الدولة العميقة من تكون؟

13 أغسطس 2013 - 14:22

 

ما يجري اليوم في مصر من وقائع انقلاب على صناديق الاقتراع وعلى شرعية من كان يحكم بنتائجها، تمرين سياسي وفكري وتحليلي يجب أن ينتبه إليه كل من هو مشغول بمسارات «التحول الديمقراطي» في العالم العربي، لأن ما يدور في مصر هذه الأيام يشبه في خطوطه الكبرى الأوضاع في باقي الدول العربية، ونعني بالأخص صعوبة التحول إلى الديمقراطية، ووجود ما يسمى بـ«الدولة العميقة» التي ولدت وتربت في بيت الاستبداد العربي، وصارت اليوم حاجزا أمام أي إصلاح سياسي، خصوصا إذا جاء هذا الإصلاح على ظهر ثورات الربيع العربي، أو على يد من هم خارج مؤسسات النظام القائم.

الدولة العميقة في مصر، مثل المخزن في المغرب، مفهوم معقد وملتبس، لكنه يؤدي وظيفة تحليلية وإعلامية تساعد على فهم تعقيدات دولة الاستبداد العربي، خصوصا زمن الإصلاح، خاصة عندما يكون الإصلاح من الداخل دون هدم مؤسسات الدولة وإعادة تشييد أخرى جديدة. 

الدولة العميقة في مصر تتشكل من الجيش (1.5 مليون) والإدارة (حوالي 6 ملايين موظف) والمؤسسة الأمنية (شرطة ومخابرات وحرس جمهوري)، ثم تأتي وسائل الإعلام المملوكة للدولة، أو التي وضعت في يد رجال أعمال موالين للنظام، ثم الأزهر كمؤسسة دينية توفر غطاء روحيا للسلطة، وتنافس المعارضة على «الإيديولوجيا الدينية» في المجتمع، ثم تأتي طبقة رجال الأعمال التي حصلت على امتيازات وصفقات وريع ضخم نتيجة مسلسلات الخوصصة أو فساد نظام الصفقات العمومية.

الدولة العميقة هذه عمر مؤسساتها يختلف من واحدة إلى أخرى، لكن الجيش أقدمها، لهذا فإن هذا الجيش اليوم في قلب الصراع على السلطة، لأنه القوة الوحيدة المنظمة والمسلحة، ولأنه يدير امبراطورية اقتصادية تتحكم في  أكثر من 20 % من الناتج الداخلي الخام، ولأنه مرتبط باستراتيجية دفاعية إقليمية معقدة تلعب فيها أمريكا دورا كبيرا لصالح إسرائيل واتفاقية كامب دايفد التي أخرجت مصر من معادلة الصراع العربي -الصهيوني، بالإضافة إلى ارتباط الجيش المصري بمخططات واستراتيجية البانتاغون الأمريكي في المنطقة.

الدولة العميقة هذه كبرت وامتدت جذورها في الأرض وأغصانها إلى السماء على مدار عقود من الاستبداد وغياب دولة القانون والحدود الفاصلة بين المؤسسات، من فترة محمد علي إلى زوال محمد حسني مبارك، ولهذا السبب صارت هذه الدولة العميقة قوة ضاربة في الدولة، أكبر أحيانا من مؤسسة الرئاسة (لقد رأينا كيف أن الجيش في مصر قاوم إلى آخر أيام مبارك فكرة التوريث، وكيف أنه عارض خطة خلق طبقة جديدة من رجال الأعمال حول عائلة مبارك لأنها ستنافس الجيش في سوق الاقتصاد والبناء والصفقات العمومية).

الدولة العميقة ليست دولة إيديولوجيا، ولهذا تنفر من القوى الدينية أو الإيديولوجية. الدولة العميقة استبدادية لهذا تكره الديمقراطية. الدولة العميقة حلقة مغلقة لهذا ترفض الانفتاح ودخول عناصر جديدة إلى دائرة صناعة القرار. الدولة العميقة تتماهى مع مصالح الغرب في بلادها لأن هذا الأخير يحمي مصالحها، ويغض الطرف عن فسادها، ولهذا فإنها غير مستعدة لتغيير نظرية الأمن القومي أو الخط الدبلوماسي الذي يعتبر أمريكا تمتلك 99 % من أوراق المنطقة، كما كان يقول أنور السادات…

أصيبت هذه الدولة برجة كبرى مع هبوب رياح الربيع العربي، واتجاه إدارة أوباما إلى التخلص السريع من مبارك سنة 2011، ولهذا سمحت الدولة العميقة مكرهة  لمرسي والإخوان بالوصول إلى السلطة، لكنها سرعان ما استعادت توازنها، فرجعت وانقلبت على الشرعية بإخراج ذكي، جعل من غضب الشارع على الإخوان قميص عثمان من أجل توقيف العملية الديمقراطية وليس فقط جماعة الإخوان المسلمين… حتى لو وصل تيار ليبرالي وطني ديمقراطي إلى الحكم كانت الدولة العميقة ستتآمر عليه، وستخرجه من السلطة تحت شعارات أخرى وبإخراج مختلف.

الدولة العميقة تضع استراتيجية النضال الديمقراطي ومشروع التحول السلمي والهادئ نحو الديمقراطية في مأزق كبير وتشجع طريق العنف والثورة وهذا أكبر خطر يهدد مستقبل هذه المنطقة من العالم.

شارك المقال

شارك برأيك