الإفاقة من كابوس الشرق الأوسط

04 سبتمبر 2013 - 12:29

 

 

إن الشرق الأوسط عالق في دوامة تبدو بلا نهاية من عدم الاستقرار، ففي ظل احتمالات التدخل العسكري في سورية، جنباً إلى جنب مع الوضع المتدهور في مصر منذ انقلاب الجيش، أصبحت المنطقة على حافة الهاوية، فضلاً عن ذلك، وعلى الرغم من التغيرات التي شهدتها إيران منذ انتخاباتها الرئاسية في يونيو، فإن المفاوضات الدولية بشأن طموحاتها النووية تظل حبراً على ورق.

والمفارقات كثيرة في ظل المواقف المتعارضة- والمتناقضة ظاهرياً في بعض الأحيان- التي اتخذها حلفاء الولايات المتحدة التقليديون في الشرق الأوسط (المملكة العربية السعودية وإسرائيل وتركيا ومصر ودول الخليج) بشأن النزاعات الرئيسة في المنطقة، وفي كل البقاع الساخنة اليوم، يأتي الحرص على ملاحقة المصالح الخاصة من البلدان المجاورة أو القريبة ليزيد الأمور تعقيداً.

فالمملكة العربية السعودية، التي تخشى العواقب الداخلية الوخيمة التي قد تترتب على تمكين الإخوان المسلمين في مصر، لا تريد أن ترى حركة إسلامية تتمتع بالشرعية الديمقراطية؛ لذا فقد اتخذت موقفاً قاسياً ضد الإخوان المسلمين، رغم أنهم أكثر اعتدالاً من النسخة السعودية من الإسلام.

وإسرائيل من جانبها تمارس الضغوط في جهتين؛ فهي أولاً تدعم الانقلاب المصري والاعتراف الدولي بالنظام العسكري، وبالتالي تضمن- كما تأمل- قدراً أكبر من الاستقرار على طول الحدود مع سيناء. وثانياً، تحاول إسرائيل جعل أي تقدم على مسار المفاوضات مع الفلسطينيين معتمداً على الأحداث في مصر وأماكن أخرى في المنطقة، مثل إيران. وقد استثمر وزير الخارجية الأميركي جون كيري قدراً كبيراً من رأس المال السياسي في محاولات إحياء مفاوضات السلام، وبوسع إسرائيل أن تستخدم ذلك لمصلحتها أيضا.

ومن ناحية أخرى، ألهبت الحرب الأهلية في سورية الصدع السُنّي الشيعي الذي يعبر المنطقة بالكامل، والذي يرسم على سبيل المثال حدود المنافسة بين المملكة العربية السعودية وإيران، والواقع أنه في حين تعارض المملكة العربية السعودية الإسلاميين المنتخبين في مصر، فإنها تدعم المتمردين الإسلاميين في سورية، وهو ما يرجع بالكامل إلى دعم إيران لنظام الرئيس السوري بشار الأسد.

وقد أثبت الانقلاب المصري أنه كان تحركاً خاطئاً بالفعل، فيبدو أن المؤسسة العسكرية ترتد إلى أساليب الحكم- بل حتى المؤسسات الأمنية المرعبة- المنتمية إلى عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك الذي دام ثلاثين عاما، وحتى مبارك نفسه أفرِج عنه من السجن.

إن قمع الجيش للإخوان المسلمين في واقع الأمر مسألة تنافس على السلطة أكثر من أنه أمر يتعلق بتوجهاتهم الدينية، وبوصف جماعة الإخوان المسلمين القوة المنظمة الوحيدة القادرة على تحدي الجيش، فإنها تشكل التهديد الأعظم الذي يواجهه الجيش، كما أظهر فوز مرسي في الانتخابات التي جعلته رئيساً قبل عام من الإطاحة به.

وعلى رأس كل ذلك، تظل المشكلة التي يفرضها برنامج إيران النووي بلا حل، وقد لا يكون هذا مستغرباً نظراً للعنف والاضطرابات في أماكن أخرى من المنطقة، ولكن منذ تولى الرئيس الجديد حسن روحاني منصبه في بداية شهر أغسطس، فإن الغرب بصراحة لم يبد الإرادة الكافية لاستكشاف الفرص المحتملة.

وهو خطأ فادح، لأن التقدم في المفاوضات مع إيران حول برنامجها النووي من شأنه أن يساعد في خلق مناخ أكثر ملاءمة لحل مشاكل المنطقة الأخرى. وعلاوة على ذلك فإن المفاوضات سوف تدور الآن تحت ولاية الإدارة الرئاسية في إيران، وهو ما من شأنه أن يعطي روحاني حيزاً أكبر للمناورة. ووزير الخارجية الجديد محمد جواد ظريف شخص معروف ويحترمه كل زعماء الدول التي تشارك في المفاوضات، وسوف يتولى مسؤوليات مهمة في أي محادثات مقبلة.

ورغم أن الحذر مطلوب بكل تأكيد، فلابد من الإقرار بأهمية انتخاب روحاني، وإذا كانت نافذة الفرصة مفتوحة، فيتعين على الغرب أن يبذل كل ما في وسعه لاغتنام هذه الفرصة.

وينبغي لنا أن نتذكر أن روحاني حقق انتصاراً مفاجئاً في انتخابات بلغ معدل الإقبال عليها 75% تقريباً من الناخبين، رغم التوقعات بعدم اكتراثهم بها على نطاق واسع. وقد حشد روحاني الإيرانيين حوله بفضل برنامجه الواضح للتجديد الاقتصادي، والذي يعتمد على اندماج إيران في المجتمع الدولي، وبالتالي على تقدم المفاوضات النووية.

منذ تولى منصبه، استجاب روحاني بسرعة لمطالب الجماهير الإيرانية، والواقع أن قِلة من المراقبين كانوا يعتقدون أنه قادر على تجميع مجلس وزراء كهذا، من حيث مواقف أعضائه من الإصلاح الاقتصادي والعلاقات الدولية. وبالتالي فقد تم اتخاذ خطوتين مهمتين: الأولى اتخذها الشعب الإيراني، الذي أثبت إدراكه للتحديات التي تواجهها بلاده، والثانية اتخذها رئيسهم الجديد الذي نجح في جمع أفضل فريق متاح لتحمل مسؤولية تنفيذ برنامج بالغ الصعوبة. هناك تعبير في إيران ينطبق على المجتمع الدولي: "تستطيع أن توقظ شخصاً نائماً، ولكنك لا تستطيع أن توقظ شخصاً يتظاهر بالنوم"، والواقع أن إدراك محاوري إيران الدوليين لأهمية انتخاب روحاني يتوقف على اختيارهم وليس جهلهم.

في الشرق الأوسط العامر بالشكوك وعدم اليقين، فإن إيران الأكثر وضوحاً- والتي تتصرف كدولة مهمة إقليميا، وليس باعتبارها حركة شيعية تزعزع الاستقرار وتتجاوز طموحاتها ما يسمح به القانون الدولي- تصبح في مصلحة الجميع. ولن يكون هناك أي مسار للخروج من عذابات الشرق الأوسط في غياب المشاركة والالتزام والعزيمة الصادقة من جانب جميع الأطراف.

 

عن: «الجريدة»

شارك المقال

شارك برأيك
التالي