ليس ضروريا أن تحبوا بنكيران لكن لا تكرهوا الديمقراطية

29 أغسطس 2013 - 11:47

 

هل يحتاج عبد الإله بنكيران وحزبه إلى شهادة حسن السيرة بشأن اقتناعهم بالملكية والولاء لها، كما يروج مهندسو استيراد النموذج المصري إلى المغرب؟ يبدو السؤال ساذجا بل و«بوليسيا»، كما كان يقول اليساريون في الجامعة عندما يريد خصومهم إحراجهم بهذا النوع من الأسئلة، لكن لا بأس من تجريب السذاجة، فهي وإن كانت تحتقر ذكاء المواطن، فإنها لا تقتل أحدا في نهاية المطاف.

حزب العدالة والتنمية وحركة التوحيد والإصلاح وعموم من يسمون بالإسلاميين المعتدلين اختاروا، منذ عقود، العمل في ظل النظام القائم والشرعية الموجودة، بعد أن كانوا يؤمنون في السبعينات، شأنهم شأن يساريين كثيرين، بإمكانية إسقاط نظام الحسن الثاني، الذي لم يكونوا يعارضون فيه الطابع الملكي أو يفضلون عليه الثوب الجمهوري، بل كانوا يرفضون فيه الطابع الاستبدادي. الاتحاديون أنفسهم مروا من هذه التجربة، وكان الراحل، عبد الرحيم بوعبيد، مهندس استراتيجية النضال الديمقراطي التي انبنت على القبول بالنظام الملكي ورفض المخزن الذي يشكل مضمون النظام الاستبدادي، بالطرق السلمية والديمقراطية، وذلك لاعتبارات عدة، أولها أن الديمقراطية تستطيع أن تنبت في التراب الملكي كما الجمهوري، ونماذج ذلك معروفة في العالم، بل بالعكس يظهر أن الملكيات في العالم الثالث، أكثر من الجمهوريات، يمكن أن تؤمن انتقالا سلسا وأقل كلفة نحو التغيير الديمقراطي، دون انزلاق إلى حرب أهلية أو عدم استقرار قد يهدد الكيانات من الداخل لأنها نظام مبني على الاستمرارية لا القطيعة كل أربع سنوات. ثانيا، المغاربة، بطبيعتهم التقليدية والمحافظة كما شعوب كثيرة حول العالم، يفضلون النظام الملكي على غيره، ويرون أنه صيغة مثلى لتعايش الأعراق والأديان والجهات تحت سماء واحدة، وطريقة لزواج الأصالة بالمعاصرة، والقديم بالجديد والدين بالدنيا، دون توترات كبيرة. ثالثا، العديد من الأحزاب الوطنية، انضاف إليها إسلاميو العدالة والتنمية، ترى أن الملكية إذا وقع حولها إجماع سياسي واضح وجلي فهذا يساعدها على الانحياز إلى قوى الإصلاح، ويفوت على خصوم الديمقراطية والطفيليات المحيطة بالسلطة، من كل لون وشكل، فرصة تخويف القصر من أنصار التغيير، ومن ثم السعي إلى القطيعة بين الملك وممثلي جزء من الشعب تحت ذريعة الخوف عليه، وهي في الحقيقة، أي الطفيليات، خائفة على امتيازاتها، وعلى ريعها، وعلى أصلها التجاري الذي يتحرك تحت شعار جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية، في حين أنها لا تدافع سوى عن «خبزها».

مسار التحول هذا من مناهضة النظام الملكي إلى مناهضة مضمون السياسة الاستبدادي، مع الحفاظ على النظام الملكي كمكتسب تاريخي ربحه المغرب من ذكرى ثورة الملك والشعب، وانحياز السلطان الراحل، محمد الخامس، إلى مطالب الحركة الوطنية المطالبة بالاستقلال بعد أن كان السلطان يعيش في كنف الإقامة العامة.. هذا المسار كلف الكثير من الدم والدموع والمآسي والمنافي وكل الرصاص المتدفق من سنوات الجمر، وقد أعادت هيئة الإنصاف والمصالحة كتابته كجزء من علاج الأمة من جراحها تحت رعاية الجالس على العرش. الذين يريدون العودة بنا الآن إلى تصنيف الفاعلين السياسيين في المغرب إلى من مع الملك ومن ضده، لا يصطادون الطحالب في الماء العكر فقط، بل يعيدوننا إلى الوراء سنوات طويلة، ويضعون الأسس لعودة سنوات الرصاص بشكل جديد وأسلوب جديد، وكأن كل المكتسبات التي تحققت لا تساوي شيئا. الحديث المتكرر عمن مع الملك ومن ضده، يسيء إلى الملكية أكثر مما ينفعها، لأنه يظهرها وكأنها مؤسسة محل استفهام طول الوقت، وكأن الإجماع المحيط بها كاذب. فأن يُتهم الحزب الذي فاز بالمرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية الأخيرة، والذي يقود الحكومة ويمثل البلاد في عدد من المؤسسات الدولية، بأن ولاءه للملكية محل شك فهذا معناه أن البلاد على كف عفريت، وأن هناك انقساما حادا حول أسس الشرعية وثوابت الدستور في هذه البلاد ! 

هناك ألف طريقة لمعارضة الحكومة دون المس بثوابت البلاد، وهناك ألف طريقة لمحاربة الإسلاميين بطرق نظيفة من قبل خصومهم دون اللجوء إلى التخوين، وإلى تصوير أن الملكية محل صراع بين المغاربة. لو كان لحزب العدالة والتنمية وقيادته الحالية أجندة أخرى غير هذه المعلنة، لكان نزل إلى الشارع مع هبوب رياح الربيع العربي، ولكان التصق بحركة 20 فبراير، ورفع سقفها إلى حدود غير مرئية، خاصة أنه كان حزبا مغضوبا عليه آنذاك، محاربا برعونة من قبل حزب الدولة آنذاك، لكنه لم يفعل، وعوض أن ينزل بنكيران إلى الشوارع كل سبت وأحد للتظاهر، كان ينظم تجمعات على طول خارطة البلاد مناهضة لحركة 20 فبراير، ومتهكمة عليها، وداعية إلى التشبث بالإصلاح في ظل الاستقرار، في الوقت الذي ساد الصمت المريب في بيوت من كانوا يدعون أنهم أذرع تحمي الملكية.. اختفوا مرة واحدة ولم يعد يُرى لهم أثر في الشارع أو الإعلام.

حارِبوا الإسلاميين فهم ليسوا ملائكة.. هم بشر لهم أخطاء كثيرة. حاربوا الحكومة فحصيلتها تستحق النقد، وهي كالأصلع أينما ضربته يسيل دمه، لكن لا تحاربوا الديمقراطية، ولا تطلقوا النار على أركان البيت.. داخله يمكن أن نبيت حتى ونحن مختلفون، لكننا نضيع خارجه.

 

شارك المقال

شارك برأيك