السنوسي: السخرية في المغرب مهربة تحت المعطف.. يتداولها الناس ضد الاستبداد

26 أغسطس 2013 - 19:51

 

         

 أنت مزعج جدا بفكاهتك السياسية، لدرجة إغلاق المسارح والتلفزيونات والإذاعات في وجهك..ألهذه الدرجة أنت خطير على الشعب؟

< مَن المزعج في نظرك، أنا أم الذين يقمعون الشعب ؟..إزعاجي لا يساوي شيئا أمام إزعاج السلطة للناس بالقمع وزرع اليأس، لقد نجحوا في شيء واحد هو إزعاجنا بالتوزيع العادل للفقر بدل توزيع الثروات على المغاربة، كل واحد أخذ قسطه من الفقر ومن الإزعاج لحقه في الحلم وفي التعبير..

 

  السلطة تزعج الشعب وأنت تزعجها بسخريتك ؟

  لا توجد سخرية لا تكون مصدر إزعاج لأي جهة، يكفي قراءة متأنية  لتاريخ السخرية في العالم لنرى مدى القمع والتنكيل والإقصاء الذي عانى منه الفنانون الساخرون، فقط لأنهم جسدوا الرأي الآخر وكشفوا المسكوت عنه وقدموا أعمالا تحفز على الانتصار على الخوف وعلى الانخراط في مناهضة كل ما يمس الكرامة الإنسانية ..والمغاربة دائما استعملوا السخرية ضد الظلم ولكن من تحت المعطف، هي سخرية مهربة يتداولها الناس ضد الاستبداد .

 

 لكن سخريتك ليست من تحت المعطف بل واضحة ولاذعة، وهذا ما يجعلها مزعجة وممنوعة؟

  يعجبني أن أردد المقطع الجميل في مسرحية «هاملت» لشكسبير الذي  يقول فيه: «هناك شيء ما عفن في مملكة الدانمارك «.. هذه هي فلسفتي في أعمالي، ولعل هذا بالذات مصدر هذه الحرب ضد سخريتي، هم لا يمنعونني كفنان بل يمنعون نوع السخرية التي أقدم، لأن السلطة المستبدة تعتبر سخريتي خطيرة ومعدية ويجب محاربتها ..

 

  أين تتجلى خطورتها ؟

  وقد تساءلت مثلك عن مصدر الخطورة في أعمالي ولم أعثر على جواب عند كل وزراء  الاتصال، والذين يقولون إن الأبواب مفتوحة ولا يعترفون أنها أصلا مغلقة، هناك وزير اتصال واحد كان واضحا لما قال إنني ممنوع لأنني أمارس السياسة وكأنه هو يمارس الفلاحة، أنا أسخر من السياسة ولا أمارس السياسة .

 

 التلفزيون يقول الأبواب مفتوحة، لماذا ترفض الدخول ؟

 لا بد لنا أن نحسم في مسألة الهوامش الوهمية التي يدعي التلفزيون الرسمي _المسمى بهتانا تلفزيونا عموميا_ أنه يمنحها للمبدعين والمفكرين، فإذا كان السياسيون أنفسهم وأعضاء الحكومة يشتكون من إقصائهم، ماذا نقول نحن الفنانون؟.. وهل هناك عبث أكثر من أن يشتكي رئيس الحكومة( الذي يقول بأن له صلاحيات واسعة حسب حبر على ورق الدستور) من الحيف والمنع الذي تتعرض له أنشطته الرسمية ؟. لنكن واضحين، هم يعرفون الحقيقة وبأنهم ليست لهم أي سيطرة على الإعلام، هذا التلفزيون الرسمي هو صندوق، مفاتيحه ليست في جيب الحكومة ولا البرلمان، المفاتيح في جيب أصحاب الصندوق الحقيقيين.

 

مع ذلك هناك هوامش للآخرين، يبدو أنك وحدك الممنوع في التلفزيون؟ 

 لست وحدي الممنوع، فالشعب كله ممنوع ما داموا لا يمررون رأيه الحقيق، وما دام التلفزيون لا يستشيره في حاجياته الإعلامية ولا يقدم له الخدمة العمومية الحقيقية ..فالتلفزيون هو الذي يفرض على الجمهور الأعمال والأذواق والاختيارات ويمطره بالدعاية الرسمية.. لنكن واقعيين، هناك فنانون وصحفيون ومفكرون مسجلون في اللائحة السوداء، لأنهم فقط غردوا خارج السرب، فطالهم قانون الصمت والتغييب .. من يتكلم اليوم أو يسأل عن المهدي المنجرة ؟ هناك تغييب مقصود لأسماء ورموز قدمت تضحيات دفاعا عن الحرية .. فالمنع شامل، ولما يرفع المنع عن الشعب ليعبر عن رأيه الحقيقي في الإعلام العمومي فسأكون واحدا منهم. مشكلتي اليوم هو أنهم يريدون أن يتخلصون مني وليس أن أمر في التلفزيون، يريدون مني أن أمر حسب تصورهم وبالأعمال التي يفرضونها هم وهذا لا يمكنني أن أقبله .. 

 

  لما كانت قناة واحدة في المغرب، كنت متواجدا ..اليوم تعددت القنوات والمنع واحد ؟

  وهل تسمي هذا التفريخ للقنوات تعددا ؟..فحتى لو امتلكنا ألف قناة، فلا يمكن الحديث عن تقدم إعلامي إلا بحرية التعبير وبتعددية الرأي، فالتعددية يجب أن تكون في الآراء وليس القنوات، أنا لم أقل أننا نعيش انتقالا ديمقراطيا وربيعا للحريات، هم من يقولون .. 

 

 لماذا فشل التلفزيون رغم تعدد القنوات في أن يكون فضاءا للتعددية؟

لا يجب أن نقر بأن الإعلام التلفزيوني قد فشل، لأن الإقرار بهذا يعني أنه كانت له قابلية مفترضة  للنجاح .. لقد كانت له خطة واحدة وهي خدمة السلطة ولن تكون له خطة أخرى، وقد سبق أن صرحت لهذه الجريدة بأن صعود حكومة بنكيران لن يغير شيئا في الإعلام  وقد يصبحون مجبرين على كراء قناة أجنبية ليتواصلوا مع الناس، وهذا ما حدث لهم ..لقد تعددت القنوات والرأي واحد، في الماضي كانت السلطة ترغم الشعب على وضع  كمامات لإخراس صوته، الخطير اليوم هو أن السلطة من قوة قمعها أصبحت تطمح أن يضع الناس كمامات على أفواههم طواعية.

 

 تكاد تكون الفنان الساخر الوحيد الذي يغرد خارج السرب ويسخر من السلطة والمؤسسات بجرأة ؟

  تكفي قراءة متأنية لتاريخ السخرية في العالم لنتأكد بأنه لا يمكن للسلطات أن تشكل السخرية على مقاسها كالعجين، السخرية نابعة من الألم وهي رسالة من الشعوب وليس من الفنانين..السخرية فن راق ورسالة من الشعب وإليه، وهي ليست تقريرا إيديولوجيا ولا يمكنها أن تكون بروباغندا، السخرية تكره الأقفاص والخطوط الحمراء.

 

 الفنانون الذين ظلوا يمدحون ويمارسون الدعاية لرموز النظام والسلطة، يعيشون وضعا ماديا مريحا.. بعد هذا العمر، ألا تشعر بالندم؟

  أنا لست نادما على ما آلت إليه حياتي وتجربتي، بل كنت سأكون نادما لو ابتعدت عن هذه الطريق المليئة بالأشواك، واخترت المسالك السهلة ضد قناعاتي.. لا أخاف أن أضيع ماديا، لكنني أخاف أن أضيع في المتاهة، أحب دعاء « الله يعطينا حسن الخاتمة،».  لقد اخترت الانصهار وتطلعات الشعب من أجل الحرية، ومواقفي يجب أن تكون واضحة وملتزمة .. 

 

معنى هذا أن الفنان الحقيقي هو الذي يعبر عن موقف وليس ذلك الذي لا لون له؟

  لا حياد في الفن، والذي يدعي الحياد هو يختبئ فقط وراءه لأنه لا يمتلك الجرأة وليس له التزام فني . 

 كنت الفنان الوحيد الذي ناصر الحراك الشبابي، لماذا تحفّظ الآخرون عن المطالبة بالديموقراطية؟

لا يمكنني الإجابة على الشطر الثاني من سؤالك لأنني لست ناطقا باسم الآخرين، من الطبيعي جدا أن أكون من أول المساهمين والمتعاطفين مع حركة 20 فبراير المجيدة،  اليوم لدينا نموذج شباب مصر الذي انتزع الحرية ولم يتسولها من حكام غير مستعدين لمنحها. كما أن الثورات الناجحة يسبقها تمهيد فكري من مثقفين يكونون في الصفوف الأمامية يشحذون الهمم بالأشعار والكتابات  والإبداع .

 

لماذا نفتقد هذا في الحراك المغربي ولماذا صمت أغلب المثقفين؟

  لا يمكنني أن أجيب مكان الآخرين، ولا أقول أنا الوحيد والآخرون «عاجْبْهُم الحال»، أنا لست معزولا ولست الوحيد، هناك فنانون آخرون وكتاب ومفكرون يرفضون الظلم ويخرجون في المسيرات ومنهم من أدى الثمن غاليا مثل الحاقد وغلام وفنانين شباب ..

 

  مند استقلال المغرب إلى اليوم، ظل الفنانون يدورون في فلك السلطة وبوقا لها.. كيف نجحت في التحرر والحفاظ على استقلاليتك  ؟

 لا بد من إعادة كتابة تاريخنا الفني والسياسي بعيدا عن توابل المطبخ الرسمي حتى لا نطلق أحكاما مجحفة، فالذين عايشوا فترة الاستقلال يعرفون الآمال التي كانت تسكن قلوب الفنانين المغاربة من أجل الحرية وإعادة بناء الوطن، لكن السلطة وسياسة الدولة هي التي أرادت أن تدخل الجميع في سياسة القطيع، وأن تجعل الجميع  يردد مثل الكورال نفس نغمة الحاكمين، ومن غرد خارج اللحن السلطوي فهو مرفوض ومنبوذ ومقصي.

 

  كفنان منحاز لقضايا الشعب، أكيد لك رأي في قضية «دانيال غيت«؟

 كنت دائما أصاب بالذهول للسرعة التي توقع بها الوفود المغربية في منظمات الأمم المتحدة على اتفاقيات الالتزام بحقوق الإنسان وحقوق الطفل، «غِكَنْجِيوْ وْنْسْنِيوْ» بدون الاطلاع على المحتوى وعلى مدى قدرتنا على الالتزام بهذه المعاهدات.  والدليل ما نراه اليوم من انتهاك لكرامة الطفولة وما تشهده السياحة الجنسية من ازدهار، حيث يأتي آلاف البيدوفيليين الوحوش للمغرب قبل قضية دانيال. أعتبر كرامة الطفولة المغربية خط أحمر لا يحق لأحد أن يقفز فوقه .

 

 وما تعليقك على التعنيف الوحشي للمتظاهرين المسالمين الذين نددوا بالعفو؟

< الجراح على أجساد المواطنين والمواطنات الذين خرجوا للتنديد على تمتيع هذا الوحش بالحرية، ستظل وشما لن ينمحي أبدا، وهي جراح غير قابلة للمساومة. تصوري معي بلدا ليست فيه عدالة ولا حرية، وتوجد فيه وزارة للعدل والحريات، عن أي بلد نتحدث؟ وكأننا في بلد لا نفط فيه وبه وزارة للنفط.

 

 لماذا صمتت الحكومة على هذه الفضيحة؟

 وهل تكلموا من قبل عن قضايا الشعب؟ حكومات العالم كلها تحدثت عن فضيحتنا، وحكومتنا صمتت على إهانة كرامة الأطفال المغاربة. يقولون الصمت من علامات الرضى، أليس كذلك؟

 
شارك المقال

شارك برأيك
التالي