمع إلى القضاء”.

واسترسل عبد النباوي: “الحس القانوني موجود عند جميع القضاة، لكن عند الإقدام على أي شيء يجب النظر في ما إن كان مقبولا أخلاقيا عند المجتمع، وهل من الممكن أن يثير ردة فعل سيئة لدى الرأي العام؟”، وأضاف: “صفة القاضي هي ملازمة له في معاشه، وفي حياته وقد تصاحبه حتى مماته، وبالتالي حتى إن أراد أن يلبس لباسا يجب أن يطرح السؤال عما إن كان سيكون مقبولا لدى محيطه أم لا؟”.

وقال رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية،أيضا: “ليست لنا قوانين استثنائية، نحن ننهل من منبع واحد، هو منبع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، ونقتبس من أحس التجارب في الدساتير الكبرى في العالم، وكل ذلك يمنع من أن يكون التعبير قذفا، أو سبا، أو تدخلا في الحياة الخاصة للأشخاص، أو تحريضا على الجريمة، أو مسا بالأخلاق العامة، يجب أن تكون الكلمات المعبر عنها لا تمس باستقلال القضاء، ولا بشرفه، ولا بحياده، ولا بكرامته، ويجب أن لا تمس شأنا سياسيا، ولا شأنا نقابيا”.

ويرى عبد النباوي أن “واجب التحفظ يجعل القاضي أقل حرية من غيره في إبداء رأيه، ويجب النظر في مدى ملائمة رأي القاضي المعبر عنه مع واجبات القاضي الأساسية الناظمة لوحدته”، وتابع: “حين نعبر عن رأي ويُفهم منه أن القاضي تدخل، وأصدر رأي في أمر من اختصاص سلطة أخرى، نكون قد دخلنا إلى المنطقة الرمادية، إلى الخانة الضيقة، التي أصبحت تلامس واجب التحفظ في ضيقه وقد يتعرض للمساءلة، لذلك عليه أن يفكر أكثر من مرة”.

ويجزم المسؤول القضائي أن “مهنة القضاء ليست مهنة الحريات المطلقة، لكن حريات القضاء تكمن في استقلال القضاة، وفي شجاعتهم في أن يصدروا حكما ضد أي شخص خرق القانون، بغض النظر عن صفته، ومكانته، وهيبته، ومقامه، ولا هيبة له إلا الهيبة التي منحها له القانون”.

وزاد عبد النباوي: “هذه الحريات وهذه الشجاعة أسمى من الحريات العادية، التي يعبر بها القاضي عن رأي قد يقرأه بعض، وقد لا يقرأه آخرون، وقد يسمعه واحد، ولا يسمعه الآلاف، فشجاعتنا من نوع آخر”.

وخلص المتحدث إلى أن “المهمة صعبة جدا، والأمر لا علاقة له بعملية رقيب بين المجلس والقضاة، ولا موضع سجال بينهم، ولكن علينا أن نجتازها جميعا لكي نظهر أمام المجتمع في مظهر لا يلقي بنا كقضاة”، مضيفا، “الكثير من الزملاء يقولون نحن قضاة ولسنا موظفين، ويعبرون عن ذلك بخيلاء، وزهو، وشموخ، وكل ذلك له ثمن غال، يعطيه القاضي من أعصابه، التي يجب أن يضغط عليها حتى لا يبدي ما بداخله، فيؤثر على استقلالية القضاء”.

شارك المقال

شارك برأيك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

التالي