مأزق الملكية التنفيذية

04 سبتمبر 2013 - 12:52

 

لم تكن قضية «دانييل كالفان» تعني -فقط- في سياق استقراء دروسها، أن قوس مغرب ما بعد 20 فبراير لم يغلق بعد. لكنها كانت تؤشر في العمق على نوعية من التحولات باتت تخترق بنية الفعل السياسي، وأشكال بناء القضايا العامة، والمدى الجديد الذي أصبحت تصله مطالب «الفاعلين الجدد»، بعيداً عن الحدود المرسومة  وغير المكتوبة، المُلتزم بها عادةً من طرف فاعلي المؤسسات.

وإذا كان من المؤكد أن دينامية فبراير المغربي قد استندت في صيرورتها على «المفاجأة الإستراتيجية» لحدث الربيع العربي في موجته الأولى، فإنه من غير الممكن -في لحظة تحليل الحدث- إقصاء عناصر البيئة الوطنية المُستقبلة، والتي سهلت ولادة الهَبّة المغربية، ليس كحدث عابر ضمن يوميات السياسة المغربية، ولا كمجرَد صدى بعيد  للمحيط الإقليمي، ولكن كعنوان على تحولات سوسيولوجية نافذة، مسّت علائق الشباب بالسياسية، ووسائل التأطير، وطرائق الاحتجاج.

القصد من هذا التذكير السريع هو المجازفة بالقول إن دينامية 20 فبراير، في تمظهراتها الحركية، قد تؤول إلى التحلل أو حتى الموت، لكن هذا لا يعني أن بالضرورة موت فكرة «الاحتجاج السياسي» بدعواتٍ مواطنة من أفراد، تيسر لهم وسائط التواصل الجديدة تأسيس شبكات وتحالفات، وبناء قضايا مهيكلة للرأي العام.

الخلاصة الأولى لهذا التحليل، تقودنا للقول بأن هوامش استثمار الدولة للرياح الجديدة للموجة الثانية من الربيع العربي، قد تتسع فيما يهم تضييق الخناق على إسلاميي المؤسسات، لكنها لن تستطيع بالنجاعة نفسها تدبير العلاقة مع الشارع.

قد يكون من المفيد هنا أن نتحدث عن ما تسميه الكثير من الأدبيات الأكاديمية بـ «ديمقراطية الرأي» كتوصيف لحالة من القدرة التعبوية التي يخلقها تقاطع مواقف مواطنين/أفراد، داخل الساحة العمومية، وكمقابل لـ»ديمقراطية المؤسسات»، حيث الاختلافات تكمن في نوعية الفاعلين، وفي طبيعة استراتيجيات الثأثير، وفي مفهوم الزمن السياسي نفسه.  

وإذا كان الكثير من المتتبعين قد طرحوا أسئلة حول تداعيات قضية وحش القنيطرة، على نزوع النسق السياسي إلى العودة لملكية تنفيذية، على الأقل من زاوية تحليل مخاطر المواجهة المباشرة للمؤسسة الملكية مع الشارع، مواجهة بلاَ وسائط ولا نوابض لتخفيف الصدامات المُحتملة، والواقع أن أسئلة مثل هذه لها كامل الشرعية، فآليات الوساطة الحزبية والنقابية والمدنية تعاني عطب في البنيات والوظائف، والأحزاب لم تلتقط رسائل 20 فبراير، التي دعتها -عملياً- إلى تغيير تعريفها للعمل السياسي من  كونه مجرد تدبير للعلاقة مع الدولة، إلى تدبير العلاقة مع المجتمع، لذلك ظلت في غالبيتها وفية لدوْرين لا ثالت لهما: انتظار الإشارات من أعلى أو تثمين القرارات الواردة من أعلى، وهو ما يجعلها على الأرجح، في المعادلة السياسية الجديدة، عبئاً على الدولة عوض أن تكون مُغذيةً طبيعية لشرعية هذه الأخيرة.

 وفي الحقيقة، كل هذا التوصيف يمكن اقتصاده، بمجرد الاكتفاء باستعادة «الذهول الكاريكاتوري» للعديد من قيادات الأحزاب، إبان القضية إياها.

من جهة أخرى، فإن استحضار التدافع بين أطروحتي الملكية التنفيدية والملكية البرلمانية، إذا كان قد أفضى -فيما يشبه توافقاً تاريخياً- إلى حلٍ تقفل بموجبه باب الملكية التنفيدية، دون أن تفتح بالكامل نافذة النظام البرلماني، مما يسمح بإعادة تعريف للمؤسسة الملكية كوصية على القيادة الإستراتيجية، وترقية الحكومة إلى وضعية السلطة التنفيدية باعتبارها جهة خاضعة للمساءلة.

لكن الطبيعة التوافقية للحل الدستوري جعلته يبقى مفتوحاً على تعايشٍ صعبٍ لكلا المشروعين: العودة إلى الملكية التنفيدية أو الانزياح إلى التأويل البرلماني.

ربما، يمكن اليوم قراءة تفاعلات الساحة السياسية، بعد رصد «انحسارها غير المتوقع» في -التوقيت والسياق-من خلال مأزق مزدوج، مأزق مشروع التأويل البرلماني الناتج عن هشاشة «ديمقراطية المؤسسات» وعطب الفاعلين الحزبيين والمؤسساتيين، ثم مأزق مشروع العودة لملكية تنفيذية، الناتج عن تصاعد «ديمقراطية الرأي» المحمولة على أكتاف جيل تبدو عقيدته السياسية هي المساءلة.

 وهو ما يبدو أقرب إلى مفارقة، تجسدها صورة مؤسسة ملكية تدفعها هشاشة «ديمقراطية الأحزاب» إلى النزوع نحو ملء فراغات باقي الفاعلين التنفيديين، وعندما تقدم على ذلك تكون قد خاطرت بمواجهة مباشرة لـ «ديمقراطية الرأي»! 

شارك المقال

شارك برأيك