مطبخ المؤامرات

01 سبتمبر 2013 - 21:59

 


 ما جرى مؤامرة كبيرة وخطة جهنمية ستستعمل غدا في دول أخرى لإجهاض التحول الديمقراطي الهادئ من قبل «الدولة العميقة». ولكي نفهم أكثر كيف تحبك مثل هذه المؤامرات التي لا تصدقها العقول المبهورة بالأضواء والشعارات والضجيج والإعلام وصناعة الكذب، سنرجع إلى التاريخ عله ينير لنا الطريق، أو يفتح عقولنا لتستشرف ما وراء «الستار»…

في التاسع عشر من هذا الشهر، أي في الذكرى الـ60 للانقلاب على حكومة محمد مصدق في إيران، نشرت وكالة الاستخبارات الأمريكية «CIA» وثائق جديدة عن عملية «TPAJAX»، وهو الاسم الذي أعطي لهذه العملية سنة 1953، حيث تكفلت وكالة المخابرات الأمريكية بالإعداد لمخطط كامل سياسي وإعلامي واقتصادي وعسكري، وحتى ديني، للإطاحة بهذه الحكومة الوطنية التي جاءت عن طريق صناديق الاقتراع للحد من فساد واستبداد الشاه. وكان من أول القرارات التي اتخذت، تأميم شركة النفط البريطانية والإصلاح الزراعي، وتشكيل جبهة موسعة للحكم، فيها اليسار والوسط وحتى رجال الدين المتنورينلنقرأ دون تدخل في الوثيقة المنشورة هذا الشهر من أرشيف المخابرات الأمريكية: «كان الهدف الأول للعملية التي أشرفت عليها «CIA» بالكامل، بتنسيق مع المخابرات البريطانية، هو الإطاحة بحكومة مصدق. كان هذا عملا من أعمال السياسة الخارجية، لأن ترك إيران مصدق عرضة للخطر السوفياتي لم يكن يحتمل في واشنطن. لقد جرى التعاون لتنفيذ خطة الانقلاب هذه مع عدة متعاونين محليينوهكذا، بدأت الخطة بنشر الإشاعات الكاذبة حول حكومة مصدق في الداخل والخارج. جرى تصويره كشيوعي معاد للدين تارة، وكعميل موال للسوفيات تارة أخرى، ثم كعدو للديمقراطية والاقتصاد الحر، وكعدو للفقراء مرة، وضد الأغنياء أخرى. ثم جرى، ثانيا، إقناع الشاه، رضا بهلوي، بالتعاون مع المخابرات الأمريكية لتنفيذ الخطة، وتم تقديم الرشاوى بملايين الدولارات لأعضاء في البرلمان وخارج البرلمان لتعاون لإنجاح خطة الإطاحة بالحكومة. وجرى تنظيم صفوف رجال الأمن، بحيث يصيرون ضد الحكومة ورئيسها، ثم جاءت عملية تنظيم مظاهرات في الشارع وفي أكثر من إقليم». تظهر الوثائق أسماء شخصيات كثيرة من «البلطجية» كما يسمون اليوم في مصر أو «عصابة الأشرار» كما تسميهم الوثائق الأمريكية الذين كانوا يبعثون أتباعهم للخروج في مظاهرات، وتذكر حتى أعداد أتباع كل واحد من هؤلاء، فمثلا، الطيب طاهر حاج رضائي كان له 300 شخص، يؤدي أجورهم مقابل النزول إلى الشارع للتظاهر، وكان حسين ونقي إسماعيل بور له ما بين 300 و400 شخص تابعين له، بالإضافة إلى محمود عسكر وبويك صابر اللذين كانا شخصيتين بارزتين في تنظيم تلك العصابات التي توجهت إلى منزل مصدق.

المهم، استمرت الحرب الإعلامية الدعائية وحرب الشوارع عن طريق المظاهرات المفبركة ورشوة النخبة، ثم جاء الدور على الاقتصاد، حيث قادت بريطانيا حربا على النفط الإيراني في الأسواق العالمية بدعوى أن إيران اعتدت على الحقوق التجارية البريطانية في الشركة المؤممةساءت الأوضاع، واحتدم الصراع بين مصدق والشاه، ما دفع هذا الأخير إلى الهرب إلى إيطاليا في بداية غشت 1953، وقبل أن يهرب وقع قرارين؛ الأول هو عزل مصدق، والثاني تعيين الجنرال فضل الله زاهدي محلهلما انضم رجل الدين، آية الله كاشا، إلى حركة مصدق، وأفتى بأن كل من يعارض تأميم النفط الإيراني فهو عدو الإسلام، تعرض لضغوط كبيرة، وخرج مجموعة من رجال الدين، قبيل الانقلاب بأيام، يفتون بأن مصدق معاد للإسلام والشريعة. كانت سياسة الإصلاح الزراعي قد مست مصالح كبرى للإقطاع، وكان تحالف مصدق مع اليساريين والليبراليين يخيف القصر، وكان تأميم النفط يمس مصالح الغرب، وكانت العملية الديمقراطية تخيف «السافاك» (مخابرات الشاه) والمحيطين بالملكيةوهكذا انسحب آية الله كاشا من التحالف، واشتد الحصار الاقتصادي على البلاد، واتسعت المظاهرات مدفوعة الأجر، وأصبح الجو مهيأ لـ«الحركة الأخيرة»، انقلاب الجنرال فضل الله على رئيس الحكومة مصدق، واعتقاله وإيداعه السجن، وبقية القصة معروفةانتهى الاقتباس من الوثائق المخابرات الأمريكية.

لكن بعد 16 سنة، سيخرج مصدق آخر في ثوب راديكالي ديني اسمه آية الله الخميني، وسيقود ثورة هادرة على الشاه وعلى الغرب ومصالحه وثقافته، وسيقتلع النظام السابق من جذورهالكل اليوم مقتنع بأن الإطاحة بمصدق كانت السبب رقم واحد في نجاح الخميني

كل تشابه بين ما جرى في عملية «TPAJAX»&nb

شارك المقال

شارك برأيك