كوهين: لا مستقبل سياسي للعدالة والتنمية بسبب سيطرة الملك على السلطة

13 أغسطس 2013 - 15:13

 

 

في الحوار التالي، يقدم جاكوب كوهين، أستاذ العلوم السياسية واليهودي المغربي المعارض لإسرائيل والصهيونية، وجهة نظره حول آثار الربيع العربي على مستقبل إسرائيل، معتبرا أنه يشكل خطرا عليها على المديين المتوسط والبعيد، لأن الربيع أتى بحكومات انتخبتها الشعوب العربية، التي لم تقبل في يوم من الأيام بوجود إسرائيل فوق أرض الفلسطينيين. ويؤكد أن التغيير في سياسات تونس ومصر مثلا بدأ لكن يلزمه الوقت لتحقيق أهدافه. كوهين دافع كذلك عن حكومات الإسلاميين في المنطقة، واعتبرها استمرارا لحركات المقاومة ضد الاستعمار، ولهذا السبب تكرهها فرنسا والغرب. لكنه اعتبر حكومة بنكيران بدون سلطة، لأن دستور 2011 كرّس قوة الملكية التي تحتكر 90 في المائة من السلطة، على حدّ قوله.

 

{ هل يختلف وصول العدالة والتنمية إلى الحكومة في المغرب عن تجارب تونس ومصر؟

< ليس هناك استثناء في المغرب على خلاف ما يقولون. الملك يحتكر 90 في المائة من السلطة، وهذا يعني أن حكومة العدالة والتنمية لن يكون بإمكانها تحقيق أية إنجازات معتبرة ومهمة لقاعدتها الانتخابية. وهذا هو ما يختلف بالضبط عن تجربة الإسلاميين في تونس ومصر.

 

{ كيف ذلك؟

< في تونس ومصر وصل الإسلاميون إلى الحكم، وهم يمتلكون فعلا السلطة رغم الإكراهات والمعارضات التي يلاقونها، أما في المغرب فإن السلطة كلها تقريبا بيد الملك. والمشكل الأكثر حساسية هنا أيضا أن الملك متحكم في جزء كبير من الإسلام السياسي، والبقية منه مُراقب من طرف الدولة، ولا يستطيع التحرك بكل حرية. وهذا سينكشف تماما حين سيدرك الذين صوّتوا للعدالة والتنمية أن بنكيران لا يمتلك السلطة، وليس بإمكانه تحقيق كل وعوده. وهذا ما يجعلني أقول إنه لا مستقبل سياسي للعدالة والتنمية بسبب سيطرة الملكية أساسا.

 

{ وماذا عن العلاقة بين بنكيران والملك؟

< بنكيران أراد الوصول إلى الحكومة وهو يعرف مسبقا أن السلطة بيد الملك، لأن من الواضح للجميع أن دستور 2011 غير ديمقراطي. ولو كان العدالة والتنمية مستقلا في قراره فعلا لكان حريا به التصويت ضد الدستور، بل أن يُقاطع الانتخابات، ولأنه لم يفعل ذلك فقد وقع في الفخّ، لأنه قَبِل تسلُّم حكومة لا يمكنها أن تُحقق شيئا كبيرا للمغاربة. بنكيران كان يدرك ذلك الأمر وبالرغم من ذلك وافق على الخضوع للملكية، وأعتقد أن الحزب الذي ينهج مثل هذا النهج سيفقد روحه في النهاية.

 

{ البعض يقول إن العدالة والتنمية لن يُكمل ولايته في الحكومة بسبب رفض لوبيات كثيرة له؟

< أظن أنه سيستمر لكن بدون حرية كبيرة في الحركة، وهذا يعني أنه سيبقى جزءا من اللعبة لكن بدون أوراق مؤثرة، والرابح الأكبر في النهاية هو المؤسسة الملكية. المؤسف أن جميع الأحزاب تقول إن دستور 2011 ديمقراطي، لكن الحقيقة التي لا يمكن تكذيبها إلى حد الآن هي أن حكومة بنكيران لا تختلف في شيء عن الحكومات السابقة، وهذا يعني أن جوهر السلطة بقي هو نفسه، والشعارات التي رفعها بنكيران ضد الفساد مثلا مازالت إلى حد الآن مجرد شعارات.

 

{ هل توافق على الرأي الذي يقول إن حركة 20 فبراير انتهت؟

< لا، حركة 20 فبراير لم تنته. هي خرجت إلى الوجود وفق شروط وسياقات معروفة، وأعتقد أن الشروط نفسها مازالت قائمة ولم تتغير جذريا. هي حركة معارضة وستبقى كذلك، لكن البعض لم ينتبه إلى أن هذه الحركة وُجدت أول الأمر على الشبكات الاجتماعية، أي على الهامش، وستبقى كذلك.

 

{ تقصد أن قوة هذه الحركة كانت تعكس قوة المنخرطين فيها، وخاصة جماعة العدل والإحسان؟

< حركة 20 فبراير تشكلت من قوى حزبية ومدنية، منها جماعة العدل والإحسان، وهذه القوى لم تكن متفقة فيما بينها، ولذلك كان من الطبيعي ألا تصل إلى شيء. وكان المستفيد من هذه الحركة هو حزب بنكيران التي تمكن، في سياق ذلك الحراك الشعبي، من تحقيق هدفه بالوصول إلى السلطة.

 

{  كيف تقرأ آثار الربيع العربي على إسرائيل؟

< لا شك أنه يشكل خطرا عليها، وعلى مستقبلها في المنطقة على المديين المتوسط والبعيد، لأن هذا الربيع العربي صنعته الشعوب أساسا، وهي شعوب ظلت دائما تعارض وجود دولة إسرائيل على أرض الفلسطينيين، ومن المنطلق نفسه كانت ترفض تطبيع العلاقات معها ولا تزال. لكن الأنظمة العربية، ومنها نظام مبارك في مصر على سبيل المثال، لم تكن تأخذ مواقف الشعوب بعين الاعتبار في سياساتها الخارجية. لكن اليوم هناك مستجدات، والنظام الجديد في تونس مثلا يتجه إلى تبني قانون يُجرّم التطبيع مع إسرائيل، أما في مصر فإن الأمور صعبة، ومع ذلك نلاحظ أن سياستها تجاه إسرائيل تغيرت بسبب الضغط الشعبي، لصالح الفلسطينيين خاصة في قطاع غزة.

 

{ هل تريد القول بأن وصول الإسلاميين إلى الحكم في بعض الدول سيحدث تغييرا في ميزان الإرادات على الأقل ضد إسرائيل؟

< لن يتحقق ذلك دُفعة واحدة، فالعالم العربي اليوم دخل صيرورة جديدة، والتغيير بدأ منذ عامين تقريبا وسيستمر، وهذه الحكومات التي أتت إلى الحكم بعد انتخابات تشريعية في مصر وتونس يلزمها الوقت لتغيير السياسات السابقة لدولها بخصوص الصراع مع إسرائيل.

 

{ تونس تسعى إلى تجريم التطبيع مع إسرائيل، وقد تقتدي بها دول عربية أخرى، هل سيسمح الغرب بتحولات مثل هذه تجاه دولة هو من صنعها ويحميها في المنطقة؟

< مما لا شك فيه أن الصهيونية ربيبة الامبريالية، والعالم الرأسمالي بات يملك وسائل ضغط كثيرة لثني الحكومات في مصر وتونس عن مثل هذا التوجه، بل إنه يملك مؤسسات اقتصادية وثقافية وسياسية، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، للتدخل في هذه البلدان بشكل مباشر، وباستطاعته الآن أن يفعل ما يريد، ويصعب على حكومات مصر وتونس مقاومة ما تريده أمريكا في هذا الصدد، لكن تطلعات الشعوب العربية نحو التحرر ليس بالشيء السهل كذلك، فهذه الشعوب العربية لا بد أن تنتصر لكرامتها في النهاية.

 

{ كيف ذلك؟

< أنت تعرف أن وصول الإسلاميين إلى الحكم جاء بعد فشل الحركات الاشتراكية والشيوعية في الدول العربية، لذلك تمثل حركات الإسلام السياسي اليوم البديل الممكن لشعوب المنطقة. بل أكثر من ذلك، فإن الشعوب العربية تنظر إلى الإسلاميين كاستمرار لحركات التحرر التي قاومت من أجل الاستقلال ضد الاستعمار الأوربي، وهذا يعني أنها يصدد إكمال صيرورة كانت قد بدأت من قبل.

 

{ وكم تتوقع أن تستمر في سبيل تحقيق هذا التحرر؟

< ستستمر حوالي عقدين من الزمن على الأقل.

 

{ ألا تعتقد أن حكومات بهذه الخلفية تتجه إلى صدام مباشر مع الغرب؟

< الصدام مع الغرب قادم لا محالة. لقد نجح الغرب في فرض إسرائيل في المنطقة، بل عمل على تدجين الأنظمة السياسية العربية للقبول بها، والتعامل معها علنا أو سرّا، وحتى قُبيل الربيع العربي لم تكن  هناك دولة عربية واحدة تُقاوم هذه السياسة الأمريكية في المنطقة. الغرب دائما يضغط وسيستمر في ذلك، لكن الشعوب تريد سياسات أخرى مستقلة وتخدم مصالحها أولا.

 

{ حين اغتيل شكري بلعيد في تونس، خرج وزير الداخلية الفرنسي ليقول إن بلاده ستدعم القوى العلمانية ضد حركة النهضة في الانتخابات المقبلة، كيف قرأت مثل هذا الموقف؟

< لم يسبق لفرنسا أن انتقدت نظام بنعلي، ولم تكن تتحدث عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ولا انتهاك حرية الصحافة في عهده، بل كانت تدعمه وتتحدث عن تونس كنموذج تنموي جيد في المنطقة. الآن هي تقوم بعكس ذلك تماما مع حكومة حركة النهضة، بل تسعى إلى التدخل في تونس وتصرح بذلك، ولا ندري بأي حق تقوم بذلك.

 

{ هل لأنها لم تتخلص بعد من مواقفها التقليدية الرافضة لوصول الإسلاميين إلى السلطة؟

< دعني أؤكد أولا أن قضايا المرأة وحقوق الإنسان وحرية الصحافة ليست بالمهمة بالنسبة إلى فرنسا، ولذلك لم تكن تتحدث عنها أيام حكم نظام بنعلي. ما يشغل فرنسا دائما هو أن الإسلاميين يسعون إلى استكمال التحرر، الذي بدأته حركات المقاومة ضد الاستعمار. والتحرر بمعناه الشامل الاقتصادي والسياسي والثقافي، الذي ترفعه هذه الحركات الإسلامية، هو الذي يزعج فرنسا كثيرا وليس أي شيء آخر.

 
شارك المقال

شارك برأيك