السّخرية ومسألة الحقيقة

19 أغسطس 2013 - 21:58

 

 

اللّعب، الالتباس، النّسْبية، التفاهة، اللايقين: جميع هذه الخصائص التي تطبع الموقف السّاخر تتنافى مع دعائم المفهوم التقليدي عن الحقيقة. لذلك، فلا يمكن للسّخرية أن تقوم إلا مقاومةً لهذا المفهوم، ذلك أن التصوّر التقليدي عن الحقيقة قد أبدى على الدوام نفوره من كل ما من شأنه أن يحيد بها عن طابع الجدّ والصّرامة والوقار، فينزلها من عليائها، ويزحزحها عن ثباتها، ويضفي عليها مسحة الالتباس، ويطبعها بطابع النّسبية، ويبعدها عن اليقين.

لطالما ربَط التقليد الحقيقة بالوضوح والوثوق، بله السموّ والإطلاق. أما الموقف السّاخر فما يميّزه هو تواضعه. لا ينبغي أن نفهم من ذلك نوعاً من الضّعف والعجز، أو فقداناً للثقة بالنفس، وإنما هو إقرار بالتباس الأمور، أي كونها «تلبس» أكثر من دلالة، وكون الحقائق لا تعطينا نفسها إلا مقنّعة متوارية، وكون المعاني أبعد ما تكون عن الوضوح والمباشرة، فهي تتبع آليات لا شعورية، وترضخ لمكر تاريخي، وتخضع لخبث سيميولوجي، وتغرق في تيه أنطلوجي، وتنبني على سوء تفاهم أصلي.

لن يسعفنا، والحالة هذه، التسلُّح بأدوات منطقية وقواعد منهجية، فلسنا هنا في ارتباك أمام «أحروجات» منطقية، وإنما في تيهان أمام مفارقات أنطلوجية. 

لذا، فعلى عكس الموقف التقليدي للحقيقة الذي يضع نفسه أمام ثنائيات صارمة تختار بين النّفي أو الإثبات، الشكّ أو اليقين، الهزل أو الجدّ، الغموض أو الوضوح، فإن الموقف السّاخر يسبح في عالم المفارقات: إنه في الآن نفسه لعب وجدّ، مرح ومأساة، سكون وحركة، معنى ولا معنى، شكّ ويقين، عقل ولاعقل.. وهو التباس ونسبية، هزل ولا يقين. لا يعني ذلك على الإطلاق أنه استهتار وموقف عدمي. ومع ذلك، فهو لا يعترف للأمور بالقيمة ولا بالضرورة التي قد تدّعيها، ويظل يرى أنها محكومة دوماً بـجواز، أي أنها كان يمكن أن تكون غير ما هي عليه قيمةً ووجوداً. 

تفقد الأشياء في عين الموقف الساخر ضرورتها المنطقية، وأسسها الأنطلوجية. لذا فما يهمّه ليس الإقناع ولا التأسيس، وإنما التحرّر من عنف البداهات، والوقوف على تعقّد الأمور وتشابكها، ودفعها لأن تنفضح، لأن تفضح نفسها، وتكشف عن سرّها الذي لا سرّ من ورائه.

لا ينبغي أن يحيلنا لفظ السرّ هنا إلى مفهومات الغيْب والأغوار الميتافيزيقية التي طالما تغنّت بها «الحقيقة». فما وراء السّطح، ليس الأغوار ولا الأعماق، إذ ليس العمق في النهاية إلا مفعولاً للوهم الذي يبعثه فينا السّطح عندما يمنعنا أن ننظر إليه كسطح. السّطح دليل على فعل التستّر أكثر مما هو دليل على «شيء» من ورائه. ليس السّطح، والحالة هذه، غطاءً يوضع «فوق» ما يستره، بل هو انثناء ما يظهر. إنه فعل الطيّ ذاته. على هذا النحو تغدو السّرِّية بنيةً للكائن أكثر منها أعماقاً تتوارى وأقوالاً تُكتَم. إنها تشير إلى جدلية الظهور والاختفاء، وإلى لعبة الطيّ التي تمنعنا من أن ننظر إلى الظاهر كظاهر. 

فبينما يميِّز المفهوم التقليدي عن الحقيقة السطوح عن الأعماق، فلا يرى في السطح إلا حجاباً عَرَضياً سرعان ما ينبغي إماطته للنفاذ إلى «جوهر» الأشياء، إلى الحقيقة في عمقها، فإن الموقف السّاخر ينْشُدُ الأعماق المسطّحة. إنه فن السّطوح والانثناءات. وهو ما به «تتسطّح» الأعماق، وتتهاوى الأعَالي، وتنهار البداهات، وتنفضح «الحقائق»، ليبرز سموّ السطوح وعمقها، ويفتضح الوقار الكاذب للفكر الذي يأبى أن يأخذ اللعب مأخذاً جِدّياً، وأن يشغل باله بتوافه الأمور، فلا يُولي كبير اهتمام للعابر الزّائل المتبدّل، ويظل عالقاً بالثبات والوضوح والوقار والإطلاق واليقين.

عن «الدوحة»

 
شارك المقال

شارك برأيك