الميزانية السوداء

05 سبتمبر 2013 - 13:06

 إحدى النتائج المثيرة للاهتمام، التي تمخضت عما نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأسبوع الماضي من وثائق سرية عن أكبر وكالة تجسس في العالم (CIA)، هي أن الولايات المتحدة لم تعد تملك كثيرا من الأسرار بعد الآن، في عصر «ويكيليكس» والمخبرين المنتشرين في كل مكان. 

ما الذي كشفته هذه الوثائق الحساسة، التي لم تستطع «الواشنطن بوست» نشر كل تفاصيلها لأن الإدارة الأمريكية تدخلت لمنع وصول ما اعتبر معلومات قد يضر نشرها بالمصلحة القومية للبلاد وسلامة الموظفين؟ 

إنها الميزانية السوداء لوكالة المخابرات الأمريكية، والكيفية التي توزع بها على مختلف أنشطة المخابرات الخارجية والداخلية، ما يوضح نوع الإدارة ونوع الاهتمامات، ونوع المخاطر التي تقدر أمريكا أن بلادها معرضة لها في الأركان الأربعة للعالم. 

أبرز ما كشفت عنه «الميزانية السوداء» القلق وسط الرأي العام الأمريكي بشأن الزيادة الحادة في الإنفاق على وكالة الاستخبارات المركزية، التي وصلت إلى 14.7 مليار دولار في عام 2013، بعدما كانت قبل عشر سنوات (1994) لا تتعدى 4.8 ملايير دولار، زد عليها الـ10.8 ملايير دولار التي طلبتها وكالة الأمن الوطني (وكالة التنصت)، والـ10.3 ملايير دولار التي طلبها مكتب الاستطلاع الوطني. إنها أكبر ميزانية مخصصة لجمع المعلومات وتعقب الأخطار وتحليل النظم في العالم. 

ما الذي حصل عليه الجمهور مقابل هذه الأموال؟ تسأل «الواشنطن بوست» التي لم تكتف بنشر الوثائق التي سربها عميل سابق في المخابرات الأمريكية، بل عمدت إلى مناقشتها، وفتح حوار أمني واقتصادي وسياسي حولها. يذهب 39 من الميزانية السرية إلى ما وصف بأنه «الاستخبارات والإنذار الاستراتيجي»، الذي يبدو محتفظا بمكانته منذ الحرب الباردة. أما ثاني أكبر حجم من الميزانية (33 في المائة)، فأنفق على «مكافحة التطرف العنيف» داخل أمريكا وخارجها، وهذا هو الأهم. 

يقول جون ماغواير، وهو ضابط سابق شارك في عمليات وكالة المخابرات المركزية وتقاعد منذ عدة سنوات (نقلا عن الواشنطن بوست دائماً): «يجري استخدام السرية والمبالغة في التصنيف اليوم لإخفاء المخالفات والفساد المنهجي، والقصور في الاستخبارات». وقد ردد مثل هذه الانتقادات ضباط سابقون يعتقدون هم أيضاً أن وجود وكالة استخبارات أصغر حجما وأفضل إدارة سيكون أكثر فعالية.

من الأقوى.. الدول البوليسية والمنغلقة التي لا تسمح بتسرب أي معلومات حول أجهزتها السرية ولا أية مناقشة لنظمها الأمنية وطرق إدارة مصالحها الاستخباراتية، أم بالعكس الدول المنفتحة على حق المواطن في تقرير مصير كل شيء فوق التراب الذي يعيش عليه ويؤدي فوقه الضرائب التي تمول النشاط السري والعلني لحكومته؟

جواب الصحيفة الأمريكية الأكثر تأثيرا في واشنطن هو: «سيكون المستفيد الأول في عالم انعدام الأسرار، المجتمعات المنفتحة، مثل الولايات المتحدة التي تطور ببطء ثقافة المساءلة والإفصاح عن وكالات الاستخبارات الخاصة بها، على الرغم من الألم الذي تسببه مثل هذه العملية للجسم السري». 

انظروا مستوى النقاش في صحف الدول المتقدمة وقارنوه بما يوجد عندنا.. كان الله في عون أعصابكم.

 
شارك المقال

شارك برأيك