السياسة والسمك.. أو دبلوماسية وزن الريشة

26 يوليو 2013 - 11:56
 
إذا أردت أن تعرف وزن المغرب الدبلوماسي وحجمه على المستوى الإقليمي، حتى لا نقول الدولي، وطبيعة سياسته الخارجية، هل هي ناعمة أم صلبة، مرتخية أم حازمة؟ فما عليك إلا أن تطالع أزمة تجديد اتفاقية الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوربي، التي وجدت لها حلا أول أمس بعد أن طالت لمدة 18 شهرا.

 كيف حلت هذه الأزمة؟ وعلى حساب من؟ وما هو السياق الذي دفع الرباط وبروكسل إلى التوصل إلى اتفاق ترجع بمقتضاه 126 سفينة أوربية للصيد في المياه المغربية؟ 

لنعرض المشكل أولا قبل الخوض في تفاصيل الحل. في نهاية سنة 2011 رفض البرلمان الأوربي التصويت على تجديد اتفاقية الصيد البحري مع المغرب، ليس لأن ثمن كراء المغرب لشواطئه للأوربيين مرتفع، ولا لأن جودة السمك المغربي مشكوك فيها، أبدا، الاتفاق في صالح الأوربيين، والإسبان تحديدا، الذين يصطادون آلاف الأطنان من السمك كل سنة مقابل ثمن رمزي لا يتجاوز 40 مليون أورو في السنة، وهو رقم لن يغني خزينة الدولة ولن يفقرها، بالعكس، لو تخلصت البلاد من هذا الاتفاق ستكون هناك فائدة اقتصادية أكبر بالنسبة إلى الشركات المغربية العاملة في القطاع، والثروة السمكية، والسوق الداخلية. المهم، جيراننا الأوربيون رفضوا تجديد الاتفاق لأسباب سياسية وليس اقتصادية. إنهم يرفضون إدخال الأقاليم الصحراوية ضمن شباك الصيد لأن هذه الأقاليم متنازع عليها بين المغرب وجبهة البوليساريو، ومن ثم يجب إخراجها من الاتفاق حتى لا يُتهم الأوربيون المنافقون بأنهم مع المغرب ضد البوليساريو، أما اتفاقية الشراكة المتقدمة فهي لا تساوي الحبر الذي كتبت به. 

معنا فقط يكتشف الأوربيون المبادئ والقانون الدولي، أما عندما يرفضون مطلقا الحركات الانفصالية في أوربا فتموت آنذاك شعارات تقرير المصير. المغرب غضب من قرار البرلمان الأوربي، واكتشفنا أن وزننا الدبلوماسي في بروكسل هو وزن الريشة، وأننا غير قادرين على الدفاع عن اتفاق في صالح الصيادين الأوربيين قبل غيرهم.

 ما هو الحل الذي توصل إليه المغرب والاتحاد الأوربي بعد أيام من زيارة الملك الإسباني خوان كارلوس للمغرب للدفاع عن بواخر الصيادين الإسبان؟ فمن أصل 126 باخرة أوربية، التي ستصطاد في المياه المغربية، هناك 100 باخرة إسبانية، وهذا ما يفسر مجيء خوان كارلوس متكئا على عصاه، ومغالبا المرض والشيخوخة من أجل إعادة الرونق إلى صورته التي اهتزت في إسبانيا بسبب متاعب العائلة، وتورط بعض أفرادها في تجاوزات مالية مازالت معروضة على القضاء. فبعد أيام من زيارته للمغرب، حُلت العقدة، وسيرجع آلاف الإسبان إلى عملهم في المياه المغربية، وهذه أكبر عملية علاقات عامة لملك في عيون شعبه. 

هل سيغمض الأوربيون عيونهم عن الاتفاق بعد أن حفرت الأزمة الاقتصادية عميقا في القارة العجوز، أم إن الرباط تنازلت عما كان يعتبر من المقدسات، أم جرى الوصول إلى حل وسط؟ إلى الآن هناك تضارب في التصريحات بين المسؤولين المغاربة والأوربيين. وزير الفلاحة والصيد البحري، عزيز أخنوش، يقول إن اتفاق الصيد البحري الجديد مع الاتحاد الأوربي يمتد من طنجة إلى الكويرة، وهو ما يعني أن المغرب فرض وجهة نظره بعد 18 شهرا من توقف الاتفاق بسبب الأقاليم الصحراوية. لكن، في المقابل، قالت ماريا دمناكي، ممثلة المفوضية الأوربية، لوكالة الأنباء الفرنسية: «إن الاتفاق يحترم القانون الدولي، وقد راعينا خلال المفاوضات مع المغرب أهمية استفادة سكان الصحراء من العائدات المالية للاتفاق من أجل تطوير وتنمية المنطقة». كلام المسؤولة الأوربية يحتمل كل التأويلات.

الاتفاق مازال مشروعا ولن يدخل حيز التطبيق قبل عرضه على البرلمان الأوربي وعلى البرلمان المغربي. والظاهر الآن أن هناك توافقا براغماتيا بين الطرفين؛ المغرب يوقع على اتفاق من طنجة إلى الكويرة دون استثناء الشواطئ الصحراوية، والأوربيون يوقعون على اتفاق ينص على استفادة الصحراويين من العائدات المالية للاتفاق، أما عراب الاتفاق في كواليس البرلمان الأوربي فلن يكون سوى الإسبان الذين تضرروا من تعليق شباكهم لمدة 18 شهرا.

في كل هذه «الحريرة» المغرب هو الخاسر، مرة عندما قبل 40 مليون أورو سنويا مقابل آلاف الأطنان من السمك (سألنا وزارة الفلاحة والصيد البحري عن الكمية التي يصطادها الأوربيون كل سنة من المياه المغربية، فرفضوا إعطاءنا أي رقم)، ومرة عندما سيقبل التمييز بين مواطن صحراوي وغير صحراوي في اتفاقية دولية، هنا تنمو جذور الانفصال على نار هادئة، فهل يمتلك البرلمان المغربي بعضا من الجرأة لإسقاط هذا الاتفاق؟ سنرى.

 
شارك المقال

شارك برأيك
التالي