عمر بلافريج: لو كنا في دولة ديمقراطية لما استمر مشروع «تي. جي. في»

28 أغسطس 2013 - 19:51

 

 

 تبدو شابا حداثيا ومعاصرا، كيف تخرج عن الإجماع في معارضة مشروع متطور كالقطار الفائق السرعة؟

 قبل أن أكون حداثيا  أنا يساري، ومبادئ الفكر اليساري هي ترتيب الأولويات .. هناك أولويات أهم بالنسبة للمغرب، وهي التعليم والصحة وتنمية العالم القروي..فميزانية مشروع القطار السريع تساوي تكلفة بناء 25 ألف مدرسة في البوادي، كيف يعقل أن نعطي الأولوية لمشروع كهذا والعديد من مدن بلادنا لازالت معزولة عن شبكة السكك الحديدية، تصوري معي مدينة مثل  الراشدية  لن يصلها القطار حسب مخطط مكتب السكك حتى سنة 2040، ألا يستحق أبناء هذه المدينة المغربية أو أبناء المدن المهمشة أن يستفيدوا من خدمات القطار ؟ ..

 

 المشروع انطلق اليوم، وربما تكلفة إيقافه أعلى ؟

< العديد من الدول المتقدمة في العالم أوقفت مشاريع القطار الفائق السرعة أو أجلتها بسبب الأزمة الاقتصادية بما فيها فرنسا..لو كنا في دولة ديمقراطية لما استمر مشروع كهذا.

 

 يبدو المشهد كذلك مثيرا للسخرية في بلد لا زالت قطاراته العادية تصل متأخرة..

 نعم، أو كما يقول الناس في تعاليقهم «آش خصك العريان، خصني»ت ج ف» يامولاي».. دعيني أبسط الأمور ليلمس القارىءعبثية هذا المشروع، فتكلفة  10 أمتار من هذا القطار تساوي مدرسة، و100متر منه هي تكلفة  مدرسة عليا للمهندسين..تصوري حتى الأغنياء ورجال الأعمال الموجه إليهم يعترضون  عليه، هناك إجماع على المطالبة بتوقيف هذا المشروع رغم أنكِ اعتبرتِ موقفي خروجا عن الإجماع.

 

 يبدو خارجا عن الإجماع لأن هناك أقلية فقط من امتلكت الشجاعة وجهرت بها، بينما يُعبَّر عن باقي المواقف في الصالونات المغلقة ؟

    وهذا دليل على أزمتنا السياسية و «شيزوفرينيا» النخب المغربية.

 

 ربما كونه يعتبر مشروعا مَلكيّا وليس حكوميا ؟

 ربما، فليقولوا ذلك إن كانت لديهم الجرأة، ثم إن المثير للاستفزاز بالنسبة لي، ليس صمت النخب السياسية، بل انخراط أسماء من أحزاب كالاتحاد الاشتراكي والأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية في الدفاع عن جدوى المشروع ومحاولة إقناعنا بأنه مهم لتقدم البلد. وهذا أعتبره بدون مواربة، مرض الأمية الاقتصادية وحتى السياسية الذي تعاني منه النخب السياسية في بلادنا. 

 

 عمَر كنتَ أيضا خارج الإجماع بتصويتك بلا على دستور 2011، لماذا ؟

 قلتُ لا للدستور احتجاجا على غياب مناخ ملائم للانتقال الديمقراطي وليس بناءا على النص. الجميع متفق، حتى الذين ساهموا في صياغة الدستور، على أنه ليس ديمقراطيا، بل دستور انتقالي ..وأنا كسوسيو ديمقراطي أقبل الانتقال، ولكن بشرط أن يكون في إطار مناخ ملائم فيه انفتاح على فعاليات سياسية جديدة وقادر على استيعاب الشباب الذي خرج مطالبا بالديمقراطية والكرامة والذي يطمح لمغرب أفضل في إطار مشروع مجتمعي جديد.. للأسف، الذي وقع هو أننا قدمنا نصا دستوريا متقدما على السابق لكننا أغلقنا اللعبة، سواء بالنسبة للمخزن أو للأحزاب في البرلمان. والدليل على هذا، التعثر والارتباك في إخراج القوانين التنظيمية، وكأن الأحزاب الممثلة في البرلمان «ما عندها غرض في هاذ الدستور»، لازالت تشتغل بروح دستور 1996.  

 

 ألا ترى بأن هذا هو الدستور الذي نستحق، وبأننا غير مؤهلين للانتقال الديمقراطي؟ 

 لا أتفق معك، المغاربة مؤهلون للانتقال الديمقراطي ..حتى عزوفهم السياسي الذي يقرأ على أنه سلبي، أعتبره مؤشرا إيجابيا على وعيهم بأن قواعد اللعبة غير سليمة وبأن الانتخابات مجرد مسرحية ويرفضون لعب الكومبارس. وحركة 20 فبراير أكبر دليل على حاجة واستعداد الشباب للديمقراطية بنخب جديدة مؤهلة للعب أدوار سياسية قوية في المستقبل. أنا أسمّي شباب الحركة بالوطنيين الجدد، لأنهم قاموا بنفس أدوار شباب الحركة الوطنية في الأربعينات وحققوا نفس القفزة النوعية التي كان يحتاجها المغرب.

 

 تشبيهك هذا مبالغ فيه، وكأنك تمحو تاريخ النضال لباقي الفاعلين ؟

 لا أقصد ذلك، خصوصا وكوني كبرت في أسرة يسارية ووسط مناضلين كبار، ما أريد أن أقوله هو أن جيل اليوم تحرر من كثير من العوائق والعقد وطالب بوضوح بملكية برلمانية وبعقد اجتماعي جديد وبالكرامة والعدالة، والتأسيس لمشروع مجتمعي أكثر طموحا للانتقال بالمغرب نحو آفاق أوسع.

 

هل نقول بأن الحراك اليوم هو نوع من الثورة الثقافية ؟

 يمكن القول بأنه فتح النقاش بوضوح وحفز التفكير حول أي مجتمع نريد ؟ وما هي البدائل ؟ وماهي العوائق التي تعيدنا للخلف في التعليم والثقافة والعلاقة بين الدين والمجتمع والدين والسياسة..

 

 عمَر من الأصوات التي تطالب بفصل الدين عن السياسة ؟ كيف يمكن ذلك في منظومة سياسية تستمد شرعيتها من الدين ؟

 أنا علماني وأقولها بصراحة، وعلماني  بمفهوم الدفاع عن القيم الروحانية العليا للدين وعدم حصره في المظاهر والشكليات واللباس والفتاوي الجنسية.

 

 أوضح سؤالي أكثر: كيف يمكننا أن نفصل الدين عن السياسة وأن نكون بلدا علمانيا قي ظل إمارة المؤمنين ؟

 هذا ليس مشكلا، ملكة بريطانيا أو ملوك آخرون تجدينهم في نفس الوقت رِؤساء للكنيسة، لمّا أطالب بالعلمانية فليس بمفهوم محاربة الدين كما وقع في فرنسا، ما أطالب به هو أن لا يشكل الدين مرجعا للتشريع ..هل أعطيك مثالا ملموسا؟ 

 

 تفضل ..

مثلا في مسألة الإرث، لدي مشكل كبير في تقبل أن لا ترث ابنتي مثل ابني، هذا ليس عدلا..لهذا نجد الكثير من الناس يضطرون لإنصاف بناتهم قبل الوفاة بسبل قانونية أخرى. لماذا لا نجتهد ونفكر في بدائل قانونية ؟ فالدولة الحديثة والمتقدمة هي التي تنصف الضعيف .

 

 تقصد بأنه حينما يتناقض الدين مع مصلحة الناس، يجب الاحتكام للقانون المدني؟

 يمكن الانطلاق من اجتهاد  العلماء .. ومن الناحية السياسية، يجب أن نضع الدين في مستوى روحاني أعلى، وهذا لا يتحقق إلا بحرية الفكر واستخدام العقل..فلما يصبح القرضاوي أو الدعاة الشرقيون هم من يتحكم في عقول المواطنين، فهذا خطير جدا.

 

 الدين قضية حساسة يتفادى الناس مناقشتها عموميا، ألا تخاف من ردود الفعل؟ 

 الخوف ناتج عن غياب إرادة حقيقية للتغيير والنهوض بالمجتمع، أنا لدي طموح لتتقدم بلادي إلى الأمام .. نعم المجتمع محافظ ، لكن ما هو السبب؟ إنه التعليم الذي لا يشجع على التفكير ولا يربي على قيم المواطنة.

 

 تطالب أيضا بضرورة امتلاك الجرأة لفتح نقاش حول الهوية اللغوية للمغرب؟

 اللغة إشكال كبير لا تجرؤ النخبة المفرنسة ولا المعربة على فتحه، بحالْ إلا عاجْبْهُم الحالْ، المفرنسون يحتكرون الاقتصاد، والنخب المعربة تحتكر السياسة، والضحية هم أبناء الشعب، المحرومون من

شارك المقال

شارك برأيك