حبل الانقلاب قصير

25 أغسطس 2013 - 16:55

 

ما يجري في مصر لا يبقى داخل حدودها. هذه هي القاعدة منذ 60 سنة الماضية، لهذا هناك اهتمام كبير وسط الرأي العام العربي والمغربي بما يجري من أحداث في القاهرة اليوم، ليس فقط بسبب أنهار الدم التي تغطي النيل، بل كذلك بسبب تجريب خلطة شيطانية لضرب مشروع التحول الديمقراطي الذي لاحت بوادره مع مجيء الربيع العربي. هذا ما يجعل الدرس المصري مفيدا لبقية الشعوب التي تتطلع إلى الخروج من السلطوية عن طريق صندوق الاقتراع وقيم الديمقراطية المعاصرة. لنحاول أن نتأمل المسوغات التي تقال لتبرير الانقلاب على الرئيس المنتخب ديمقراطيا، محمد مرسي، ونتابع خارطة الطريق الحقيقية التي يبشر بها العسكر، ونوع الغطاء الإعلامي الذي يصاحب المجازر التي تجري في أسوأ دولة بوليسية تعرفها المنطقة منذ عقود.

مرسي لم يفعل شيئا خلال سنة كاملة من حكمه للشعب المصري، هذا هو المبرر الأول الذي قيل لتبرير الانقلاب، وهنا نطرح السؤال التالي: من من الرؤساء الحاليين استطاع في سنة واحدة أن يحقق إنجازات كبيرة أو صغيرة؟ أوباما نفسه على رأس أكبر قوة عالمية لم يستطع أن ينجز شيئا في السنة الأولى من ولايته. فرانسوا هولاند نزلت شعبيته إلى أقل من 27 في المائة في سنته الأولى، ولم يستطع أن يحقق شيئا للناخب الفرنسي. الرؤساء يحاسَبون على ولاية كاملة وليس على سنة أو سنتين من حكمهم، خاصة في بلاد مشاكلها كبيرة، وأعطابها مزمنة.

أليس من حق الناس أن يتظاهروا وأن يسقطوا حاكما قبل نهاية ولايته؟ بالطبع يستطيعون، لكن بوسيلتين ليس بينهما تحرك الدبابات، إما عن طريق القضاء في حالة الخيانة العظمى، أو عن طريق التظاهر في الشارع والعصيان المدني إلى أن يستقيل الرئيس أو يخسر كل شعبيته، فيتأثر حزبه في الانتخابات الموالية، ومن ثم ينتحر سياسيا إذا لم يتجاوب مع الرأي العام، أما أن يتدخل الجيش، ويتم اعتقال الرئيس وتعليق العمل بالدستور وفرض حالة طوارئ، فليس لكل هذا من مسمى غير الانقلاب.

مرسي وجماعته كانا ينويان البقاء في السلطة 500 سنة، وهذا لا يُحتمل، كما قال الجنرال السيسي في خطابه الأخير. هذا هو المبرر الثاني للانقلاب.

وما هي المشكلة في هذه الحالة رغم استحالتها عمليا؟ كل الأحزاب في العالم تسعى إلى البقاء في السلطة أطول مدة ممكنة، لكن بشرط أن يتم ذلك عن طريق صناديق الاقتراع، وفي احترام تام للتعددية وقواعد التداول السلمي على السلطة. كل الانتخابات والاستفتاءات التي جرت في مصر منذ ثورة 25 يناير كانت شفافة ولم تطعن فيها أطراف العملية السياسية. لم يسبق للرئيس المعزول أن أعلن إلغاء الانتخابات أو تعليق العمل بالدستور أو حل الأحزاب المعارضة أو اعتقال خصومه واستهداف رؤوسهم بالقناصة من فوق الأسطح كما يجري الآن، إذن، كيف ينصب الجيش وحلفاء الانقلاب أنفسهم أوصياء على المصريين، ويقولون لهم إن اختيارهم لمرسي ليس في محله، وإن الصواب هو إسقاطه.

الإخوان المسلمون كانوا يريدون «أخونة» الدولة، وبسط نفوذ الجماعة على المفاصل الحساسة في البلاد، وجرها إلى المعسكر الأصولي الذي يهدد البلاد بالرجوع إلى القرون الغابرة. تهمة الأخونة، إذا كانت تعني أن الرئيس وحكومته سيضعون رجالاتهم ونساءهم في ما يخولهم القانون من تعيينات في المناصب المختلفة فهذا مشروع قانونا وسياسة، والناخبون سيحاسبون مرسي وجماعته على صواب أو خطأ هذه التعيينات في الانتخابات القادمة. في أمريكا عندما تتغير الإدارة من يد حزب إلى آخر يتغير معها حوالي 3000 منصب حساس في الدولة، بما فيها المخابرات ومجلس الأمن القومي والسفراء وكبار موظفي الدولة، واللعبة الديمقراطية تسمح بذلك، لأن شرعية هؤلاء مستمدة من شرعية الرئيس الذي انتخب ديمقراطيا، لكن هذه العملية ليست مستباحة كما يصور الإعلام الأسود، مادامت هناك معارضة وإعلام حر ورأي عام منتبه يرى وينتقد ويراقب ويحاسب، ثم إن جل التعيينات التي حصلت في السنة الأولى من حكم مرسي كانت من خارج جماعة الإخوان المسلمين، بما في ذلك رئيس الحكومة قنديل، وطيلة سنة لم يغلق مرسي التلفزات الخاصة والصحف والمواقع المعارضة له، بما فيها تلك التي كانت تدعو الجيش إلى الانقلاب، وتلك التي كانت تمول من جيوب فلول مبارك، وأموال دول الخليج. الإخوان ليسوا جماعة تعطي الدروس في الديمقراطية، أبدا، هم بحاجة إلى سنوات للتعلم والمراجعة حتى ينسجموا مع أصول اللعبة كاملة، لكن أمام هذا الامتحان ظهر أن الأعمش في بلاد العميان بصير. جل خصوم الإخوان سقطوا في الفخ، وأعماهم الحقد الإيديولوجي والمصالح والسلطة عن احترام إرادة الشعب والوفاء للديمقراطية. بايعوا الجنرال السيسي على قتل الإخوان ومعهم التحول الديمقراطي.

ماذا هناك من مبررات أخرى تبرر الانقلاب… لا شيء يصمد أمام المنطق وأمام العيون التي ليست عليها غشاوة من حقد أو مصلحة أو خوف أو مال، وهذه الحقائق تُكتب وتقال في عدد من صحف أوربا وأمريكا وحتى إسرائيل، لكن في عالمنا العربي الكذب صار صناعة ثقيلة، وتزوير الحقائق صار فنا معترفا به، والتضليل سيد الموقف.

 

 

 

شارك المقال

شارك برأيك