مرضى السرطان في المغرب: «لا تعتبرونا في عداد الأموات»

11 أغسطس 2013 - 11:05

 

 

«أنا راضية…المرض عطاه ليا ربي ما عندي ما ندير له…» تقول مليكة وهي تغالب دموعا أبت أن تذرفها أمام المارة…مليكة، هجرت مدينتها تازة هربا من نظرة محيط يحسبها في عداد الأموات بسبب إصابتها بمرض السرطان…«بعت الدار فتازة ورحلت لمكناس اللي ما كيعرفني فيها حد، الناس غير عرفوني مرضت بـ«الكونسير» «بداو كيعزيو ولادي فيا…كلشي حاسبني دابا من الموتى…»

باعت مليكة منزلها بتازة، وحملت سنواتها التسعة والخمسين وأبناءها السبعة في اتجاه مدينة مكناس، أملا في محيط أكثر تفهما ومنزل أكثر قربا لمدينة الرباط، لتكون رحلاتها المكوكية أكثر سهولة نسبيا…«بعد ثلاث سنوات من التنقل بين الأطباء، اكتشف أحدهم إصابتي بسرطان الرحم…نصحني بالتوجه فورا إلى العاصمة للبدء في رحلة العلاج الطويلة…»

 

بين سندان المرض ومطرقة تكاليف العلاج…

حال مليكة، لا يختلف كثيرا عن حال العديد من المصابين بمرض السرطان، فالتنقل من مدينة إلى أخرى لتلقي العلاج أضافت لمعاناة المرض معاناة المصاريف المادية التي تثقل كاهل الأسر البسيطة، فتكاليف السكن في الرباط أو في المدن الكبرى ليست بالأمر الهين، إذا أضيفت له مصاريف التنقل والأدوية.

بوصولها إلى الرباط، وجدت مليكة نفسها أمام تحديات كثيرة، بين بدء رحلة العلاج الطويلة بعزيمة قوية، وبين توفير السكن والمأكل والمشرب لها ولابنتها التي رافقتها… «راجلي عسكري متقاعد، على قد الحال الله يكون فعوانو…فالأول تكلفت بيا بنت اختي من الرضاعة، لكن بديت كنحس براسي ثقلت عليها لأن العلاج كيطول، ومشات بنتي كتخدم فالديور باش تصرف علينا…» عمل ابنتها كخادمة في المنازل كان كفيلا برفع بعض التكاليف عن كاهل الأسرة، ليس بمدخوله، وإنما لأن الفتاة تعرفت عن طريقه على منزل «الحاجة خديجة» الذي تفتحه أمام المصابات بالسرطان، وتتكفل بتوفير الأكل والنقل لهن، وتسمح بسكن مرافقة مع المريضة للاعتناء بها…فانتقلت مليكة وابنتها إلى «دار جنات» أو منزل «الحاجة» كما يسميه أهل الحي، لتلتقي بنساء يقاسمنها نفس المعاناة مع السرطان…

 

اختلفت الأسباب والسرطان واحد…

عقارب الساعة تشير إلى الخامسة بعد الزوال… تتعالى الضحكات والأصوات في منزل «الحاجة»، فبعد يوم طويل في المستشفى، تسلي نزيلات «دار جنات» بعضهن البعض بالحديث وتبادل حكاياتهن مع السرطان… 

«فبلادي ما كيعرفوش مرضي» تقول رقية التازية، كما تناديها صديقاتها، شابة في نهاية عقدها الثالث، شربت من نفس الكأس الذي شربت منه مليكة، فإصابتها بالسرطان، منذ عشر سنوات كانت بداية نهاية حياتها الاجتماعية… «محيطي لم يرحمني، فحتى أقرب المقربين مني «شمتو فيا» وأصبحوا يرفضون مخالطتي ربما ظنا منهم أنني «غانعاديهم،» أو أنني سأطلب منهم تغطية تكاليف علاجي وأصبحوا يسمونني بـ«تريكة المرض». جعلوني أحس أنني دون أي قيمة في المجتمع، إذ تحولت من الفتاة اليتيمة الجميلة التي كانت معيل أسرة الجندي الشهيد، إلى المريضة العالة التي بمرضها أصبح الجميع يتحاشاها ويتحاشى أسرتها خوفا من أن يطلبوا إحسانهم…«حديث رقية هنا ليس عن جيرانها أو أصدقائها، بل عن عائلتها المقربة من أعمامها وأخوالها الذين جعلوا من مرضها مادة تندّر، خصوصا بعد أن قام خطيبها بفسخ الخطوبة بعد علمه بمرضها ليتزوج بابنة خالها، ولجوئها إلى الطب النفسي لتجاوز صدمة الإصابة بالمرض في سن مبكرة…«لم تؤثر في صدمة الإصابة بالسرطان بقدر ما أثرت في الطريقة التي عرفتها بها…

فبسبب الأعراض التي كنت أعاني منها كنت أتابع العلاج لدى طبيب عام لمدة طويلة، ويوم جئت أبشره بخطبتي لأنه كان دائما ما يمازحني بخصوص تأخري في الزواج، وجدته يطالع أوراقا على مكتبه بوجه متجهم، ليرفع رأسه ويقول لي دون مقدمات «واش عندك شي أملاك؟ سيري بيعيهم ونزلي للرباط تداواي راه فيك المرض الخايب… «لا أستطيع وصف حالتي النفسية حينها، لكن ما زلت أعاني من توابعها ليومنا هذا، إذ لا أستطيع متابعة العلاج بطريقة طبيعية دون مرافقة نفسية».

 

في الطريق إلى العلاج…

حكاية رقية ومعاناتها لم تنته مع ابتعادها عن محيطها «غير المتفهم» وتوجهها إلى مدينة الرباط لتلقي العلاج، لكنها بدأت فصولا جديدة زادت الطين بلة… «التكرفيس اللي دوزتو أنا ما دوزو حد» تؤكد رقية وهي تحكي قصتها مع مدينة الرباط و«مسلميها» كما تقول…«أول مرة جئت فيها للرباط كانت في شهر رمضان، لسوء حظي تأخر القطار لأتأخر عن المستشفى الذي وجدت أن موظفيه قد غادروا عملهم…ما يعني أنني اضطررت إلى قضاء الليلة أنا وأختي في الرباط التي لا نعرف فيها أحدا…اضطررنا إلى قضاء تلك الليلة في المحطة الطرقية «القامرة» في انتظار طلوع النهار، لنتوجه إلى المستشفى على أساس أن آخذ موعدا ونعود أدراجنا إلى مدينتنا في انتظار حلوله، إلا أن حالتي الصحية آنذاك جعلت الطبيب يستعجل قيامي ببعض التحاليل…» 

 

انتقال رقية المفاجئ للسكن في الرباط جعلها أمام تحدي إيجاد مأوى. 

لجأت في البداية إلى اكتراء «سداري» هي وأختها في دور الصفيح القريبة من المستشفى مقابل عشرة دراهم لليلة الواحدة لكل منهما…استمر مقام رقية في «البرارك» حتى أجرت عملية استئصال الثدي…لتستيقظ في ليلة من الليالي على صوت الجرافات التي أتت لتهدم الدوار الذي تقيم فيه، ليدلها فاعلو خير على «دار جنات» التي تقيم فيها منذ ذلك الحين.

 

عندنا الله…

«دار نسيبة»، تقدم هي الأخرى المأوى لنساء يصارعن الموت، زينب واحدة منهن…امرأة في بدايات عقدها الخامس، الأخت الكبرى لأربعة فتيات يتيمات الأب، تركت مدينتها وأسرتها التي تعولها لتعالج من سرطان القولون الذي اكتشفت إصابتها به منذ ثلاثة أشهر «كنت أنا المعيل الوحيد لأسرتي، بعد مرضي، لم أعد استطيع أن أتابع عملي في الخياطة، ولم يعد لنا معيل ولكن «عندنا الله»…

رحلات زينب من وإلى الرباط استنزفت مذخراتها ومذخرات أسرتها الصغيرة… «أول ما جيت للرباط بقيت نازلة فأوطيل، ما كننتش كنعرف الجمعيات، كنت كنضطر نبقى نمشي ونجي فحالة ايلا ما لقيتش الدوا باش ما نزيدش مصاريف السكنى»… تكاليف التنقل والعلاج جعلت التطوانية تفكر جديا في ترك العلاج والاستسلام للأمر الواقع، الشيء الذي أوقفه تدخل إحدى الجمعيات بمدينة تطوان التي دلتها على «دار نسيبة» لإيواء مرضى السرطان…«بعدا هنا جالسة بكرامتي، ما كاينش اللي كيطالبني بشي حاجة، وحتى حد ما كيخليني نحس بالدونية أو النقص، وايلا احتاجيت الدوا كيوفروه لي». تشرح وهي تكفكف دموعها التي غالبتها… «الإنسان لا يملك أعز من كرامته، لذلك أناشد وزارة الصحة والعاملين في المستشفيات بحسن معاملة مرضى السرطان، فالعامل النفسي من أهم مداخل العلاج…ولا أريد أن أستفيض في هذا الموضوع أكثر من هذا» تقول وهي تمسح دموعا أنزلتها ذكرى حادثة وقعت لها في المستشفى رفضت أن تكشف تفاصيلها، لتنشغل بترتيب أوراق ملفها الطبي استعدادا ليوم جديد للتنقل بين المستشفيات…  

«هاد المرض كيساوي الكل وكيخلي كلشي ضعيف…» جملة لخصت بها زينب حال مرضى السرطان… تتعدد أسماؤهم وحكاياتهم مع المرض والتكاليف المادية للعلاج… معاناتهم تساوي  الرجل والمرأة، الغني والفقير، لكن يبقى القاسم المشترك بينهم هو حاجتهم للدعم النفسي من الأسرة، من المحيط، ومن المجتمع الذي يرفضون نظرته إليهم على أنهم في عداد الأموات…

 

«الراميد»…معاناة أخرى

«الحكومة دارت خير تكملو.» تشرح رقية ما تصفه بمأساتها مع نظام المساعدة الطبية «الراميد»…»أنا من مدينة تازة، أصبت بالسرطان قبل عشر سنوات، أي قبل مدة طويلة من انطلاق الراميد، كل مراحل علاجي كانت في الرباط، هناك طبيب يتابع حالتي منذ وصولي لمستشفى مولاي عبد الله، وشاء الله أن أصاب بالمرض مجددا، لأفاجأ عند انتقالي للرباط لاستئناف رحلة العلاج بإدارة المستشفى تخبرني أنني لن أستطيع أن أستفيد من الخدمات التي يوفرها «الراميد» إلا في مدينة فاس…أيعقل أن أبدأ رحلة العلاج من الصفر؟  أن أعاود رحلة البحث عن المسكن والجمعيات مرة أخرى؟»

رفض إدارة المستشفى لبطاقة الراميد التي تحملها، جعل رقية تضطر لمحاولة تدبر أمرها بمساعدة المحسنين الذين يقدمون المساعدات لنزيلات «دار جنات» وغيرها من الدور التي فتحها أصحابها لإيواء المصابين بمرض السرطان…

 

مصطفى شكدالي :  أستاذ علم النفس الاجتماعي

المغاربة يسبون بعضهم بـ«سير الله يعطيك الكونسير»

 

>  كيف يتمثل المجتمع المغربي مرض السرطان؟

< في المجتمع المغربي نتمثله بأنه الموت القاتل، والأكثر من ذلك أنه حتى في إطار السب والقذف المتبادل داخل الأوساط الاجتماعية نستعمل عبارة «سير الله يعطيك الكونسير» لكونه يعتبر من المصائب الكبرى في التداول الاجتماعي. علاوة على أن المغاربة يسمونه بـ»المرض الخايب» لأنه يمثل «النهاية» في التداول الشعبي الاجتماعي، على الرغم من أن له مراحل ودرجات تكون فيها فرص العلاج منه مرتفعة خصوصا في مراحل المرض الأولى.

 

> بماذا تفسرون نظرة المجتمع المغربي هاته لمرض السرطان والمصاب به؟

< نظرة المجتمع للسرطان والمصاب به  تنبثق مما سلف ذكره، وأننا نتعامل مع مريض السرطان بنوع من الشفقة، وربما بنوع من الإقصاء، وفي بعض الحالات كذلك نتعامل معه على أساس أنه عقاب إلهي مع العلم أنه قد يصيب أي شخص.

وفي هذه الحالة يكون لدى المصابين بهذا الداء معاناة نفسية مزدوجة، معاناة من نظرة المجتمع إليهم من جهة، ومن جهة أخرى يحضر هاجس الولوج للعلاج، إذ نلاحظ  تمركزه في مدينة الرباط والدار البيضاء أو المدن الكبرى التي تتوفر على مستشفيات جامعية، مما يزيد الطين بلة، لأنه في هذه الحالة تضاف للمصاب معاناة أخرى   وهي الإقامة في مدينة بعيدة عن مدينته. 

 

> العديد من المصابين بهذا الداء يعانون من مشكلة إيجاد مسكن في المدن التي يقصدونها للعلاج، ما تأثير هذا على نفسيتهم؟

< معاناة التنقل ومعاناة الإقامة، تُدخِل أسرة المصاب هي الأخرى في المعاناة،» وما كيبقاش غير المريض هو اللي مريض كيولي حتى المحيط ديالو مريض بذلك»، لكون المصاريف تصبح كثيرة ، ولأن رحلة العلاج هذه من مدينة إلى مدينة أخرى تتطلب الكثير من التضحيات، فهناك من يترك عمله الذي قد يكون المدخول الرئيسي للأسرة، والمعاناة تتضاعف لأن المصاب في هذه الحالة عوض أن يركز على مرضه وألمه يركز في ذهنيته على ظروفه وظروف أسرته المادية، وفي كثير من الأحيان يلجأ المريض هنا إلى إحسان المجتمع والجمعيات الخيرية لتوفير المسكن والأدوية. مسألة الإحسان هذه هي منارة من نور، و تآزر بين فئات المجتمع، وتقوم بأدوار غابت عنها مؤسسات الدولة .

في اعتقادي، هناك السرطان الذي يصيب جسم الفرد ، وهناك سرطان من نوع آخر وهو مخلفات السرطان الاجتماعية، بمعنى أن ما تثيره الإصابة بهذا المرض داخل المجتمعات من ردود الفعل ومن التكاليف القوية ومن الرحيل من مدينة إلى مدينة، هو سرطان آخر بحد ذاته يسري في عروق المجتمع بفعل السرطان الحقيقي الذي يصيب جسم الإنسان، لذلك أعتقد أنه يجب التفكير جديا على مستوى الدولة في لا مركزية العلاج، بمعنى أن لا نمركز التطبيب لأمراض من هذا النوع، في مدن الرباط والدار البيضاء، فالمغرب شاسع وبالتالي يجب أن نفكر في  مناطق أخرى بعيدة كل البعد عن التطبيب فيما يخص مرض السرطان والأمراض الخطيرة.      

    

> بماذا تنصحون مريض السرطان للتخلص من عقدة النقص تجاه نظرة المجتمع السلبية لهم؟

< قد يقول البعض أن الوازع الديني قوي في المجتمع، لكن في بعض الحالات نغيب هذا الوازع، لذلك يجب أن يتسلح المريض بإيمانه القوي وأن تكون له هذه العزيمة. وأعتقد أن على المريض أن يتسلح بقوته، لأن الأمراض السرطانية تستوجب أن تكون الحالة النفسية مستقرة، وفي سبيل التغلب عليها يجب أن ندخل معها في صراع من نوع آخر، يعني  أن نقاوم بطريقة سيكولوجية تجعل منا نتقبل المرض وفي نفس الوقت لا نخضع له، ولا نخضع لهذه النظرة الاجتماعية التي تنطوي على كثير من السلبية في بعض الأحيان. والنصيحة في هذه الحالة يجب أن لا توجه للمريض، «فالمريض كيبقى مريض خصو يديها فمرضو»، النصيحة في اعتقادي يجب أن توجه للمجتمع ليخرج من هذه النظرة التنميطية والتحقيرية في  بعض الحالات، ودعم المصاب بهذا الداء، فمساعدة محيط المريض له شيء مهم وأساسي في سيرورة العلاج.

 

شارك المقال

شارك برأيك