الرسائل الضمنية لخطاب العرش

31 يوليو 2013 - 13:41

. واستعرض ملك البلاد أمام الشعب الرحلات التي قام بها إلى الخارج (إفريقيا والخليج)، والمجهودات التي يقوم بها في أربعة أوراش كبرى على الأقل وهي: الفلاحة ومخططها الأخضر، والسياحة ورؤيتها لـ2020، والطاقة المتجددة ومشروعها الضخم، والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي يباشر الملك مشاريعها كل يوم تقريبا منذ سنة 2005… هي إذن مشاريع كبرى انطلقت قبل مجيء حكومة بنكيران، وقبل الدستور الجديد، وقبل إعادة توزيع السلط بين الجالس على العرش والحكومة المنتخبة، وهي مستمرة بعد كل هذا.

أكثر من هذا، استبق الخطاب الملكي القانون المالي لسنة 2014، وتنزيل توصيات المناظرة الوطنية حول الضريبة، التي نصت على ضرورة إنهاء الإعفاء الضريبي عن الفلاحة، الذي كان من المنتظر أن ينتهي بنهاية هذه السنة. استبق الملك كل هذا، وأعلن قراره إبقاء الإعفاء الضريبي على الفلاحة المتوسطة والصغيرة، وإنهاء إعفاء المشاريع الفلاحية الكبرى…. وهو الأمر الذي سيدفع الحكومة إلى السير على النهج ذاته في مشروع القانون المالي الذي سيبدأ الإعداد له في الشهر القادم، قبل عرضه على البرلمان في أكتوبر المقبل.

خطاب العرش لهذه السنة يضع النقط على الحروف في ما يخص الجدل والتأويل الذي أثير حول إعادة تعريف دور المؤسسة الملكية في النظام السياسي المغربي ما بعد دستور 2011، وما إذا كنا أمام استمرار الطابع الرئاسي للمؤسسة الملكية أم إننا نتجه إلى المنحى البرلماني للقصر. الخطاب كان واضحا، وهو يقول: ملك ما قبل دستور 2011 هو ملك ما بعد 2011. ملك يباشر المشاريع الكبرى ويتتبع إنجازها على أرض الواقع بما تحتاجه من تسويق إعلامي وإمكانات مالية وتعبئة لوجيستيكية. وهو يقول كلمته الفصل في موضوع يظهر أنه جزئي، ويتعلق بالسياسة العمومية في مجال الضريبة الموكول ظاهريا إلى الحكومة، وهو موضوع الضريبة على الفلاحة، ويمارس وظائفه الدبلوماسية في الخارج كمجال محفوظ لا نزاع ولا تنافس فيه. هذا علاوة على وظائفه في الحقل الديني والأمني والعسكري.

والواقع أن هذا المنحى في قراءة الدستور وفي تنزيله على أرض الواقع لا يبتعد، ظاهريا على الأقل، عن فهم وخطاب رئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران، الذي مافتئ يقول إن الملك هو رئيسي (mon patron)، هذا في الوقت الذي كان عدد من الباحثين الدستوريين يعتقدون أن الوثيقة الدستورية الجديدة ترسي شراكة بين الملك ورئيس الحكومة، وأن العلاقة بينهما يجب أن تبنى على أسس التعايش cohabitation، وليس على أساس علاقة رئيس بمرؤوسه، لأن الشراكة والتعايش هما اللذان سيسمحان بتطوير نظامنا السياسي وإرساء مؤسسة رئيس الحكومة داخله، بما يستتبع ذلك من ربط المسؤولية بالمحاسبة والقرار بصناديق الاقتراع. 

منذ مجيء عبد الإله بنكيران إلى الحكومة وهو يجاهد من أجل التطبيع مع السلطة والاندماج السلس للإسلاميين في ظل نظام سياسي كانت ولاتزال له حساسية مفرطة ممن ينافسه على شرعية السماء. لهذا يخطئ الكثيرون عندما ينتظرون من رئيس حكومتنا تنزيلا ديمقراطيا للدستور، أو إنجازات اقتصادية أو اجتماعية كبيرة، أو مشروعا للانتقال الديمقراطي في المملكة. هذه، أيها السادة، ليست هي أولويات بنكيران، الآن على الأقل، وإن كانت رغبته في تحقيقها لا شك فيها، لكن عقله السياسي وتركيزه كله منصب حول مشروع آخر. إنه لن ينسى أن حزبه كان قاب قوسين أو أدنى من الحل سنة 2003 عندما طرح مشروع قرار حل حزب المصباح باعتباره مسؤولا أدبيا عن الإرهاب وفكر الإرهاب. وبنكيران لم ولن ينسى أنه عاش ثلثي حياته يقنع وزير الداخلية إدريس البصري بإعطائه وصل ترخيص جمعية وحق إصدار جريدة، وهو مازال يتذكر كيف شن حزب الأصالة والمعاصرة عليه حربا ضروسا، ومنعه من تسيير عدد من المدن عقب انتخابات 2009. والآن عندما قدمت له رئاسة الحكومة على طبق من ذهب فإنه لن يدخل في أي صراع أو تدافع (بلغة الإسلاميين)، أو حتى اجتهاد قد يغضب أحدا من السلطة. مشروعه الأول الآن هو التطبيع الكامل مع الدولة وبناء حزب قوي وواسع، والباقي في علم الله.

 
شارك المقال

شارك برأيك