فوليو: «القاعدة» هي المنتصر الوحيد من صراع العسكر والإخوان

31 أغسطس 2013 - 12:40

 

 

يرى جون بيير فوليو الخبير في تاريخ الحركات الإسلامية، والأستاذ الجامعي، أن المثير للصدمة أكثر في المأساة التي تغرق فيها مصر، ليس فقط المساجد التي تحولت إلى مستودعات للجثث المجهولة، وإلى ملجأ للأطفال والنساء المستهدفين بالرصاص والجرحى، وليس هو الشوارع المخربة والكنائس المحترقة والدعاية المحرضة على الكراهية التي تنشرها وسائل الإعلام، ولكن المثير حقا أن العسكريين والإسلاميين يعملون على إعادة مصر ستين سنة إلى الوراء. فهم، كما كان عليه الحال في 1952-1954، يستعدون لنسف الطموحات الشعبية من أجل التقدم والتطور

في 1952، يقول فوليو في مقال نشره في صحيفة «لوموند» الفرنسية، أدت ثورة الضباط الأحرار التي دعمها الإخوان المسلمون، إلى قلب ملكية فقدت مصداقيتها. ووضع هذا الانقلاب نهاية لثلاثين سنة من الحياة البرلمانية الناقصة، ولكنها كانت على كل حال تعددية. وفي سنة 1954، انقلب جمال عبد الناصر، العضو السابق في الإخوان المسلمين، على حلفائه الإسلاميين. وقام بقمعهم. فالمؤامرة التي تم اختراعها بكامل تفاصيلها في الإسكندرية غير ثابتة، كما هو الحال بالنسبة للاتهامات بالتآمر مع حماس المختلقة اليوم من أجل إبقاء مرسي في معتقله السري. خسر الجيش المصري كل الحروب التي خاضها، أو تلك التي فرضت عليه. وقام بتوريط حوالي ثلث قواته في المشاركة، إلى جانب الجمهوريين في اليمن، قبل أن ينسحب بدون مجد في سنة 1970- وحتى العبور المذهل لقناة السويس في سنة 1973 انتهى بحصار مجموعة من قوات الجيش المصري في سيناء، تطلب رفعه توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار لتفادي موت الجنود عطشا

 

جيش لا يرحم

وفي المقابل، وكما كان عليه الحال بالنسبة لمجموعة من الجيوش العربية، لم يكن الجيش المصري رحيما بمواطنيه، بدعوى حالة الطوارئ التي كان يتم تمديد العمل بمقتضاها باستمرار. ويضيف فوليو أن اتفاق السلام الموقع مع إسرائيل في 1979 ساعد الجيش المصري على الاستفادة من مساعدات أمريكية ضخمة، بقيمة تفوق مليار دولار سنويا. وهكذا، تمكن العسكريون المصريون، المحميون من أي نزاع خارجي، من التفرغ لمضاربات مثمرة في التجارة والصناعة والعقار. ويضيف الباحث الفرنسي أن هذه الموارد المالية قد تكون سمحت لهم بالإشراف المباشر وغير المباشر على ثلث الاقتصاد المصري. غير أن محاولات حسني مبارك توريث الحكم لابنه جمال مبارك، الذي كان يمثل جيل المقاولين الليبراليين خلق الاضطراب داخل التراتبية العسكرية المصرية.

 

انقلابان لصالح العسكر

وحسب فوليو، شهدت مصر عمليتين انقلابيتين: الأولى في 11 فبراير 2011، تميزت بعزل حسني مبارك. والثانية في 3 يوليوز2013 بالانقلاب على حكم محمد مرسي. حكم مبارك مصر بدون تقاسم للسلطة لمدة ثلاثين سنة. وكان يتم التجديد له على رأس الدولة في عمليات استفتاء، محددة نتائجها سلفا. وكان مرسي أول رئيس دولة منتخب ديمقراطيا في مصر بعد عملية تصويت تمت في 2012. 

سبقت تنظيم هذين الانقلابين تعبئة جمهور كبير. وفي الحالتين، تمكن العسكريون من «تهريب» هذه الاحتجاجات الشعبية والسلمية لفائدتهم. كان الماريشال حسين طنطاوي، خلال عملية عزل مبارك، هو من يتحكم في الحقيقة، في الجهاز التنفيذي، بفضل رئاسته للمجلس الأعلى للقوات المسلحة. وكان الجنرال عبد الفتاح السيسي أصغر عضو في هذا المجلس العسكري. وكان ما يخشاه الثوريون المصريون آنذاك، حدوث تفاهم بين المجلس الأعلى للقوات المسلحة وبين الإخوان على حسابهم، ومن وراء ظهرهم. وفي الواقع، توسعت الأصوات المطالبة بثورة ثانية انطلاقا من خريف 2011، بعد القمع الدموي الذي تعرضت له هذه الحركات الاحتجاجية. وهكذا تمكن المجلس الأعلى للقوات المسلحة من إجهاض المرحلة الانتقالية حتى يستمر في سيطرته على غالبية السلطات، وحتى يستمر في ممارسة كل الصلاحيات. وهكذا تم إفراغ الانتخابات التشريعية لشهر دجنبر2011 ويناير 2012، التي حقق فيها الإخوان المسلمون الفوز، من مضمونها. إذ استمرت الحكومة في الخضوع للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، ما جعل رهانات الانتخابات الرئاسية لسنة 2011 بمثابة مسرحية «دراماتيكية»، لعب العسكريون في العمق دور قوة الاستقطاب المؤثرة بين مرشح الإخوان المسلمين ومرشحهم الجنرال السابق أحمد شفيق، آخر رئيس لحكومة مبارك.

 

سياسة العسكر تنقلب عليهم

ولكن سياسة الأسوأ المتبعة من طرف المجلس الأعلى للقوات المسلحة انقلبت ضده ليفوز مرسي بالرئاسة بنسبة 7،51 بالمائة من الأصوات المعبر عنها.. لم يكن أمام التراتبية العسكرية، التي حاولت في لحظة ما عدم القبول بحكم صناديق الإقتراع، سوى الإذعان والرضوخ. أحيل الطنطاوي على التقاعد، مقابل تعيين السيسي وزيرا للدفاع. منذئد، لم يتوقف الجنرال الجديد عن التآمر ضد الإخوان المسلمين الذين يضمر لهم كراهية تعذر إخمادها. وقد شجعته العربية السعودية التي سبق أن اشتغل بها ملحقا عسكريا في هذا المسعى. فقد قدمت له الرياض وأبو ظبي، اللتين قادتا ثورة مضادة في البحرين في مارس 2011، الدعم في عملية التدمير والهدم التي قام بها العسكريون المصريون. أما الرئيس مرسي، فقد أبان عن عجز في فك التحرر من نفوذ وتأثير الإخوان المسلمين الذي،ن بإشراف الرجل الثاني في الحركة، خيرت الشاطر، كانوا يعطون الأولية المطلقة لمصالح المنظمة على حساب مصالح الأمة. وظهر أن انفتاحا جديا على التيارات الليبرالية والقومية كان مستحيلا في الوقت الذي كان المتشددون الإسلاميون مستمرون في تنفيذ سياسات الأمر الواقع. في الحقيقة، حصل الدستور الذي فرضه الرئيس في شهر دجنبر2012 على الأغلبية في الاستفتاء، ولكنه بقي منعدم الشرعية في نظر العديد من المصريين

وبالنسبة لجون بيير فوليو، فقد رفع الإخوان المسلمون الذين ما زالوا مرعوبين من سابقة1954، من وثيرة تعصبهم ومن  طائفيتهم، فيما كان الجنرال السيسي يراهن على عدم شعبيتهم المتنامية. وعمل عقب انقلابه على وضع «دمى على رأس الدولة». وخلال شهر رمضان، قام بتمثيل مسرحية الوساطة الدولية، قبل إطلاق عملية القتل في 14غشت الجاري. أحيا سحق المتظاهرين الداعين لإرجاع الرئيس المنتخب إلى منصبه أساطير الاستشهاد الأكثر عنفا. وهكذا حافظ الإسلاميون على إرثهم العقائدي.

 

انتصار للظواهري

ولكن هذا الانتصار الدموي سيصبح  أسوأ الهزائم، لأن الطغمة العسكرية أغلقت بهذه الطريقة باب إدماج الإسلاميين في اللعبة المؤسساتية، ودفعت بهم نحو ارتكاب أعمال العنف. وستكون لهذه الكارثة أثار مستدامة تتجاوز حدود البلاد، مجهضة بذلك حظوظ نجاح المرحلة الإنتقالية الديمقراطية  في كل الدول العربية، والمستندة على الملاءمة بين الرؤية القومية والإسلاميةويخلص جون بيير فوليو، في تحليله للوضع المصري، إلى أنه يمكن لأيمن الظواهري، خليفة بن لادن على زعامة تنظيم القاعدة، منذ 2011، أن يعلن انتصاره انطلاقا من معقله الباكستاني حيث يختبئ. فلم يتوقف هذا المصري المتطرف، الذي تعرض للاعتقال وللتعذيب من طرف العسكريين في 1981 قبل أن يطلق سراحه ويطرد من البلاد، عن  شجب ونقد خيار العمل في إطار الشرعية الذي نهجه الإخوان المسلمين. وهذا يعني أن الطغمة العسكرية في القاهرة تقدم الدعم للدعاية الجهادية وتغدي بدون شك موجة إرهابية ذات مدى إقليمي. فالجيش يتحمل مسؤولية باهظة في هذه الورطة، وهذا الارتباك الفائق الحد، ولكنه لن  يكون الوحيد الذي سيسدد تكلفته الباهظة.

 

  جون بيير فيليو أستاذ جامعي في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر في معهد الدراسات السياسية في باريس **عن «لوموند»

 
شارك المقال

شارك برأيك
التالي